الانضباط الذاتي : هل هو طريق نحو الفعالية ؟

يعتبر التسويف ونقص التحفيز وعدم وضوح الأهداف التي نتغيّا تحقيقها من بين عديد الأسباب التي تفسر بشكل واضح نقص الرغبة لدينا، وغياب الصرامة حينما نبحث عن تحقيق مجموعة من النتائج والأهداف (سواء كانت هذه الأخيرة أهدافا مهنية أو شخصية). أما مكمن التناقض فيتجلى في رغبتنا على مستوى الواقع في التحسن والرقي والنجاح.

لكن المجهودات التي يجب أن نبذلها لكي نحقق ونصل إلى مبتغانا تظل غالبا بمثابة عائق كابح ومعطِّل. فنتحول إلى الشك في أنفسنا، ونعيد النظر في قدراتنا وكذلك في نجاعة وجدوى الأهداف التي نود تحقيقها وإنجازها.

فعلى منوال الشخص الذي يبدأ بعمل حمية غذائية مثلا، وينهار أمام منظر الشكولاطة الذائبة، أو ذلكم الشخص الذي يبدأ ممارسة الرياضة، ثم ما يلبث أن يتغيب عن حصة الرياضة للمرة الأولى والثانية، ثم يصل إلى 10 حصص في الشهر من التغيب ممارسة الرياضة…

مبدئيا، فإن نأينا وحِدنْاَ قليلا عن الهدف المنشود فهذا لا يشكل ضررا بالغا على الإطلاق، وهذا ما يقال في الغالب. لكن إذا لم نخطئ، وجب أن نفهم هذا المنطق فهما شموليا، لأن “التخلي” المؤقت والظرفي عن انخراطنا على المستوى الشخصي لن يكون له تأثير جم وكبير على تحقيق أهدافنا … لكنه إذا صار انضباطا ذاتيا، فذلك معناه أننا نتحكم يقينا في زمام الأمور.

أعلم يقينا ما أقصده في حديثي؛ وذلك لكوني قد بدأت ممارسة الرياضة في ناد لكمال الأجسام منذ نحو سنتين. وذات مساء، غالبني الكسل وتقاعست عن الذهاب… وقد أدى بي ذلك الأمر أني وجدت نفسي في صالة الرياضة، ولكن بعد سنتين للأسف. لذا فأنا أكتب هذه المقالة اليوم وعضلاتي تؤلمني، لأنني قررت هذا الأسبوع استئناف القيام ببذل مجهود بدني، لأن الوقت حسب نظري، ما زال سانحا للقيام بذلك.

يقودكم الإحساس الذاتي إلى التفكير في الوقت الراهن في الوسائل التي يتوجب اتخاذها لإيجاد مفهومي الجدية والحزم اللذان يعتبران غاية في الأهمية، لأن بمقدورهما تحسين واقعنا اليومي وإعطاءه التوجيه السليم نحو ما نصبو ونرنو إلى تحقيقه. وأجد أن التطرق إلى هذا الموضوع له غرضان ووجهان : فأما الأول فيتمثل في التطرق إلى الحديث عن سيرورة علم النفس …. أما الثاني فيتمثل في كونه بمثابة صفعة موجهة إلي مباشرة !

1. الانضباط الذاتي والشعور بالذنب المستفحل

تعد هذه أول مرة نستشعر فيها إحساسا رهيبا بالخيانة، وذلك حينما نبدأ بفقدان قدرة الحماس والتحفز، كما نستشعر عدم وفائنا للعهد الذي قطعناه مع ضميرنا.

وما النتيجة إذن ؟ نتيجة ذلك هو ظهور مشكلة يتوجب التفكير فيها مليا وفي أثرها على فكرة الرغبة في تحقيق أهدافنا، وجعلنا نرغب في جلد ذواتنا…

إنها دائرة مغلقة تزحف رويدا رويدا بطريقة ماكرة، كما أن عدم تعقب مسارها سيوقعنا ويبذر الشكوك في مقدرتنا على تحقيق أهدافنا التي سطرناها سلفا، ونحسبه على شاكلة خطأ يأتي من القواعد على طاقتنا التحفيزية وكل ما سطرناه من قرارات.

إن الانضباط الذاتي ليست تلك القوة الوحيدة التي تدفعنا إلى إخراس ذلك الصوت الصغير المنبعث من ثنايا أنفسنا، والذي يحثنا على بذل المجهود في سبيل تحقيق أهدافنا. لا أبدا، فهو أيضا قدرة على إثبات النفس وكذلك هو نوع من الرأفة والرحمة بنا. وكذلك من الممكن أن خطة عملنا ليست بالدقة المطلوبة، ومن الممكن أنها كانت تتغيا أهدافا كبرى لم يحن وقتها بعد.

ودون أن نحصي العقبات التي تعترضنا يوميا، كالملتقيات غير المتوقعة، واللقاءات والإكراهات المادية … والتي من الممكن أن تؤثر في انضباطنا على الصعيد الشخصي، فهل لدينا العذر الكافي كي نوقف كل شيء ؟ بالطبع لا، لكن هذه الأدلة من شأنها أن تقودنا إلى سبيل ما يسمى بالتسامح الذاتي.

إن تحديد السياقات التي تؤدي بنا إلى التراجع عن فعل أمر ما وغياب الانضباط تعد أولوية، كما أنها بمثابة بذل للعناية من خلال إيجاد المسائل التي تعيننا على إعادة صوغ أهدافنا بشكل ملموس وواقعي. وتعد هذه الأخيرة نابعة من التفكير الملي، ولا تقاوم أبدا إخضاعها لامتحان الواقع.

ولكي أكرر الحديث عن تجربتي .. فإني توقفت عن ممارسة الرياضة لأني سافرت رفقة أسرتي، وإثر عودتي، كنت قد تلقيت عروض عمل جديدة.

ولكي أواجه هذا المستجد، تطلب مني ذلك القيام بإعادة ترتيب جدولي الزمني الخاص، والذي كان السبب الفعلي الذي يثنيني عن العودة إلى مِرَاسِ الرياضة.

فلم أستطع العودة إلى ممارسة الرياضة إلا بعدة مدة، وبعد أن أصبحت متمكنا من القيام بهذه المهام الجديدة على أكمل وجه، صرتُ لا آسَفُ على هذه الاختيارات، لكن كان لزاما علي أن أبرهن عن مدى انضباطي بشكل مبكر. لكن ما جدوى أن تحس بأنك شخص مقصر ؟

2. الانضباط وتحديد السياقات الخطرة

لنعد أدراجنا إلى ما نعتبره نوعا من الانحراف الذي يطال الانضباط.

فكيفما كان التغير والتحسن والتطور على الصعيد الشخصي الذي تنشدونه، فقد يطاله وقد تصيبه بين الفينة والأخرى مجموعة من الشكوك والتوجسات وقد يزيد وينقص.

حينما نتحدث عن مسألة الانضباط، تطفق إلى أذهاننا صورة أشبه بالنظام العسكري، أو بشخص غير عابئ بمحيطه أو بمن هم حوله، أو بصحته النفسية أو بحاجياته ومتطلباته، أو كما لو أن مطالب بتحقيق ما يطلب إليه مهما كلفه ذلك من ثمنه، ودون أية زيادة. لكنني لا أشاطر هذه الرأي مطلقا.

يتعلق الانضباط بالنسبة إلي شخصيا بملكة تسمى القدرة على التأقلم والتكيف : أي أن تنخرط في تأدية واجب أو عمل حينما تشعر بقدرتك على القيام به، وبالقدرة على مضاعفة المجهود في الأوقات “الهامة”، لكن ذلك يتطلب أيضا مقدرة على إبداء عدم الاهتمام، والمحافظة على صحتنا النفسية حينما نستشعر وهننا وضعفنا في لحظة من اللحظات. فعقلنة تدبير الوقت تدخل ضمن هذه المنظومة المنتظمة، وضمن هذا الكل الذي يجعلنا قادرين على بلوغ الفعالية.

فالوعي بضرورة القيام بالمحاولات (سواء بعدم المحيد عن السبيل، أو الوهن والضعف أثناء حمية غذائية، أو إيقاف دفع المستحقات …)، هو اعتراف صريح بأن التحفيز يعد عاملا يطاله الوهن والضعف، لذا وجب أن نقوم على الدوام بضرورة تنشيطه.

وللقيام بهذا الأمر، لدي طريقتي الخاصة. فحينما أشعر بأن شيئا ما سيثنيني عن القيام بإكمال مشروع ما، فإني أقوم بتغيير مكاني، كي أحسن من حالتي الذهنية.

وما الطريقة العملية ؟ إذا كنت غير راغب في الذهاب إلى صالة الرياضة، أقوم بتجهيز حقيبة الملابس رغم ذلك، كما أني آخذ سيارتي وأقوم بجولة.

فمن بين 9 مرات على 10 حينما أتحرك من مكاني، أقول في طوية نفسي بأن التمرن لن يشكل أي ضرر عليَّ، بل يجعلني في غالبية الأحيان أتواجد في مكان لم أرغب في الذهاب إليه بالمرة لو أني أرغمت نفسي على ذلك، من دون تدرج.

وقد وجب التذكير أيضا بأن هذه الطريقة بمقدورنا تجربتها أيضا على المثال المتعلق بالحمية الغذائية : مثلا كعكة شكلاطة شهية ؟

لذا وجب أن تذهبوا في جولة بعيدا، ولتقوموا بزيارة أصدقاء لكم… وبسرعة، ستنسونها !

فليس شرطا لازما أن يكون الانضباط قسريا وزجريا كي يأتي بنتيجة، أو لكي يكون ناجعا.

3. الانضباط والعامل الباعث على التحفيز

إن درجة أهمية المجهود المبذول هي التي تجعل من المهمة التي ينبغي القيام بها بمثابة عائق وتحدٍّ نفسي. فمن بين الطرق الأكثر نجاعة لتنشيط وتحفيز الانضباط، يتمثل في عدم التركيز على الانجاز بالضبط أو في “كلفته” الزمنية أو المجهود (سواء البدني أو الذهني…)، بل وجب التركيز على الدافع النفسي وعلى بذل المجهود.

وكي يتم ذلك، وجب بشدة البدء بالمهمة السالفة الذكر، وهذا لا يتطلب سوى بضع دقائق كي تنقدح وترتفع طاقة الحماس لدينا.

وإذا قمتم بتأطير مدة إنجازكم، وذلك بوجوب وضع مهلة زمنية مقدارها ما بين 10 دقائق و20 دقيقة قصد القيام بأمر ما، ستلحظون في الغالب إبانها أنكم ستطلبون القيام بالمزيد، بينما إذا توقعتم مواجهة هذا الأمر في مدة زمنية أطول، فلن يكون بمقدوركم دون شك إيجاد الحماسة والتحفيز للقيام بذلك.

أما بخصوص الوجه الإيجابي في هذه المسألة فيتمثل بالطبع في الرضا الذي يتحصل على المدى القصير؛ بالرغم من عدم بلوغ هدفكم، فإنكم تستشعرون فرحة شخصية غامرة مصدرها الفعلي تلك الرغبة الملحة في الدنو والاقتراب من تحقيق المرام والهدف.

4. الانضباط وتتبع ومواكبة المجهودات المبذولة

إذا تتبعتم وقرأتم بشكل مستمر جل ما نقوم بكتابته وما نضعه رهن إشارتكم على الموقع، ستعلمون إلى أية درجة نُلِحُّ على إيجابيات القيام بكتابة الخطوات المتقدمة والنجاحات التي تحققونها، فهذا أيضا يعد شيئا ناجعا في مسألة الانضباط.

ولهذا حينما تقومون بفعل ما، أو تقومون بأمر يكون الغرض من وراءه تحقيق مبتغاكم وهدف من أهدافكم، حينها يكون بإمكانكم كتابة النتائج المحصل عليها في يومية (وهي طريقة أشبه إلى حد كبير بطريقة كتابة خواطركم اليومية).

وما الهدف ؟ يتمثل الهدف المنشود بكل بساطة في إدراك المجهودات التي نبذلها والتركيز على هذه الأخيرة بدل تلك الأمور التي لا زالت عالقة. ولنكن صرحاء، لأن إعادة قراءة تلك اليومية كفيلة باستثارة همتنا، ولما لا فهي أقدر على بعث الحماسة والتحفيز في كياننا من جديد.

5. الانضباط من شخصين شيء أفضل !

تعد الرغبة في إشراك أقاربكم وأصدقائكم في تحقيق أهدافكم مسألة قد تأتي بنتائج مرجوة. فالحوار والتبادل والمشاركة تعتبر من بين الأشياء التي تمكن الأفراد من انقداح وإعلاء همتهم وتحفيز الطاقة الكامنة.

لذا من الطبيعي والعادي جدا أن تجد بعض الأشخاص في محيطك يقاسمونك نفس الطموحات، فعلى سبيل المثال أنا شخصيا لا أذهب لممارسة الرياضة لوحدي إلا فيما ندر من الأحيان. وكثيرا ما يقوم صديق لي بمرافقتي. ويجعلني هذا أتحمس بشكل مضاعف، وأعترف بأني أؤمن حينها بالمنافسة والتحدي في ممارسة الرياضة معه.

وهذا ليس بالضرورة منطقا أتبناه بشكل شخصي أو فردي.

فالهدف الجماعي يصير شيئا مقدورا وسهل التحقق، لأن قيم التآزر تشكل قيم الأفراد.

فحينما يصيبنا الشك والارتياب، فإن القدوة تمكن من استعادة زمام الأمور والسيطرة على النفسية، وحفز الرغبة في عدم التقهقر والرجوع إلى الخلف، كما القدرة على الحفاظ على الرضا الذي تخلفه…

وهذا أيضا دون أن نعد عامل الثقة الذي يدفعنا دفعا نحو تحقيق أهدافكم، بعد أن تجعلوا منها مسألة ذات أولوية داخل محيطكم.

هل من المعقول أن تجلسوا داخل بيتكم وأن تأكلوا بكل نهم علبة كاملة من “شكلاطة النوتيلا” مثلا، بينما تظهرون لجميع الأفراد في محيط دائرة معارفكم بأنكم تتبنون نظام حمية غذائية، ترى هل هذا صواب ؟ 
إن الانضباط قوة نائمة في ثنايا أنفسنا، وبمقدورها أن تجعلنا نطال بها قمم الجبال.

لكنها بخلاف ما قد نعتقده، فإنها لا تجد معناها ولا تستقيم فقط من خلال الثقة التي نوليها إياها، بل أيضا في شكل محدد من التسامح. فمن اللازم إذن أن نقوم بالبحث عن تحقيق نجاحاتنا، بدل التفكير في الطريق المتبقية التي وجب أن نذرعها ونقطعها كي نبرزها في النهاية.

وماذا عنكم ؟ ماذا عن مفهوم الانضباط لديكم وكيف تحفزونه ؟ وما هي أفضل الأمثلة المتجسدة واقعيا عن الانضباط ؟ سأنتظر ردودكم بالطبع.
 إلى اللقاء !

هل الأفكار السلبية نظام مدمر أم أنه وقاية نفسية ؟

إنها ظاهرة منتشرة، بل هناك أكثر مما يمكن أن يخطر على البال ؛ أي “تحفيز النفس” عن طريق الخوف، وعن طريق إبراز السلبية العميقة، وكذلك إنكار القدرات الذاتية.

إن التناقض الحاصل في مسألة انجذابنا نفسيا للأفكار السلبية، يأخذ حجمه الأكبر من الفهم الذي نتبناه عن أنفسنا، وكذلك من خلال نظرتنا لجل العقبات التي تعترض سبيلنا، لأننا نعتبرها في العادة بمثابة صخرة أو جبل من شبه المستحيل تخطيه.

فكل اختبار يحمل إلينا مقياسا معينا من الشكوك أو المخاوف وبالتالي فإننا نعيد النظر في الأمور، فنقول “بأننا أشخاص فاشلون”، وبأننا “لن نحقق ما نريد” وَأننا ” غير قادرين على تحقيق ما يحققه الآخرون”.

وكأن التقهقر إلى الوراء والرضا بالفشل واختلاق الأعذار يجعلنا كمن يضع أسماء أشباح سيواجهها … ويرغب فيها أن … تختفي. فلماذا تطلبون إلي الحديث في موضوع تحفيز الذات ؟

ببساطة شديدة، لأن فكرة عدم التسامح مع النفس، واستعمال كلمات قاسية وجارحة شيء مألوف وعادة منتشرة على نحو واسع، خاصة حينما يتعلق الأمر بمسألة تحدي النفس. “هل أنا أحمق أم ماذا ؟ يا لغبائي … كيف نسيت ذلك ؟ هيا، فلنعد كل شيء من البداية !”.

إن جعل الأفكار السلبية منطقا للتفكير يتميز بتغييب النجاح الحتمي، يزيد بالتأكيد من شعور الأنا الذي بداخلنا، وبالمقابل، نجد أن له أيضا أثرا تدميريا على الأمد الطويل، كونه يؤثر سلبيا ويجعلنا نشكك في مفهوم تقدير الذات والثقة في النفس لدينا. لكن، لا تخطؤوا، ففي دواخل كل شخص فينا يوجد صوت صغير ينشر الأفكار الإيجابية التي من شأنها التأثير في راحتنا النفسية وجعلنا نشك أيضا.

فمن الواجب بكل بساطة إعطائها قدرها المستحق، والاعتراف بعدم حيادها، وكذا انحيازها، وذلك من أجل القبول بها كآلية طبيعية. وانطلاقا من هذا المعطى، سأخوض في الحديث عن موضوع اليوم إذا سمحتم طبعا.

وما الهدف من ذلك ؟ يتلخص الهدف بكل بساطة في جعلنا نعترف بقدراتنا ومؤهلاتنا، وهذا المعطى كفيل بجعلنا نستشعر الرضا الذاتي والراحة النفسية.

1. وماذا إن كانت أفكاركم السلبية تعبيرا عن حسن توجهكم ؟

أول شيء أود في حقيقة الأمر أن أؤكد عليه هو الوجود المادي الضمني للأفكار السلبية، بالإضافة إلى أشكال أخرى من أنماط التفكير كجلد الذات وانتقادها بحدة بالغة.

في أغلب الأوقات، لا تظهر هذه الأشياء بشكل متراتب بالضرورة إذا كان ذهنكم مستقرا وكل شيء على ما يرام في حياتكم. لكن إذا استمرت الشكوك بشكل مطرد وبشكل حاد، فعلى ما يبدو أنها مخلفات صراعات التي لم تحل بعد، والتي ترافق تطور الشخصية لدينا.

وفي حقيقة الأمر، فإننا حينما نواجه العقبات تزداد هذه الأفكار السلبية وتتقوَّى (سواء بالضغط والتوتر الذي نحس به، أو الصراع، أو من خلال رغبتنا في تحسين وضعنا المادي…). ومن هذا المنطلق أضع سؤالا عميقا ألا هو : وماذا إن كانت هذه الأفكار غير منطقية ومدمرة، بل ضمانات أو ” أدوات ” تمنع الشعور بالإحباط وأن أحاسيسكم مجروحة أو أنها خيبات أمل ؟

صحيح أن الخوف من خطر ما، وجب أن يكون شعورا لا يؤثر علينا كثيرا، لأن هذا الأخير يؤثر بشكل كبير في لاوعينا، وبالتالي يصير التغيير على الدوام تحديا لصحتنا النفسية.

فالأفكار السلبية من الممكن أن تصبح بمثابة كوابح ووسائل عملية تقينا من البقاء في أوضاع مراقبة ومُطَمْئِنَة. ولهذا فإن رفض مقاصدها، يمثل القدرة على التفوق على الذات، وإعطاء الثقة التي نستحق لأنفسنا. على غرار الآباء الذين يخشون مغادرة لأبنائهم لدفء الأسرة، ومواجهة تحديات الحياة.

2. الأفكار السلبية ونظام القيَم

بالطبع فإن الصعوبات هنا تتسم بنوع من التناقض الصارخ : فكيف بمستطاع منطق معين اقتيادنا إلى الشك في أنفسنا، وإغراقنا في الخوف والعدم القدرة على التحرك، وكيف له أن يؤثر إيجابيا على نفسيتنا ؟

فقبل أن نبدأ التفكير في هذه المسألة المعقدة، يبدو لي مناسبا أن أستفسر عن ظهور هذه الأفكار، وما هي الأشياء التي تعززها وتقويها. فالوقفة التأملية مع الذات بإمكانها إعطاء قيمة للأشياء التي تعزز من تطورها.

نأخذ على سبيل المثال قضية اتخاذ القرار (أو القيام بالعديد من الأفعال)، والتي تبدو لوهلة بأنها مخالفة للمبادئ التي تؤمنون بها والقيم الشخصية التي تحملونها : أي أن تصيروا بشكل أو بآخر أشخاصا غير صادقين (القيام بالكذب مثلا أو إخفاء بعض الأمور على سبيل المثال)، أو أن تتعاطوا لنشاط ما “لا يروقكم”، أو الدخول في غمار مشروع لا يدخل في مجال خبرتكم…

ولهذا سيظهر بالتأكيد نوع من الصراع، يقوم بتأجيج الإحساس بعجزكم ويقذف بكم إلى مجاهل الشكوك ويدفعكم إلى إعادة النظر في أسس تفكيركم ونظرتكم الشخصية. فأفكاركم السلبية تتفاعل بشكل كبير مع تؤمنون به، ومع القيم المعبرة عن طبعكم الشخصي الحقيقي.

هذا ليس معناه أنه وجب أن تسمعوا له، فهو بمثابة جرس إنذار، وتذكير معناها أنكم دخلتم إلى أتون المجهول، بالإضافة إلى أن الأفكار السلبية تعد بمثابة لسعات تصيب الأنا لدينا؛ فهي تتجذر بشكل كبير حينما يغيب النجاح.

وبالطبع فالخطأ فعل إنساني، قابل أن يغتفر، وضروري للتحسن والتطور. لكن اللاوعي لا يزال يكافح من أجل تقبله، وبالتالي يجعلكم تميلون للشعور بنوع من “البؤس” في حالة الفشل. فهل يجب التوقف ؟ بالطبع لا، لأنه فقط خوف من التطور والارتقاء وخوف أيضا من الخروج من منطقة الأمان التي تعودنا الوجود فيها.

وهذا الميل لجعل الأفكار السلبية شعورا نوليه أهمية هو أيضا قابل للتحقق في المجال العلاقاتي. أما الفشل في إغواء شخص نرغب فيه على سبيل المثال، يدفعنا فورا إلى تحدي ذواتنا، ومقدرتنا على التفكير وكذا أحقيتنا في تشكيل دائرة من العلاقات الاجتماعية.

في حقيقة الأمر، فإن أفكارنا السلبية تحمينا من الخارج، لكن لا يتأتى ذلك إلا بالنظر إلى ذلك نظرة موضوعية. إذن بإمكاننا التعلم، وأخذ العبر والدروس من ذلك، ولكن في أي حال من الأحوال وجب أن يكون ذلك بشكل يومي.

3. مواجهة الأفكار السلبية من أجل الشعور بالسعادة

يا له من تحدي ! هذا ما يمكن أن نعتبره شيئا غير متيسر دائما.

كيف يمكن لشخص أن يواجه طريقة تفكيره ؟

بالطبع يتأتى ذلك عن طريق تحييد أثر هذه الأفكار السلبية الحاضرة بشكل متكرر، والتي تدفعنا إلى جلد وتأنيب ضمائرنا وذواتنا كما تدفعنا أيضا إلى الركون والركود وعدم القيام بأي رد فعل.

هل تودون صراحة العيش في خوف من المجهول أم تفضلون تحصيل التجارب ؟ هل الفشل والإخفاق شيء مرعب ؟ هل إذا خضنا مغامرات مجهولة النتائج لا نتحصل الفائدة ؟

بشكل ملموس، لم لا ندون أفكارنا، بحيث ستمكننا من مواجهة هذه الأفكار السلبية.

في أول المطاف وجب القيام بتوضيحها كي تعطي معنى واضحا وكي لا تعجب أحدا أو تعطي انطباعا بعدم وجود هدف في الحياة… فهي كثيرة. ثم بعد ذلك تأتي مسألة إعطاء قيمة لنجاحاتكم وتفوقكم الذي تحصلونه حينما تخوضون غمار التجربة، وهذا ما سيجعلكم تخفضون هذا الصوت الخافت داخلكم والذي يزعجكم على الدوام.

وفي النهاية، يتضح أن الأهم هو مقارنة الخطر الواقع (كالإذلال، وزعزعة الأنا، وغياب الأرباح المادية) بالأشياء التي نجني ربحا من روائها وكذا الرضا التام الذي نتحصل عليه حينما نبذل مجهودات نسعى من ورائها للخروج من منطقة الأمان.

وبشكل سريع، ستفهمون بأن الأفكار السلبية ليست – كما تبدو من مسماها – سوى كلمات أو عبارات لا يجب وليس بمقدورها التغلب على الفارس الفاتح الذي بداخلكم !

وماذا عنكم ؟ هل تراودكم الأفكار السلبية ؟ وما الأشكال التي تأخذها حينما تراودكم ؟ وكيف تتغلبون عليها ؟ أنتظر ردودكم كي نستكمل مناقشة هذا الموضوع ! 
إلى اللقاء !

كيف نتغلب (أخيرا) على الشعور بالخجل ؟

جاء في روائع القصص والعبر من الإرث العربي : “وما طردناك من بخل و لا قلل !! لكن خشينا عليك وقفة الخجل”.

ويقول هنري رينيه وهو شاعر فرنسي عاش في بداية القرن العشرين : “الخجل يقبض المشاعر، ويُلْجِمُ الروح”.

تُعَرِّفُ هذه الكلمات الجميلة ما يمكن اعتباره تقريبا شيئا شبيها بالمرض. فالخوف من التواصل بشكل مباشر يصيبنا في مقتل، حيث يثنينا ويمنعنا من إثبات ذواتنا وإبراز مؤهلاتنا، وبالتالي يحول بيننا وبين الشعور بالانشراح.

فلطالما اعتبره الآخرون داخل المجتمع، بمثابة نقص بَيِّنِ وظاهر على مستوى الذكاء الاجتماعي.

فكيف بالإمكان التغلب على الشعور بالخجل، حينما يصير ملازما لنا على الدوام ؟ وحينما يكون حاضرا في كل خطوة نقدم عليها، ويتخلل كل نقاش نخوضه ؟

فالشعور بالخجل قد لا يتخذ شكلا مرضيا فحسب، لكنه قد يتخذ أحيانا شكل إحساس بالمغص في المعدة، لدرجة الشعور بالغيبوبة.

الخبر السار ؟ هو وجود العديد من الطرق والوسائل العملية المُسَاِعدَة في التغلب على الشعور بالخجل.

وكما اعتدنا ذلك، وجب على الدوام الاهتمام بصحتنا النفسية. وفي هذه الحالة بالضبط، هي من توقعنا في الخطأ، وتقتادنا إلى تفكير لا جدوى ولا طائل من وراءه.

أقترح إذن عليكم قراءة متأنية في محاور التالية، كي تتخلصوا في النهاية من هذا الشعور المحرج الذي طالما أثقل كاهلكم.

1. التغلب على الشعور بالخجل عن طريق معرفة مسبباته

بخلاف ما قد يعتقده الأشخاص الذين يعانون من هذا المشكل النفسي، فالخجل لا يتحكم بشكل دائم في اللاشعور لدينا. ترى هل قلت عكس ما قلته في السابق ؟ تماما !

و يهدف هذا إلى بلوغ غاية واحدة، ألا وهي إبراز الفرق الحاصل بين ما تستشعرونه من أحاسيس وواقع الأحداث التي تعيشونها.

وعلى غرار وقع الصدمة العصبية، فالشعور بالخجل مصدره العديد من العوامل الخارجية، والتي نحاول جاهدين مقاومتها عن طريق اللجوء إلى منطقة الأمان، كي نحد قدر الإمكان من التعرض لنظرات الآخرين.

فالأَوْلَى إذن تحديد العوامل المسببة لهذا النوع من ردود الأفعال، بغية التغلب على الشعور بالخجل. لكن يا ترى هل مرد ذلك يعود إلى الخوف من التواجد بمعية شخص لا تعرفونه حق المعرفة ؟ أم عدم أخذ الأمور على محمل الجد ؟ أم مناقشة بعض المواضيع التي لا تجعلكم تشعرون بالارتياح ؟

لا تتردوا في كتابة قائمة على ورقة ؛ فهذه الطريقة قد أثبتت نجاعتها ومكنت العديد من الأشخاص من تدارك حجم المعضلة بشكل ملموس.

فعلى مستوى الواقع، فإن تلك الأحاسيس التي تخالجنا وتجعلنا نشك في قدراتنا لا تظهر إلا فيما نَدُرَ من الحالات حينما نستشعر حالة من الطمأنينة، وأننا في منأى عن أحكام الآخرين.

فالشعور بالخجل يقل ونحن بمعية الأصدقاء والأقارب، حيث نشعر حينها بأننا على طبيعتنا. ويجدر بنا وعي وفهم كيفية ملائمة حالتنا الذهنية، وأن نحرص على صفائها في هذه اللحظة بالذات ولبقية اليوم، كي نتجاوز الشعور بالخجل بقدر أكبر.

2. التغلب على الشعور بالخجل بقبول الخروج من منطقة الأمان

أول رد فعل نبادر إليه إبان مواجهة وضع مربك، يكون طبعا بالابتعاد عن العالم الخارجي، لأننا نصبح حينها متوترين ونفقد الثقة بأنفسنا، ونركز أثناء كل عملية تواصلية/تفاعلية مع الآخرين فقط على الجوانب السلبية. فالأشخاص الخجولون ميالون إلى تحقير أنفسهم، وإلى القول بأنهم غير قادرين على قهر على هذا الشعور.

فهو عبارة عن ظاهرة تنعكس على الحياة الشخصية للفرد ؛ فكم شخصا من بينكم يحاول قدر الإمكان التحسن في الأشياء التي يعتبرها من مسببات الخجل ؟

هل تهابون التحدث أمام الآخرين ؟ هل سبق أن أبديتم وجهة نظركم أمام أفراد الأسرة أو أمام مجموعة من الأصدقاء ؟

للتغلب إذن على الشعور بالخجل وجب مجابهته، وترويضه مثل الثور. فالتدرب ينشأ بالتعود، بحيث تصبح نفسيتنا جاهزة ومعتادة على وضعيات مماثلة.

ترى هل المقابلة الشفوية تصيبكم بالتوتر والارتباك ؟ ضعوا إذن أنفسكم في محك الاختبار بدءا من اليوم، وحضروا مجموعة من الأسئلة (من المحتمل أن يتم طرحها عليكم في ذلك اليوم العصيب)، وقوموا مثلا بارتداء بذلتكم/ بذلتكن، وقوموا بتشغيل الكاميرا.

قوموا خلال العشرين دقيقة الموالية بمحاكاة مقابلة مهنية، وبفعل التعود والتكرار، بإمكاني أن أؤكد لكم بأن حالة الضغط والتوتر لديكم ستقل تدريجيا.

يُعَدُّ الاستعداد من دون شك مفتاحا للتغلب على الشعور بالخجل، لذا وجب عليكم فقط قبول التحدي وتحسين قدراتكم في المجالات التي تشكل نقاط ضعف لديكم، بدل الركون إلى الانغلاق الذي يجعلكم عاجزين.

3. التغلب على الشعور بالخجل بالاعتماد على نقاط قوتكم وإنجازاتكم

تعتبر الإنتاجية والفعالية والمنافسة المستمرة من بين العديد من العوامل الأخرى التي تحكم التفاعلات في العصر الراهن (لاسيما في المجال المهني). وفي ظل وضع كهذا لم يعد غريبا أبدا أن نجد العديد منا يركزون صلب اهتمامهم على نقاط ضعفهم وعلى مسببات فشلهم بدل التركيز على الأشياء التي يتفوقون فيها.

فمن أجل التغلب على الشعور بالخجل، ينبغي أن نكون على قادرين وعلى بينة بذواتنا بمقدار كاف.

من المؤكد على أننا مخلوقات ضعيفة، لكننا نمتلك الكثير من نقاط القوة، بالإضافة إلى القدرة على الإنجاز. بوسعكم أخذ 10 دقائق من وقتكم للقيام بإحصاء هذه الأشياء : منذ حصولكم على شهاداتكم الجامعية المقرة بمؤهلاتكم في مجال الرياضة مرورا بالمعارف أو الكفايات المتعددة التي حصَّلتم (كتعلم لغة أخرى مثلا، ومهارات في المعلوميات، والكثير من الأشياء الأخرى).

هذا ما يذكركم بأنكم لستم ذلك الشخص الذي يشكك طوال الوقت في مؤهلاته الذاتية، والذي لا يملك القدرة على تقاسم آراءه الشخصية مع الآخرين خوفا من أن تطاله السخرية.

إن هذه القدرات التي تعتبرونها طبيعية هي في حقيقة الأمر ثمرة تجارب عديدة، أدت في النهاية إلى تنمية المهارات : لذا وجب أن تذكروا ذلك (ووجب تذكرها على الدوام لاسيما عندما يساوركم الشك في لحظة ما).

4. التغلب على الخجل عن طريق الملاحظة

بغية التخلص من نظرة الآخرين، وعدم التركيز فقط على الصراع الداخلي المسيطر على لاشعوركم، بإمكانكم هذه المرة الاهتمام والتركيز على ما يصدر عن الآخرين.

راقبوا، ولاحظوا كيف يتصرف الأشخاص الآخرون، وكيف هي ردود أفعالهم، سواء في العمل أو في الشارع… وحاولوا فهم تصرفاتهم. فمن الفوائد المرجوة من وراء هذا الفعل هي إعادة النظر فيما يفعله الآخرون (نظرا لكونكم هذه المرة تتقمصون دور “الحَكَم”).

بإمكانكم بالتأكيد تعلم المزيد عن الصفات الاجتماعية التي يتحتم تطويرها خلال تبادل الأفكار. وبالتالي فإن ملاحظاتكم ستساعدكم على توطيد علاقاتكم بشكل كبير، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنها ستظهر لكم على الأقل بأنكم لستم مركز الاهتمام والنقد، وبأنكم فقط مجرد أشخاص عاديين لا أقل ولا أكثر.

فلم التشكيك إذن في إثبات ذواتكم ؟

5. التغلب على الخجل عن طريق إقناع الذات

هذه طريقة جربتها شخصيا، لاسيما قبل اجتياز المقابلات الشفوية، أو أثناء دخول أجواء التباري والتنافس في المسابقات الرياضية. فقبل ذلك، أحاول جاهدا التغلب على الخجل الذي يستبد بي، وذلك بأن أقنع نفسي بأني “قادر على فعل هذا الأمر”، وبأنني كنت “الأفضل”، وأنه من غير المنطقي أن أشكك في قدراتي، وبأن الوقت قد حان “لأظهر مقدرتي على فعل هذا الأمر”.

يمكن هذا التحفيز من تهيئة النفس لدخول معترك الفعل، ويغدو أكثر فاعلية وذات جدوائية حينما يكون مقرونا بنظرة معينة. لذا تخيلوا معي أنفسكم مقدمين على فعل أمر عادة ما يصيبكم بالرهبة، وأنكم نجحتم في إنجازه بشكل مبهر.

كي نتغلب على الشعور بالخجل، وجب إقناع أنفسنا أولا بأن هذا الشعور ليس بوسعه أن يفقدنا الرغبة في الإحساس بالسعادة الذاتية.

6. التغلب على الشعور بالخجل بإعطاء الأهمية المناسبة لكل واقعة

تبدو هذه المسألة بديهية جدا ؛ فَكَيْ نتخلص من الشعور بالخجل يتطلب ذلك منا المقدرة على أن ندرك بأن ذلك محض قيد أو عائق. فبصرف النظر عن أية واقعة واجهتموها، فهي لن تؤدي بكم للموت في النهاية، لأن حياتكم لن تتوقف بمجرد رسوبكم في اختبار شفوي، أو في مقابلة شخصية، أو حتى لو تم اعتباركم أشخاصا بُلَدَاء.

ستحظون دائما بفرصة للتحسن والتطور، وكذلك لتغيير الأحكام التي يصدرها الآخرون في حقكم. ويتطلب التغلب على الشعور بالخجل أيضا القدرة على عدم الاكتراث بالنتائج التي قد تحصل، وذلك بقصد الإفادة من التجربة لأنها خير معلم مهما كانت نتيجتها. ولنحاول قدر الإمكان أن نكون أقل اهتماما، وأن نواجه هذه المغامرة بالابتسامة فقط.

وجب أن تتذكروا بأن تواصلكم غير اللفظي دليل يرتكز عليه محاوروكم للحكم على مدى مصداقيتكم.

7. التغلب على الخجل باستبدال التركيز على الغير

هل تهابون مما قد يتصوره الآخرون عنكم ؟ أو هل لديكم الانطباع بأن ما تقولونه ليس في محله ؟

لماذا إذن لا تهتمون بوجهة النظر هذه، وأن تحاولوا جاهدين تسليط الضوء أكثر على من تقومون بالحديث إليهم ؟

يمكنكم بكل بساطة طرح أسئلة مباشرة على هؤلاء، فذلك يسمح لكم بالرد عليهم (وبالتالي تبرير وجهات نظركم)، ومن ثم يحصل تبادل وجهات النظر وكذا التفاهم.

وبفضل هذه الطريقة، سيصبح الخجل بسرعة في خبر كان، ومجرد ذكرى سيئة من الماضي!

ليس من الصعب بتاتا التغلب على الخجل كما تعتقدون في بادئ الأمر، لكنه يتطلب دائما وقفة تأمل مع الذات، وإرادة تروم الحد من تأثيرات القضايا العلاقاتية والفكرية والمادية لمختلف المواقف التي نواجهها يوميا.

وأنتم ؟ كيف يمكنكم التغلب على الشعور بالخجل ؟ هل نجحتم في ذلك ؟ نعتقد جازمين بأن تجاربكم ستثري النقاش أكثر !

إلى اللقاء قريبا !

أن تصبح ذكيا : هل هي عادة يومية ؟

“الإبداع هو عندما يصبح الذكاء نوعا من المتعة” يقول ألبرت إينشتاين

إذا كان تعريف الذكاء أو ما معناه أيضا أن تصير حاد ذكاء قد عرف تطورا أكثر قُرِنَ فقط بالرغبة في التعلم والتثقف، إلا أن المعرفة تبقى مفتاحا لتنمية الذات وبمثابة برهان عليها.

وقد قال محمود الشيحي الذي يشغل منصب قنصل دولة تونس بمرسيليا : ” بإمكاننا أن نعرف دون أن نكون أذكياء، لكن ليس بإمكاننا أن نصبح أذكياء دون أن نعرف”.

فالذكاء يعتمد على كيفية فهمنا للقيم والخطابات المنتشرة داخل مجتمعنا. وقد اتفق اليوم باعتباره مقدرة على التكيف تمكن من تطوير ردود فعلنا وسلوكياتنا في أوضاع معينة، فلا يمكن اختزال أن كوننا صرنا أكثر ذكاء فقط من خلال الرفع من مردوديتنا.

في الواقع، يتعلق الأمر هنا بالعديد من المجالات في حياتنا اليومية : سواء الجانب العلاقاتي، والتنظيمي ومرورا بإحداث تواصل (شفهي أو غير شفهي) يتوائم مع طبيعة الحالات التي نصادفها.

وبهذا الخصوص، فمن المؤكد أن المعرفة تعتبر ركنا أساسيا ووسيلة فضلى كي “نصبح أكثر ذكاء” (وذلك بكل ما تحمله هذا التعريف من تعقيدات).

وبالتالي ها هي إذن أولوية هذا المعطى الجديد : وذلك بتسليط الضوء على الأدوات، والسلوكيات التي يجب اعتمادها لتنمية هذه القدرة التي يوليها المجتمعي أهمية بالغة.

وكي نوجز الأمر اعتمدنا على سؤال محدد : هل من الممكن القول بأننا سنصبح أكثر ذكاء عن طريق تطوير سلوكياتنا اليومية؟

1. أن تصبح أكثر ذكاء بفضل المطالعة

في العصر الراهن للعالم الافتراضي والمسح والتواصل باستمرار، أضحى من الصعب جدا تصور إيجاد الوقت لفتح كتاب والتهام محتواه.

وهذه حقيقة بالنسبة للجيل الجديد. لكن هناك حقيقة واحدة ؛ كون القراءة تحفز نشاط الدماغ، وتسهم إلى حد كبير في عملية التعلم، فقد جاء في تراثنا الشعري :

“أنا من بدَّل بالكتبِ الصِّحابَ ** لم أجد لي وافيا إلا الكتابَ”

وبعيدا عن تقديم مصادر سهلة للمعلومات، فالكتب تعتبر أدوات ووسائل فكرية حقيقية.

ففيها تدقيق نحوي وإملائي (بخلاف المواقع والمدونات المتواجدة على شبكة الإنترنت المليئة بالأخطاء والمعلومات غير الدقيقة)، مما يتيح لنا الإفادة منها بشكل أفضل.

بالإضافة إلى أن غياب الرسومات يشجع على استعمال الخيال (ويساعد بذلك في تنمية الإبداع الشخصي).

ويكتسي هذا التحفيز أهمية بالغة، لا ترتكز على نمط أدبي محدد. وباختصار شديد، فبغض النظر عن الكتاب الذي تطالعونه فأنتم الرابحون لا شك.

أما بالنسبة للمشككين، فبإمكانكم أن تتساءلوا، لماذا بإمكان آبائكم وأجدادكم لحد الساعة تحرير نصوص طويلة دون أن يرتكبوا أي خطأ.

كنت مندهشا على الدوام من جدتي التي تردد العديد من القصائد على مسامعي، والتي حفظتها عن ظهر قلب في فترة شبابها، وكذلك جدي الذي كان خزانا للعلم… والمفاجأة ! أن كلاهما كان يقرأ كثيرا !

وبطريقة إحصائية، وبالرغم من أنه يظهر ببساطة أن الأشخاص الذين يقرؤون يصبحون أكثر ذكاء، فمن المؤكد بأن الأشخاص المتميزين من الطلاب (والذين أصبحوا أشخاصا ذوي كفاءة مهنية عالية) قد كانوا يقضون العديد من الساعات بين كتبهم.

أما بخصوص ميزة هامة هي الأخرى ولا يمكن إغفالها عن القراءة، فهي هذه الرحلة، وإمكانية النفاذ إلى صلب وكنه منطق الآخرين. وهذا ما يشحذ قدراتك الذاتية على التفكير والتحليل وكي تزداد الروابط المنطقية التي يقوم بها عقلك بشكل طبيعي.

إذن فبالنسبة لي ؛ أوافق الرأي القائل بأن المطالعة وسيلة كي نصبح أذكياء.

2. أن نصبح أكثر ذكاء بفضل إعادة الصياغة والمشاركة

ترى هل لاحظتم أنه عند امتلاك المعلومة، والقيام بشرحها وتقاسمها مع شخص آخر تصبح هذه الأخيرة أوضح وأكثر دقة ؟

إنها ظاهرة نصادفها على الدوام، لاسيما في فترة الدراسة. فكل شخص سيقوم بالتحدث معك حول مسألة لم يتمكن من استيعابها.

ويصبح حينها كل شيء واضحا في عقلك، أثناء قيامك بإعادة صياغة فهمك للموضوع، كما لو أنك متمكن جدا من الموضوع.

وتساعد هذه العملية الطبيعية أيضا في تحفيز القدرات الفكرية، وتدفعنا إلى التحليل المنطقي لمعارفنا، وأن نتناولها من زوايا نظر مختلفة كي تصير مفهومة.

ونعود أدراجنا إلى التعريف الاصطلاحي للذكاء بأنه القدرة على التكيف. لكن يكمن الفرق في مضمون ما تقولون وكذا منطقكم الذي يلائم منطق محاوِركم.

فعملية التواصل تُفهم على أنها إعادة صوغ معرفة سبق اكتسابها، وتتحول إلى عامل يجعلنا نصير أكثر ذكاء. علاوة على ذلك، فإن هذا التقاسم يسبب تمركزا نفسيا مرتبطا بسؤال يطرح : هل تمانعون في تحيين الثغرات التي تتخلل تحليلكم ؟

يبدو أن التعليم مفيد بنفس القدر بالنسبة للأستاذ وكذا بالنسبة التلميذ.

ومن المفارقة التي تحدث هو أن معلميك، والأساتذة المحاضرون، وحتى المدربون يمتلكون هذه القدرة على أن يصبحوا أكثر ذكاء بتقاسمهم لمعارفهم.

3. التواجد في قلب المواقف كي نصبح أكثر ذكاء

إذا كان التفكير مرتبطا بشكل وثيق بالقدرة على أن نصير أكثر ذكاء، فذلك غير كاف بالمرة لفهم الإشكالية في كافة أبعدها. فالفعل هو الحلقة المفقودة، وغنى التجربة مرتبط بما خضناه بأنفسنا.

فبإمكانك أن تعرف طريقة إعداد حساء بلحم بقري بشكل نظري… لكن إذا لم تجرب كيفية طهيه، فإن معارفك ستظل نسبية، ومنقوصة ومحل شك.

الإتقان مرتبط بالممارسة

بما أن هذا المقال يناقش العادات اليومية، فمن المؤكد أن العمل وجب الحديث بشأنه أيضا.

وكي نضع صورة شاملة، أقول بأن التفكير ما هو إلا ميكانيزم أشبه بالتُّرُوسِ المتجاورة. فحسب الظروف وتبعا لاستخدام هذه المعارف على أرض الواقع، فإنه يمثل تفعيلا لهذا الميكانيزم.

ولهذا تطلب أغلب الجامعات والمدارس العليا الخضوع لتداريب نهاية التخرج، أي أنه من اللازم معرفة الجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، فلا يكفي فقط تخزين المعرفة كي تصبح ذكيا، بل يجب إخضاع هذه الخبرة لمحك التجربة.

أظن بأن النقط التي تمت مناقشتها اليوم تبين وحدها مجمل الأدوات التي تمكنكم من أن تصيروا أكثر ذكاء.

يبقى هذا الموضوع كبيرا على غرار كل المجالات التطبيقية التي تهم هذه المَلَكَةَ الهامة في حياتنا داخل المجتمع.

ورغم هذا يبقى هناك سؤال عالق : ما هي وجهة نظركم؟ كيف بإمكاننا أن نصير أذكياء حسبما ترون؟ ردودكم مرحب بها، سواء في المنتدى أو من خلال وضع تعليقاتكم!

نلتقي قريبا في مقالة جديدة!

بعض النصائح للتخلص من الشعور يوميا بالذنب

“الحظ ليس صدفة، إنه كدح، أما السعادة فتكتسَبُ اكتسابا”.

تلخص هذه المقولة أيضا بشكل واضح، الموضوع المطروح نصب أعيننا اليوم.

يعتبر الإحساس بالذنب شعورا وحالة فطرية جُبِلَ عليها بنو البشر.

يخامر أغلبنا على الدوام إحساس بالذنب تجاه شيء ما، وبالأخص حينما نتذوق لذة النجاح، وحينما نكافئ في نهاية المطاف عندما نبلغ بالمجهودات التي بذلناها هدفا منشودا.

أيبدو هذا متناقضا ؟ نعم ولا (لَعَمْ).

فالشعور بالذنب في واقع الأمر ما هو سوى رابط أو خيط ناظم شفاف وغير مرئي يصلنا بماضينا، ويوقظ وعينا حيال خطوات غير صائبة أقدمنا عليها، أو أفعال خاطئة ارتكبناها.

ويظل هذا الشعور مأثورا في محيط حيث قيمة المقارنة والتنافس تعتبر فيه أشياء عليا وفضلى.

وإذا كان النجاح على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والأسري يظل معيارًا يساهم في تعريف مفهوم السعادة والرفاهية، فأسباب أخرى للإحساس بالذنب آخذة في التمظهر بشكل يومي، سواء عبر سعينا لتطوير أساليب تفاعلنا أو حينما تنتابنا حالة من الشعور بالحظ الذي حالفنا ونحن ننشأ في بيئة سليمة وآمنة.

وفي حقيقة الأمر فإن الشعور بالذنب يبقى حالة يصعب الإحاطة بجوانبها أو فهمها، كونها ذات حمولة شخصية إلى حد كبير، وتتخذ أشكالا متعددة بحسب السياقات والأشخاص.

بيد أنه ومما لا شك فيه، فإن نظرة الآخر والضغوط المستمرة تسهم في مضاعفته، مما يجعل غالبية الأشخاص يحملون هذا العبئ.

ويبقى السؤال المطروح اليوم، هل بالإمكان التهوين من هذا الإحساس الذي يترصدنا ويلازمنا.

حينما يحضر هذا الإحساس كثيرا، فإنه يمثل عقبة أمام النجاح ؛ وفي حال غيابه بالمرة، فإننا نتجاوز حدود الاحترام واللباقة، ويؤدي بنا هذا إلى ممارسة سلوكيات تعادي عادات المجتمع.

ومن خلال كل ما سبق ذكره، فهو يبقى حالة طبيعية، ومن المحتمل أن يقود في كثير من الأحيان إلى وقفة مع الذات وإلى تحسين الجانب الذاتي.

1. الإحساس بالذنب، شعور نفسي متطرف

يستحيل إهمال الإحساس بالذنب، لكونه كان على الدوام مُلْهِبا للانحراف والعزلة وهادِما للوشائج والروابط المجتمعية.

فالعديد من الأشخاص يدمرون أنفسهم حاليا (فيَغرَقُون في شرب الكحول، وتناول المخدرات أو في القيام بعادات سيئة) كأنهم يعاقبون أنفسهم جراء عدم القيام بردة فعل مناسبة أو مُحَمِّلِينَ أنفسهم المسؤولية عما بدر منهم في الماضي.

وهذه ردة فعل غريبة، خاصة وأننا نعلم عدم قابلية تغيير الماضي، وأن تنمية الذات مبدأ يتوافق حوله الجميع على اعتباره هدفا بالغ الأهمية في الوجود، يجعل من الشعور بالفشل دافعا للرغبة في التعلم.

فالإحساس بالذنب يُخرج صاحبه من واقعية الفعل، ويدفعه إلى التركيز على النتائج السلبية وأثرها الملموس في حياته اليومية.

ويثيـر هذا تساؤلا عاما وشاملا، ونزوعا إلى فقدان الثقة بالنفس واعتبار قلة عقلانية بعضِ اختياراتنا على أنها ظاهرة متكررة وتتخذ شكلا تلقائيا تقريبا.

وربما أكثر من أي شعور نفسي آخر، فبمقدور الإحساس بالذنب التأثير على نظرتنا للعالم على المدى البعيد، وأن يتحكم فينا بشدة، ويلتهم دون أن نشعر كل مشاعر الإحساس بالهناء والسرور.

ولكن الشيء الذي يظل عصيا على الفهم أثناء الشعور بالذنب، كونه غير مرتبط أبدا بمدى شدة الظروف التي نواجهها.

ومن الممكن كذلك أن نستشعر الذنب، وذلك بأن نمنح أنفسنا أياما نخلد فيها للراحة، وأن ننفق المال على نزوة عابرة، وألا نقوم بتجريب أسلوب آخر يُحَفِّزُ حياتنا الاجتماعية.

فالشعور بالذنب يقود إلى فقدان الشعور بالموضوعية، على غرار حالات عدم الاستقرار الذهني، ويقوم بإبعادنا عن إدراك حقيقة قدراتنا الذاتية.

وباختصار شديد، فأيا كان سبب وسياق تطور الشعور بالذنب، فإن هذا الأخير قادر على أن يضع جهودنا محل شك دائما، وأن يقتادنا إلى النظر بسلبية للمستقبل.

وكما يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما ندمت على سكوتي مرة، لكنني ندمت على الكلام مرارا”.

إن إحساسا كهذا قد يعيق مواجهتنا للشكوك التي تساورنا، وكذلك السير قدما عن طريق رفع التحدي ومراكمة التجارب، كونه يجعل من الصعوبة بمكان الشعور بعدم الاهتمام.

2. العودة إلى الحاضر أو كيفية التغلب على الإحساس بالذنب

إذا كان هناك شيء ما نَسْتَبْطِنُهُ بسرعة فائقة، فمرد ذلك أن الإحساس بالذنب غير قادر تماما على إعاقة تقدمنا نحو الأمام.

فهو مرتبط بهيكلتنا الذاتية، وكذلك بتأثير الأحداث والمجريات التي لا يمكن بأي حال تغييرها. لذا من الواجب علينا أيضا أن نتعلم ونستخلص الدروس من هفواتنا وأن نركز صلب اهتمامنا على المستقبل.

وبعد كل ما سبق، فإن أي تجربة حقيقية تمكننا من معرفة حدود إمكاناتنا وعيوبنا بشكل جيد، كما تمكننا من السعي إلى تطوير قدراتنا السيكولوجية في إطار من وعي التطورات التي يستوجب تحقيقها كي نتجنب تكرار نفس الهفوات.

فبدلا من الشكوى مما جرى لنا في الماضي، فإنه من الأجدى والأصوب أن نركز تفكيرنا الذاتي على الأفعال والخطوات التي سنقدم عليها على المدى القصير بغية الخلاص من الإحساس بالذنب. ولذلك، وكما هو الحال دائما، فإن الكتابة تظل متنفسا ومخرجا يُمَكِّنُ من مسائلة هذا الإحساس الذي يتنازعنا ويحيرنا.

بإمكانكم مثلا بكل بساطة أن تكتبوا على الورق تلكم العوامل التي دفعتكم دفعا للإحساس بالذنب، ومواجهتها بخيارات بديلة قصد التقليل منها.

ومن دون أدنى شك فإن هذا الفعل يمكننا من أن نعيِ بأن الوقت لا زال مواتيا للعمل (وأن الأوان لم يفت بعد بالتأكيد)، وبأن وَقْعَ الشعور السيء قد أُعطيَ أكثر من حجمه. وهذا النمط من التفكير يتطلب عزيمة وإرادة قويتين للتغيير، وإعادة تسطير أهدافنا.

فالقبول بمفهومي الإقدام على المجازفة والإخفاق مسألتان جد مهمتان في الإراحة من الإحساس بالذنب. وإذا تم فهم هذا المنطق واستيعابه فبإمكاننا أن نطور سلوكنا ونتطور نحو الأفضل.

لماذا نحس بالذنب بينما يتجلى الحل الأوحد الذي أمامنا في مراكمة الدروس المستخلصة من تجارب الحياة كي تتجسد وتبرز شخصيتنا؟

ويبقى هذا هو السؤال الحقيقي المطروح من دون أدنى شك…

وحتى لا نخدع أنفسنا، فالوسائل التي تخفف من وطأة الإحساس بالذنب كثيرة ومتعددة ولا يمكن حصرها، شأنه شأن لائحة طويلة للمبيعات.

ويتعين من كل شخص أن يسبر دواخل نفسه، كي يفهم ويَعِيَ ضرورة أن يعيش اللحظة الراهنة وليس في ماض جامد لا يمكن تغييره.

وبدلا من التأنيب واللوم على الأخطاء التي اجترحناها، فإنه من الأجدى القيام بتحديد المسببات، الشيء الذي يمكننا من تطوير ملكة وحس التوقع لدينا.

ويتبدى من المنطقي التفكير مليا بأن الوسيلة الفضلى للتخلص من الإحساس بالذنب، تكون إما بالتخلص من ظروف نشأته وتكونه وأن يتم ذلك بشكل يومي.

وهذا يتطلب التفكر في مستوى وَقْعِ ما نقوم به من أفعال، وكذلك التحلي بالمسؤولية الحقيقية والفعلية. فلا يمكننا تغيير الماضي، لكن بإمكاننا أن نرفض مطاردته لنا على الدوام، فكل شيء متعلق بمسألة الاختيار، والإرادة.

أن نتخذ قرارا حازما، بأن الجني يجب ألا يخرج من القمقم، فهذا في حد ذاته بالفعل حد لتأثير سيطرتها في أذهاننا.

ما رأيكم ؟ هل الإحساس بالذنب هَمُّ يثقل كاهلكم على مدار الأيام ؟ وما هي وسائلكم للتخلص منه ؟ وكالعادة تعليقاتكم مرحب بها على الدوام !

إلى اللقاء عما قريب!

النجاح في الحياة : هل هو انحراف للسلوك النفسي؟

“النَّجاح في الحياة” … عبارة مبهمة وغامضة، بمثابة بذلة يصعب على الجميع ارتدائها.

لكن هل هذا يلمح إلى شيء معين ؟ هل يوجد تعريف يُجْمِعُ عليه الكل لمفهوم النجاح؟

وحتى لا نُخَيِّب ظن البعض، وكي أكون صريحا منذ البداية ؛ فهذه المقالة ليست بقصد إعطاء طريقة للزيادة في حجم ممتلكاتك، ولا الزيادة في رصيد حسابك البنكي.

فما أريد في هذه المقالة سوى وضع تصور حول طريقة الفهم لدينا لمفهوم العيش، وسيرورة حياتنا. لأن من أهم المسائل التي نركز عليها في موقعنا كون النجاح مسألة ذاتية. بحيث لا يتأتى هذا الأخير إلا بما نبذله من جهد، وبما نصنعه نحن.

وهذا يقودني إلى استنتاج بسيط ولا مراء فيه : كون النجاح في الحياة، هو التمكن من أن نشق مسار وجودنا، وأن نظل أوفياء لمبادئنا، وأن نتحلى بها من خلال اعتراف أفراد مجتمعنا بها.

هذا إذن هو التساؤل الذي يدفعني دفعا لمسائلتكم اليوم : ماذا عنكم أنتم؟ وما هو تعريفكم للنجاح؟

1. النجاح في الحياة : هل هما الوضعية المالية والاجتماعية ؟

الصورة الأولى التي تتبادر إلى أذهاننا، حينما نتحدث عن حياة ملؤها الهدوء والرخاء، هي تلك التي يطبعها الاستقرار. ففي وطننا العربي والإسلامي مثلا، يعتبر النموذج التقليدي للأسرة ذا قيمة كبيرة، وإذا سألتم شبابا يافعين حول ماذا يفهمون من عبارة “النجاح في الحياة”، فإن أغلبهم سيجيب بضرورة إنجاب أطفال، والحصول على بيت جميل وسيارة كبيرة.

وإذا كان المال لا يشتري السعادة، فمن المؤكد أنه يُسْهِمُ إلى حد كبير في جعل هذه الفكرة المثالية واقعا ملموسا. وبالتالي وجب علينا إذن “العمل بجد واجتهاد في المدرسة للحصول على وظيفة جيدة”.

وهذه الفكرة متجذرة في العقل الجماعي، ومتفشية في مجتمعنا على نطاق واسع، وتتناقلها وسائل الدعاية والإشهار. ويعتبر مستوى الدخل والوضع الاجتماعي عاملين من عوامل التعبير عن النجاح في العصر الراهن.

أتذكر هنا أيضا طرفة (قصة)، تقول الشيء الكثير عن هذا الموضوع.

كنت خلالها في الصف السادس، وكنت أعود من المدرسة بنتيجتي المدرسية، وأنا فخور جدا بنفسي، ولم تكن لدي سوى نقطة متدنية واحدة (20/08).

فبعدما رآها والدي، عاتبني بشدة قائلا بأنني إذا سرت على هذا المنوال، فمحال أن أنجح في حياتي وسأصير جامعا للقمامة.

كما لو أن النجاح على الصعيد الشخصي مرتبط أساسا بمسميات وألقاب ما، أو بمهنة معينة. فمن الواضح طبعا أن الموارد المالية هي مستلزمات أساسية، ووسيلة تجعل حياتنا أفضل، لكن هذا لا يعني بأن كثرتها تعتبر مدخلا للسعادة.

فتعزيز هذه الرؤية، يستلزم إنكار الجانب النفسي والفردي لدى الكائن البشري.

ماذا عن التنمية الذاتية، والقدرة على إثبات الذات داخل وسطنا وبيئتنا ؟ وماذا عن نسج علاقات اجتماعية ؟ وماذا عن الاستفادة من وقت الفراغ والاستمتاع بمعية الأقارب ؟ وماذا عن اكتساب الثقة بالنفس؟

قد لا تمتلك دخلا كبيرا، ومع ذلك، فكلما مرت الأيام، تستشعر بأنك تنجح في حياتك. لأنك تكسب قوتك من عملك، بالإضافة إلى امتلاكك أصدقاء من ذهب.

ومن المؤكد أنك قد تكون بعيدا كل البعد عن فكرتك الأولى والمتمثلة في جهلك بما يخبئه المستقبل لك : الحصول مثلا على وظيفة إطار في مكتب للتوظيف.

كنت ستتقاضى بالتأكيد ضعف الراتب الذي تتقاضاه اليوم، بالإضافة إلى العمل ببذلة رسمية، وهذا شيء رائع…

لكن هل هذا هو المهم حقا؟

ليس الهدف من هذا أن أمارس الديماغوجية، بل من الواضح بأنه يلزمنا حد أدنى من الموارد المالية للعيش بشكل لائق.

لكن هذا لا يبرر هذا السباق المحموم نحو ”الحصول دوما على المزيد “، فهذه الفكرة تجعل من النجاح عبارة عن آلية ملموسة، قابلة للتقييم بحسب عدد الأصفار التي نكتبها في ورقة شيك.

وماذا لو كان النجاح في الحياة بكل بساطة هو توفير الوسائل الضرورية لتحقيق الرغبات، وفعل ما يحلو لنا وتقبل حقيقة أن تكون غنيا لا يتناسب بالضرورة مع هذه الفكرة المثالية؟

2. النجاح في الحياة : المسألة المادية

إذا كان الجانب المادي له علاقة بمفهوم الموارد، فإنني أود إثارة الإنتباه لعدم قدرتنا على فهم معنى النجاح. فالنجاح بالنسبة إلى العديد منا معناه مراكمة وجمع ومضاعفة المشتريات للشعور بقيمته الوجودية. فإذا كان يتم تفسير ذلك ببساطة داخل مجتمع يعتمد بالأساس على الاستهلاك لمدة وجيزة، فإن التقدم والازدهار التقنيين ومفهوم المادية تبدو كمفاهيم تحكم العلاقات الإنسانية، ومن الواجب إعادة وضع هذا الموضوع في سياق أكبر.

اسألوا أنفسكم : هل الشخص الذي يختار الإقلال من حب التملك قصد مساعدة المحتاجين، والشخص الذي يفضل الراحة في منزل عتيق، ويبتهج بالعيش حذو الطبيعة، أو من يسافر على الدوام وأغراضه في حقيبته … هل هو شخص تعيس؟

هل تعتبر هذه الأمثلة بالنسبة إليك نماذج فاشلة ؟ ربما يطالها التهميش … على أكثر تقدير.

وإذا كان النجاح في الحياة، قبل أي شيء هو البقاء منسجما مع الذات؟

أو القيام باكتشاف الذات، والسماح لنفسك بمراكمة التجارب، رغم كون هذه الأخيرة تتعارض مع قيم المجتمع التقليدي ؟

3. كيف بإمكانكم النجاح في الحياة؟

ها نحن قد عدنا إلى نقطة البداية، وبنفس التساؤل. ما معنى النجاح في الحياة؟

لا توجد إجابة، على الأقل فيما نفهمه بشكل مشترك.

نحن لا نملك سوى حياة واحدة، ومن الواجب علينا أن نحياها كما نريد ونحب. أما بالنسبة للبعض، فهذا معناه أن يحظى برضى المجتمع.

بالنسبة للبعض فهو القدرة على ابتكار أشياء من صنيعة أيديهم … أو تربية أطفال بصحة جيدة.

إلى هنا، لا شيء ثابت. فلا يجب أن تتأثروا بما يفكر به جيرانكم، فنظرة الآخرين والخوف من المجازفة يبقيان عاملين يدفعاننا للحد من رسم أهدافنا.

كما لو أن ما نود القيام به ليس ما نريده حقا، بل ما يُنتظر منا القيام به. لذا فقد حان الوقت للتفكير في أنفسكم، وفي تصوركم لحياة مزدهرة وحافلة بالعطاء.

فالنجاح في الحياة ليس تلبية أفكار كمالية يتبناها المجتمع، بل تبني مفهوم شخصي للسعادة، وتجربة ذلك، مهما كلف الأمر.

لذلك اسمحوا لي أن أكرر طرح السؤال عليكم مرة ثانية: ماذا يعني بالنسبة إليكم النجاح في الحياة؟