تدبير الخلافات: أسرار لحياة اجتماعية منسجمة

إن الدراية والإلمام بكيفية إدارة وتدبير النزاعات والخلافات، يتطلب منا ويحتاج مجموعة قدرات وإمكانيات ذاتية وموضوعية، حتى يتسنى لنا نيل الإشباع والتقدير الذاتي.

لا ريب، أن تدبير الخلافات يرتبط بالخبرة والذكاء الاجتماعي، الذي يؤهلنا ويسمح لنا بتطوير وتنمية روابطنا وعلاقاتنا الاجتماعية، ويجعلها أكثر غنى واندماجا وانصهارا مع الواقع المعيش.

إن تنافر وتعارض الطباع، وكذا العوامل الخارجية الفاعلة في الحياة النفسية للأشخاص والبيئة القاسية وأعباء العمل وتوابعه… وكذا مسببات وبواعث سوء الفهم والإدراك.

هذه العوامل وأخرى، قادرة على اختلاق وبروز خلافات ومشاحنات، قد تكون عواقبها جد وخيمة إذا نحن لم نحسن تدبير هذه التناقضات والخلافات.

إن طبيعة الاختلافات والتفاوتات الذهنية والنفسية للأفراد، تدفعنا أن نكون على استعداد للتواصل والوقوع في فخ فئة من أفراد المجتمع لا يهنأ لها بال إلا إذا غاصت في مستنقعات النزاعات والمشاحنات.

من سمات هذه العينة من أفراد المجتمع، أنها دائمة الممانعة والاعتراض ووضع العراقيل والمنغصات، بغية زرع الشقاق والخلاف والانحصار في فضاء وتفكير مغلق، غارق في أحكام القيمة.

هذا النوع من السلوك والتفكير، له تأثير جسيم على السمعة والمكانة الشخصية للفرد داخل محيطه.

فميول بعض الأشخاص لافتعال النزاعات والخلافات، يضر بسلوكهم الشخصي والاجتماعي.

فصاحب هذا النزوع والسلوك، غالبا ما ينظر للآخرين نظرة سوداوية وسلبية.

فهذا السلوك العدواني يكرس ويرسِّب الانزواء عن الآخرين، والميل للوحدة والتقوقع.

إن الحالة النفسية لهؤلاء الأفراد الذين ينزعون لافتعال النزاعات والاختلافات، تكون فاقدة لمقومات التطور وقاصرة على تنمية الثقة والاعتداد بالنفس دون إلحاق الضرر.

إظهار وإبراز إمكانياتنا الشخصية وما نتمتع به من كاريزما ومصداقية وشرعية، رهين بالمواقف والحالات التي قد يحدث فيها شنآن أو مشاحنة أو خلاف.

فكيف نستطيع تدبير الخلافات والنزاعات التي قد تعترض علاقاتنا الإنسانية؟ وهل يلزمنا الحزم والصرامة في إدارة الخلافات؟ أم أن توظيف اللياقة والليونة واجب وضروري لحلها؟

1. إدارة الخلافات عبر تحديد الاختلاف والتنوع في الشخصيات

من البديهي أننا نتعامل داخل إطار ووسط اجتماعي يتنوع ويتعدد الفاعلون داخله.

فلكل تركيبته النفسية وطريقة تفكير وانفعال خاص.

لهذا يلزم أن نأخذ بعين الاعتبار هذا التفاوت والتنوع في الشخصيات التي قد نختلف معها، أو يقع بيننا سوء فهم أو مشاحنة أو لا قدر الله مشادات.

من هنا لا يمكن تدبير الخلافات والنزاعات مع شخصيات مختلفة ومتنوعة، بأسلوب وطريقة واحدة.

من هذا المنطلق، يُفترض عند الوقوع في نزاع أو خلاف مع الغير، الحرص على ضبط انفعالاتنا، ومحاولة تدبير الخلاف أو النزاع الحاصل، بالتركيز على إعطاء معالم ومحددات للشخصيات التي تحيط بنا ومن الممكن أن نتعامل معها بشكل دائم ومستمر.

وقبل القيام بدراسة وتوصيف للأشخاص والشخصيات التي قد يقع لنا معها سوء فهم، أو موقف حرج، قد يخلق نزاعا أو تشاحنا مرتقبا.

يلزمنا في هذه الحالات التفكير بروية وتبصر في انفعالاتنا وسلوكاتنا وطرح مجموعة أسئلة من بينها: هل أنا متغطرس ومستبد؟ أم أنني خاضع وسلبي؟ هل أننا ملحاح في متطلباتي؟ هل أنا متساهل ومتسامح مع الآخرين؟ هل أنا كثير الجدال واللجاج؟ هل أُحَسِّسُ الآخرين بالاحتقار؟

إن الغوص في أعماقنا، ومحاولة استنباط العناصر والسمات العامة لذواتنا، قد يمكننا من فهم واستيعاب السلوكات العدوانية التي قد تستفزنا وتهيج انفعالاتنا، وقد تمكننا كذلك من دراسة طبيعة الأشخاص الذين نتعامل معهم وصور وتمثلات سلوكاتهم وانفعالاتهم.

إن الارتكان والسكون إلى الذات، والكشف عن نقط قوتها وضعفها، يساعدنا على تكييف وملائمة تواصلنا مع مخاطبينا بطريقة أكثر فعالية ونجاعة.

إضافة إلى كون إجادة التواصل مع معارضيك يعطيك الفرصة لتطويع وشحذ مقوماتك الذاتية في تدبير الخلافات التي قد تحدث.

عودا على ما سبق، الطباع والسلوكات الإنسانية تتباين وتختلف من شخص لآخر.

فنجد أن بعض الأشخاص دائما في حاجة إلى الإسهاب والتفصيل في الكلام بغية إيجاد حل ودي يرضي الطرفين أو الأطراف المتنازعة.

وهناك أشخاص يميلون وينزعون لاختلاق النزاعات والخلافات ويسعون دائما لتعميق سوء الفهم حتى يتسنى لهم استعراض سلوكاتهم العدوانية، في حين نجد أشخاصا يميلون للسيطرة والاستئثار.

إن الحنكة والخبرة في المجال العلائقي بين الأفراد مطلوبة، وتلعب دورا محوريا في طريقة وأسلوب تدبير الخلافات والبحث لها عن حلول نافدة وناجعة.

فمن المستحيل أن ننجح في تدبير نزاع أو سوء فهم، إذا لم تكن لنا خلفية وقاعدة معرفية عن الأشخاص الذين نتعامل معهم، وننسج معهم روابط وعلاقات إما مهنية أو اجتماعية أو شخصية.

وحتى نكون موفقين في تدبير الخلافات والنزاعات التي قد تحصل في محيطنا، من الواجب علينا أن نكون لطفاء ومحترمين، ونتحلى بأخلاق النبل والشهامة، فهذه الخصال والسمات لا يمكن تعميمها والسير عليها مع جميع الأشخاص وفي جميع الحالات.

2. إدارة الخلافات يتطلب الاشتغال على ميولاتنا النفسية

لكي نصل إلى نتيجة مشجعة وناجعة في تدبير النزاعات والخلافات.

من الواجب علينا أن نراجع ذواتنا ونشتغل عليها، ونحدد مواطن القوة ومواضع الخلل والضعف التي تتحكم وتتفاعل داخلنا أثناء وقوع مشاحنة أو نزاع مع الغير.

ففي تواصلنا اليومي وعلاقاتنا الإنسانية، ليس من المفروض والأكيد أن الأفراد الذين نخاطبهم ونتعامل معهم على خطأ أو يهدفون لزرع علاقة موبوءة ومتسممة بل يمكن أن يكون العكس هو الصحيح.

وهذا يعني أن هناك خللا أو خطأ معينا نابعا من ذواتنا وسلوكاتنا اتجاه الآخرين.

لهذا وذاك، من الأفضل أن نتريت وندرس موضوع النزاع والخلاف، ونبحث في دواخلنا عن مسببات هذا النزاع، هل هي ذاتية؟ أي متعلقة بشخصي، أم موضوعية؟ متعلقة بالمحيط والأفراد الذين نتعامل معهم.

وفي نفس السياق، هذه مجموعة من الميولات والنزوعات النفسية الأولية لمحاولة إدارة وتدبير أي خلاف ونزاع.

المرونة وتدبير الخلافات

تتجلى المرونة في محاولة تفهم وضعية مخالفيك من خلال وضع نفسك مكانهم، وكيف سيكون انفعالهم وأحاسيسهم في هذه الوضعية الملتبسة.

هذا الأسلوب والطريقة في التفكير يساعد بشكل ضمني ومنطقي في تحقيق التهدئة والتخفيف من حدة التوتر وسوء الفهم.

وهذا يساهم في إيجاد توافق وحل للمشكل أو الخلاف المطروح.

وعليه فإن الشخصية المتحررة والمرنة والبعيدة عن الخلفيات السلبية، تستطيع التعامل مع المواقف الحرجة والملتبسة بمرونة وسلاسة.

هذا الأسلوب وهذه الشخصية النموذجية مطلوبة ومحببة لأنها تقدر وتستطيع فك وحل ألغاز الخلافات والنزاعات المطروحة.

المسؤولية وتدبير الخلافات

إن مصداقية الشخصية والتزامها بأقوالها وأفعالها وقراراتها، وكذا تحمل المسؤولية والانضباط في السراء والضراء، سمات وقيم إضافية تساعد على انتزاع احترام وتقدير الآخرين، وبالتالي فهي تسهل عليك عزيزي القارئ كيفية التعامل والتأقلم مع أي خلاف أو مشاحنة مع الغير.

إذا المصداقية والوضوح في التعامل مع الآخرين قيمة مضافة تساعد على تسهيل إدارة أي نزاع أو خلاف.

تدبير الخلافات رهين بحصرها وتحديدها

إن ضبط جوهر وطبيعة النزاع والخلاف، ومحاولة إيجاد حل له، دون التركيز على الشخص الذي هو طرف فيه، وطبيعة شخصيته وسلوكه.

سبيل وأسلوب ناجع لتدبير الخلاف. باعتبار أن حصر المشكل وتضييقه دون الاهتمام بطباع وسلوك الشخص الحاصل معه النزاع، هو منهج سريع ومفعوله مؤثر، وتداعياته تكون طفيفة وغير عميقة في تضخيم النزاع أو المشكل.

أي أن التركيز على المشكل وحصره، يمكننا من التوفق في حل النزاع، بمعزل عن ماهية الشخصية التي وقع لنا معها خلاف، باعتبار أن المشاحنات والتهجمات الشخصية قد تضخم المشكل وتعمقه أكثر مما تساهم في تبسيطه وحله.

3. تدبير الخلاف وتقاسم القيم المشتركة

إن تدبير الخلاف لا ينحصر فقط على نفسيتك أو شخصية مخاطبيك، بل يرتكز على البحث في نقط التلاقي والسمات المشتركة التي قد تجمعك بمعارضيك.

إن توظيف والاشتغال على المشترك والقيم التي نتقاطع فيها مع الآخرين، شيء ضروري ومهم للتخلص والقضاء على سوء الفهم أو الشنآن الذي قد نجد أنفسننا متورطين فيه.

فلهذا يستحسن أن نكون على دراية وإلمام بالعناصر والمكونات المشتركة والمتقاطعة التي تجمعنا كأفراد داخل محيط نعيش في رحابه.

لهذا هناك مجموعة من القيم والخصال الواجب أن نتمتع بها، لكي نضمن السلامة واليسر في تدبير اختلافاتنا وخلافاتنا مع الآخرين.

ومن بين هذه الخصال، التحلي بروح التفهم والاستيعاب، أي أن نتحلل ونتجرد لبعض الوقت من شخصيتنا، ونحاول التوغل في نفسية الآخرين، ونضع أنفسنا مكانهم.

الأكيد أن نجاح هذه العملية رهين بالتمرس على توظيفها أحسن توظيف لمواجهة الخلافات والنزاعات بشكل فعال ومؤثر إيجابيا، وذلك من خلال خلق مساحات وفضاءات يتحقق فيها التوافق والتراضي والنفع للأطراف المتضررة.

أي أننا لا يجب أن نتغافل أن الشخص الطرف في النزاع ليس بالضرورة خبيثا أوسيئا، بل إن احتياجاته ورغباته الذاتية هي الدافع إلى حدوث ووقوع الخلاف أو النزاع.

ومن بين العوامل القادرة على تقليص وتجفيف بؤر النزاع أو الخلاف، التمسك بالاحترام المتبادل، فهذا العامل يعتبر من القيم التي يجب أن نتحلى بها.

لأن تقدير واحترام الآخرين كيفما كانت درجتهم وطبيعتهم وسلوكاتهم، لا يسمح لنا بأن نصدر أحكاما جاهزة ومسبقة في حقهم.

فالتحلي بالمصداقية والشفافية اتجاه معارضينا ومخالفينا كيفما كانت طبيعة وحدة النزاع القائم بيننا، ضروري حتى نكسب تقديرهم واحترامهم.

وكذلك تبني المساواة والندية اتجاههم يكون عاملا محفزا ومهدئا لحدة الخلاف، ومشجعا للوصول لحلول يكون التراضي والتوافق هما المفتاح لعلاقة سوية ومحترمة.

فهل تستطيع عزيزي القارئ، أن تستثمر مؤهلاتك الذاتية والموضوعية في تدبير النزاعات والخلافات دون أن تعمق الهوة بينك وبين الآخرين؟

الموضوعية: كيف تكون انعكاسا طبيعيا لتصرفاتنا؟

يقول ريمون أرون وهو عالم اجتماعي فرنسي “الموضوعية لا تعني التجرد بقدر ما تعني الشمولية…”.

الموضوعية شرط لقيام الأمم ونجاح الأفراد والجماعات، فلا يمكن أن ننجز أو نحقق شيئا إذا كنا لا نرى في الدنيا سوانا.

فالتنوع هو إرادة ربانية لا دخل للإنسان فيها، لذلك فالموضوعية تقتضي، أو بالأحرى تساعدك على فهم وإدراك الإرادة الإلاهية وعلى تفهم سبب وجودك وعلى إدراك الحكمة من عظمة الخلائق.

فالموضوعية في مراحلها الأولى تعتمد التجرد من الذات والتعامل مع الموضوع أو الإشكال بطريقة مصبوغة بالواقعية والعقلانية.

إذا الموضوعية متمددة وشاملة، أي أنها جامعة للشيء ونقيضه.

فهي عقلنة لكل قرار نتخذه، فهي تدفعنا للتعالي عن وضعية الفاعل أو المستفيد وتمكننا من تجديد آليات تفكيرنا وتساعدنا على استيعاب وفهم الانزلاقات والورطات التي يمكن أن نكون ضحية لها.

فبالملموس ندرك أن الموضوعية هي القدرة على فهم وفصل رهاناتنا النفسية والمادية بمعزل عن الحساسية والذاتية التي تتحكم وتؤثر في مواقفنا وقراراتنا.

فالموضوعية أداة قوية وآلية متماسكة ومحددة لأهدافنا وداعمة لنا في تحمل مسؤولية اختياراتنا، وهي قاعدة وعماد للاعتداد والثقة الذاتية بالنفس.

فكيف نطور ونعزز تفكيرنا الموضوعي داخل وسط لا يتعامل بها، ويكتفي بالانزواء والارتماء في أحضان الذاتية والأحكام المتسرعة وغير المبنية على الوضوح والاستقلالية في الرؤية؟

1. الموضوعية وصدامها مع مقومات شخصيتنا

عندما تكون موضوعيا، تعرف أين مواطن الضعف وأين مواطن القوة.

فأنت وحدك لا تملك كل شيء ولا يمكن أن تكون كل شيء.

لهذا يجب أن تملك الحد الأدنى من الوعي لكي تعرف أن الآخر ليس عدوا دائما.

وأن الذي صنع الازدهار في الحضارات الإنسانية هو الموضوعية.

وأن نتذكر أن الغرب بموضوعيته استفاد من ابن رشد وابن خلدون وابن سينا.

لهذا فالموضوعية هي إدراك للأشياء على ماهي عليه دون أن تشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كراهية.

لذا فإن وصف شخص بأن (تفكيره موضوعي) يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى الحقائق على أساس العقل، وتبتعد عن كل الملابسات والظروف والمكونات.

إن تحديد هويتنا النفسية والذهنية لا يتحقق إلا بالاستناد على تجاربنا الشخصية التي هي عبارة عن منظومة من القيم والمعتقدات التي نتقاطع ونتشارك فيها مع الآخرين.

فالإنسان في علاقاته وتفاعلاته اليومية شبيه بقطعة الاسفنج، أي أنه يمتص وينسج ما جاد به تفاعله وتجاوبه مع الآخرين، الذين يفعلون فعلهم في سلوكاته وتصرفاته.

بالتالي فإن المحمولات الثقافية والعقدية التي يحتضنها المحيط وتأثيرها وتفاعلها في ذواتنا وشخوصنا عامل وعنصر سلبي، يُفقد سلوكاتنا وانفعالاتنا جانبا كبير من الموضوعية ويحرفها عن الدقة والعقلانية في طرح وتبني قضايا وإشكالات واقعنا المعيش.

استئناسا بما سبق، الموضوعية هي القدرة على إدراك وامتلاك آليات وأدوات لتحليل وتفكيك الواقع بمعزل عن الإفراط والإغراق في الذاتية وما تختزنه من ميولات عاطفية ونفسية قد لا تكون حافزا لنا في السير بخطى تابثة وواضحة.

فهل نستطيع إدراك الموضوعية بشكلها المطلق وتبنيها في مُعَارَكَتِنا للواقع وللمحيط؟

2. الموضوعية خصم لذوذ للذاتية

الموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودا ماديا خارجيا في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائلها ومدركها.

وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكا كاملا، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل كامل.

وكلمة الذاتي تعني (الفردي) أي ما يخص شخصا واحدا، فإن وصف شخص “تفكيره ذاتي” يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على ذوقه وشعوره.

إذا في هذه الحالة فمعرفتنا بالواقع محدودة، لأنها تعتمد فقط على خبراتنا الذاتية وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا.

فقلة من الافراد قادرة على اتخاد قرارات وأحكام تتصف بالموضوعية دون المس بخطوط التماس المتجسدة في الذاتية.

على اعتبار أن الإنسان في تصريف مواقفه وآراءه نادرا ما ينسلخ عن أحاسيسه وانفعالاته الذاتية.

لهذا فتبني الموضوعية رهان وتحدي قد ينكسر أو يجهض على عتبات هواجسنا وانفعالاتنا الشخصية.

وهناك مواضيع وإشكاليات لا نستطيع الحسم والاجماع عليها ولا يمكننا تبني التجرد والموضوعية في طرحها وتناولها ويشكل موضوع الإعدام والإجهاض أحد هذه المواضيع الحساسة التي لم يتم الحسم فيها، فقد عجز الفاعلون والمهتمون في طرح حلول ومخرجات واقعية ومحصنة باجماع وقبول الأغلبية.

فكل قرار أو حكم متسرع، هو نتاج لانفعال وانعكاس أملته علينا ميولاتنا وتكويننا الذاتي، الذي يقصي الدقة والموضوعية.

فهل اكتساب الموضوعية يتطلب مراجعة الذات ومكاشفتها؟

نعم، إن الاعتراف والبوح ومكاشفة الذات، عوامل وعناصر تقودنا إلى ولوج وتبني الدقة والموضوعية كأداة ومفتاح لبلوغ الحقيقة واليقين.

3. تعزيز الموضوعية بالاستعانة بتمارين سهلة وبسيطة

لكي تعيش الحياة الكبرى والصغرى، يجب أن تكون موضوعيا، أي أن تتعلم كيف تتعايش وكيف تعيش مع المخلوقات والكائنات والفصول والطبيعة التي وجدت نفسك فيها، لا تملك لحظة قدومك ولا لحظة غيابك.

إن التحلي بالموضوعية وبلوغها معقد وصعب المنال، لكننا في هذا المحور سنحاول مَدَّكم بتمرينين، ستستطيع من خلالهما عزيزي القارئ تكثيف مجهوداتك وطاقاتك وتجديدها، حتى تتمكن من اكتساب أدبيات وأبجديات الموضوعية المفروض إعمالها وتوظيفها في أي عمل أو إنجاز نتوسل فيه الاكتمال والتوازن والواقعية بعيدا عن الارتجالية والانطباعية.

وضع الموضوعية على المحك

فمثلا حين نريد أن نتناول موضوع الاعدام أو الإجهاض، نقع في حالة من الارتباك الفكري وعدم التوازن والواقعية في طرح هذا الموضوع.

ففي هذه الحالة يجب علينا عزيزي القارئ أن نستنبط انفعالاتنا ومواقفنا الذاتية، بتوظيف آلية وعملية الاستبطان، أي مكاشفة ومساءلة ذواتنا عن أسباب رفض أو قبول هذه النوعية من المواضيع.

بعد ذلك نحاول تفهم وإدراك موقف المحيط والوسط، وفي المرحلة الأخيرة نحاول أن نقيم مسافة بين رأينا ورأي المحيط، واستغلال أدوات وآليات التحليل المنطقي والواقعي، لإصدار مواقف تتسم بالدقة والعقلانية البعيدة عن مسايرة نزوعاتنا الشخصية والذاتية.

الموضوعية رديفة للانصات الجيد للآخر

حتى نحقق الموضوعية المطلوبة في إصدار وتصريف أفعال وأقوال ومواقف الآخرين، يجب أن نسلك طريق الاستماع للآخرين والانصات لحججهم وتبريراتهم، وأن نأخذ مواقفهم وانجازاتهم بمحمل الجد، عن طريق منحهم المجال والفضاء للتعبير عن آراءهم والحرية في تصريف مواقفهم بتجرد واستقلالية ، دون أن نجادلهم أو نعاكسهم اعتقاداتهم وقناعاتهم.

فآلية الانصات والاستماع للآخرين والتقرب من قناعاتهم وتصوراتهم، يساعدنا على فصل وتفكيك الذات عن الموضوع، وبذلك يسهل علينا تحديد آليات البحث والتمحيص والدقة في اتخاد القرارات والحكم على الآخرين بموضوعية وواقعية، دون الوقوع والإسرتماء في أحضان وبراتين الذاتية القاتلة والشوفينية المريضة التي لا تخدمنا كذوات ولا كجماعات.

إن التعارض بين الذاتي والموضوعي، إشكال دائم ومزمن ولا يمكن التوفيق وإقامة توازن بينهما دون تمثل الذات في علاقتها بالموضوع (الواقع).

تعلموا إعطاء انطباع جيد في أقل من أربعة دقائق!

أربعة دقائق كافية وشافية لنسيجك الدماغي لكي يتعرف على ماهية الانطباع المحصل عليه من طرف الآخرين، سواء كان إيجابيا أو سلبيا.

إن النظرة أو الانطباع الأولي أساسي وضروري في تقوية وتنمية مؤهلاتك ومقوماتك الشخصية.

فاستيعاب وإدراك المجهودات والاجتهادات النظرية في حقل التنمية البشرية، مهم وضروري للتهيئة والتكوين الشخصي، لكن الإطار النظري لا يعطي أُكْلَهُ ووقعه إلا بتنزيله وتجريبه على أرض الواقع.

والاحتكاك بالمحيط من أولويات التنمية والتطور البشري. والجانب النفسي في شخصية الفرد، هو المحك في العملية التفاعلية بينه وبين بيئته.

فهل نستطيع تطوير ملكاتنا ومواهبنا الذاتية، بدون تجسيدها وتمثلها أمام الآخر في أحسن الصور والأشكال؟

وكيف يتحقق الاكتمال الذاتي بمعزل عن حكم واعتراف الآخر؟

وهل نستطيع بعث رسائل جدب وانطباع أولي جيد للآخرين في أربعة دقائق؟

كل هذه الاستفهامات والأسئلة، سنعمل على طرحها ومحاولة الالمام بها، بغية ارضاء شريحة عريضة من قرائنا الأعزاء، لها اهتمام وفضول بهذا الموضوع.

إن رهانات تَحَقُّق الانجذاب والانطباع الأولي الجيد في وقت قياسي، وفي نطاقات ومجالات محددة سواء كانت مهنية أو شخصية أو اجتماعية، يتطلب من الفرد التواق إلى التفرد والتميز، أن يعبئ كل طاقاته الذهنية والنفسية والبدنية، ليسهل على الآخرين التقاط الانجذاب والانطباع الجيد في وقت قياسي.

1. الانضباط مع المحيط يعطي انطباعا جيدا لصالحك

إن الصورة والنظرة الأولية التي يلتقطها المحيط حول كيانك وشخصيتك، مرتبطة كامل الارتباط بمؤهلاتك وقدراتك على احترام مجموعة معايير وقيم اجتماعية متداولة وسارية في نسيجنا الاجتماعي.

وأيضا يجب الحرص على عدم تفكيك اللُّحمة الاجتماعية المتمثلة في التقاليد والعادات والطقوس…

والتي من المفروض عزيزي القارئ عدم تجاهلها أو تجاوزها، على اعتبار أن المحيط الاجتماعي الذي نحيى فيه ونتطور، محكوم بموروث ورصيد شعبي واجتماعي لا يقبل التحوير أوالتعديل.

تكييف ملابسنا وهندامنا حسب طبيعة المناسبة

إن بلوغ الانطباع الجيد لدى الآخرين، يسترعي منا عزيزي القارئ، أن نساير المحيط والمكان الذي نحن فيه، وهذا لا يتحقق إلا بمعايشة الآخرين طباعهم ونمط عيشهم، وكذا نوعية اللباس المطلوب ارتداؤه في مثل هذه المناسبات والمواقف.

فمثلا اللباس والمظهر الذي يجب أن نكون عليه ونحن مقبلون على التعيين أو نيل منصب أو إجراء مباراة تشغيل، يختلف تمام الاختلاف إذا نحن تقدمنا إلى فرقة موسيقية شابة نريد الانضمام إليها.

أي أن طبيعة المظهر واللباس وكذا أسلوب الحوار والتحدث يختلف باختلاف المواقف والحالات، أي أن لكل مقام مقال.

بعث رسائل ولغة لا شفاهية مفتوحة

إلى جانب اللباس والمظهر الخارجي للشخص، وكذا كيفية ابراز مهاراته في تنسيق وتوفيق ملابسه وشكله الخارجي، فإن الجانب الشخصي وما يحتويه من قدرات ومهارات مهم وأساسي في جذب انتباه الآخرين وتقديرهم واعتبارهم.

وعلى العكس من ذلك، فإن ضيق أفق التفكير وكذا الخجل عنصران سلبيان يفرملان ويحطمان كل قوة إرادة وطموح.

من هنا فإن تحديد قدراتك وطاقاتك وتطويرها، من أجل الخطوة الحسنة والانطباع المحمود من لدن الآخرين، يفترض فيك عزيزي القارئ أن تكون مدركا وواعيا بالقوالب الاجتماعية وبمتطلبات ورغبات المحيط، والعمل على توفيق هذه الطموحات والرغبات وفق تطلعات وانتظارات الآخرين، دون التفريط في أهدافك أو الدخول في نزاع أو خلاف متعلق بالمحصلة الاجتماعية للآخرين.

لغة سليمة لا يشوبها اللوم والعتاب

إن امتلاك رؤية ونظرة سليمة لا يتحقق إلا في ظل وضع صحي وسليم نستطيع من خلاله تحقيق رغبات وانتظارات الآخرين.

ومن هذا المنطلق، فإن انتقاء واختيار لغة وأسلوب الحوار والتخاطب في التواصل مع الآخرين، لبنة أساسية لتوطيد وتأكيد مكانتك ومصداقيتك لدى الآخرين.

وعليه، فإن لغة التحاور والتخاطب مع الآخرين تختلف من موقف لآخر، ومن موضع لآخر، ومن شخص لآخر، ومن شريحة اجتماعية لأخرى.

إذن، يجب على المُخاطِب الذي يريد أن يثبت كفاءته وصدقيته أن يأخذ بعين الحرص نوعية الخطاب والمخاطَبين.

لأن أدوات وآليات استقبال الخطاب تختلف من شخص لآخر، والوعي بهذا المعطى محوري وضروري.

لأنك عزيزي القارئ لما تتناول كلمة أو خطابا في مناسبة مهنية أو في حفل أو في أي نشاط، يجب عليك أن تعي طبيعة وتكوين المخاطَبين، لأنه أساسي في اجتذاب الآخرين وفي التوفق في إقناعهم وإرضائهم.

فاجتذاب الآخرين يتطلب لغة وأسلوبا بسيطا وقريبا من محاوريك، لأن أسلوب البساطة والقرب في اللغة، دليل وإبراز لمؤهلاتك، فطبيعة الأسلوب ومضمون الخطاب، لا يلغي عزيزي القارئ نوعية وفعالية اندماجك وتفاعلك مع الآخرين.

ولتمكينك من الانطباع الأولي الجيد، يجب عليك أن تكون إنسانا محبوبا ونشيطا ومؤدبا.

إن هذه الصفات والمميزات التي يُفترض أن يستحضرها كل راغب في أن يحظى بنظرات الانجذاب والاعجاب، لا تحصِّنه من انتقادات وتجريح الآخر، بحجة أنه لا يلبي احتياجات وتطلعات مخاطبيه.

في هذه الحالة، (الانطباع السلبي) يلزمك عزيزي القارئ التحلي بالاتزان والهدوء وتقبل آراء الآخرين وإن كانت صادمة، من أجل شحذ وتطوير آلياتك وأدواتك من جديد.

2. تأكيد قوة الشخصية والكاريزما بالاستعانة بحركات وإيماءات تحقق الانطباع الإيجابي السريع

إن تحقيق الانطباع الإيجابي يتجلى في إبراز مقوماتك ومؤهلاتك الذاتية، والانصهار والذوبان في محيطك الاجتماعي.

ومن السمات والخصائص التي يجب اعتمادها عزيزي القارئ لتحقيق حضور لافت وبارز لدى الآخرين، إصباغُ طابع الود والحب في تفاعلك مع الآخرين، وتحسيسهم بتطابق وتناغم في الأحاسيس والمشاعر، وأن يطبع علاقتك مع الآخرين معادلة اللطف والأدب مع الثقة والمصداقية.

نظرة واثقة

عندما نلتقي أو نصادف مخاطبين أو محاورين جدد، نرغب وبشكل تلقائي إبراز صورة تدل أو توحي بأننا نتمتع بنوع من المصداقية والمسؤولية.

فلكي تنال ثقة ومصداقية مخاطبك، عليك أن تكون في وضع يسمح لعينيك أن تنظر باستقامة وبدون تردد.

فطريقة النظر واتجاه عينيك هي مؤشرات على قوة الشخصية والكاريزما التي يتمتع بها الشخص.

إن إدراك واستيعاب أهمية التواصل البصري ووسائله والرسائل التي يبعثها أو يلتقطها، ضرورة وأساس من أسس التواصل الفعال مع الآخرين.

ابتسامات وإشارات مصدرها الرأس

إن بعث إشارات ورسائل الحب والود والتطابق اتجاه الآخرين، أساسية لنيل الانجذاب والانطباع الإيجابي عند الآخرين.

وللتمكن من ذلك عزيزي القارئ، يلزمك العناية بمظهرك، وتشكل هيئة الفرد دليلا على انفتاح الشخصية وانصاتها لهموم وتطلعات الآخرين.

وتعتبر الابتسامة العفوية المتكررة من أسس الانجذاب حول شخصك (فلا بأس عزيزي القارئ أن تمرن تقاسيم وجهك على الابتسام أمام المرآة).

وكذلك يعتبر تحريك الرأس أثناء تحاورك مع الآخرين ضروري ودليل على التواضع والاحترام والقدرة والقابلية على محاورة الآخرين.

شموخ في القامة

إن الرأس المرفوع والجدية والانضباط والثقة في النفس، أساسيات لا محيد عنها في كسب الثقة وانجذاب الآخرين.

وكما سبق وأن ذكرنا، يعد التعبير الجسدي أحد أبرز التعبيرات فعالية وتداولا في التواصل الاجتماعي، لهذا فكل إيحاء أو ميمٍ أو حركة هي رسالة ومضمون يجب أن نحسن توظيفه وتوصيله للآخرين.

فللتعبير عن استقرارك وهدوءك الداخلي، وكذا جديتك ومصداقيتك، فالتعبير الجسدي يلعب دورا محوريا لتأكيد قوة شخصيتك وقدرتها على الاقناع وابلاغ فلسفتها وأفكارها.

إذاً الاستعانة بالجسد عنصر مهم في جلب واقناع الآخرين، واستعمال الأرجل والأيادي بشكل مضبوط ومنسجم مع الخطاب الذي نحن نلقيه شرط ضروري لكي تكتمل صورة المُخاطب في عيون وذهن الآخرين.

وخلاصة لكل ما سبق، إن اكتمال وفعالية التواصل بين الناس، لا يقتصر على ما هو شفاهي فقط، بل يعتبر التواصل اللاشفهي أحد الركائز التي لا غنى عنها لبلوغ تواصل فاعل ومكتمل.

ليس ضروريا أن تكون مشهورا لتمتلك الكاريزما

الكاريزما مفهوم من المفاهيم الغامضة، الكثيرون يعتقدون أنهم يمسكون بناصية معناه، لكن في واقع الأمر، قلة من الناس هم الذين يضبطون هذا المعنى.

هناك اعتقاد سائد مفاده أن الكاريزما خاصية فطرية تولد مع الإنسان، وهذا الأمر غير صحيح، فلا أحد يولد مَهيبا وممتلكا للمؤهلات الاجتماعية الجذابة والمؤثرة…

كل هذه الصفات تكتسب مع الوقت، ومع التجربة والقدرة الدائمة على مساءلة الذات، من خلال عملية الاستبطان.

لا شك أن الأشخاص المتصفين بالكاريزما لا يجدون صعوبة في التواصل كما أن كلامهم أكثر مصداقيةً وحضوراً.

ومصداقيتهم قلما تخضع للمساءلة وإعادة النظر من قبل محيطهم الاجتماعي، إنهم يملئون المشهد بحضورهم القوي.

السؤال الذي يُطرح هنا هو كيف السبيل إلى تطوير هذا المكتسب على المستوى الشخصي، حتى يكون خاصية أصيلة في شخصيتنا، فيتأتّى لنا تقدير الذات، والرقي بنفسيتنا.

1. الكاريزما هي حالة نفسية يومية

يمكننا تعريف الكاريزما بالاستلهام من عالم الحيوانات. وهكذا، فبإمعان النظر في أغلبية الثدييات التي تنمو في مجموعات “اجتماعية”، سنلاحظ الحضور القوي لعنصر مهيمن على كل مجموعة.

إنه هو الزعيم إن صح التعبير، حضوره القوي والاحترام الذي يحظى به جعلا منه قائدا ومن الباقي تابعين ومقلدين، إلى درجة أن يعملون بكدّ لتلبية رغباته وإقناعه بجدواهم.

السِّمتين الأساسيتين التي تنشأ على إثرهما الكاريزما هي العقلانية والتحكم في الجانب العاطفي . الكاريزما إذن تنشأ عن نزوع إلى تلبية حاجات ورغبات الذات قبل الآخرين.

أنانية؟ هذا وارد… ولكن ألا نقول أنه لكي نحب أحدهم يجب أن نُعجَب بأنفسنا أولا؟

أغلب أحاسيسنا حتى تلك التي نعبر عنها تجاه الآخرين، مرتبطة بالطريقة التي تؤثر بها –أي الأحاسيس- على نفسيتنا (نحب أن نكون مع الأصدقاء لأن ذلك يمنحنا شعورا بالراحة مثلا).

الكاريزما هي بمعنى أو بأخر ذروة الثقة بالنفس، يعني أن نتميز برباطة الجأش، كيفما كانت الصورة التي تأخذها عنا باقي عناصر دائرتنا الاجتماعية. نظرة الآخرين لم يعد لها أهمية إذن.

البرود النفسي يمثل القدرة على عدم الخوض في قضايا العلاقات المختلفة التي تنتج عن طريقة نشاطنا وردود أفعالنا.

2. الكاريزما كتعطش للتحديات الجديدة

سأجيب بطريقة مبسطة على سؤال “كيف نطور الكاريزما؟”

في الوقت الذي يتردد فيه الشخص الخجول ويضيع في الأسئلة وينتهي بالتقاعس عن اتخاذ القرار الشجاع وعن المجازفة، نجد الشخص الكاريزمي يبادر بالمواجهة دون تردد.

إنها طريقته في التأكيد على قيمته أمام نفسه أولا ثم أمام الآخرين.

هل الكاريزما مرتبطة فقط بالنجاح؟ الجواب هو لا. ليس بالضرورة، إنما تسمح هذه الخاصية بأخذ الدروس من كل فشل، لتصحيح الأخطاء بهدف التحسن وتطوير الأداء.

فالفشل ليس سلبيا دائما، شريطة أن تُحْسن التعامل معه باستيعاب الدرس جيدا، وأخذ العبرة. لتجد نفسك في النهاية أمام تجربة تراكمية تقيك الوقوع في الخطأ، وتجعلك أكثر قوة في شخصيتك.

لكي تمتلك الكاريزما ليس أمرا مستبعدا، لا أبدا. المسألة مسألة إرادة، يجب أن ترغب في مواجهة التحدي، ومجابهة المخاوف.

العزيمة والإصرار ضروريين في هذا المضمار. يجب أن تصغي لرغباتك (المشروعة)، وأن تسعى إليها حتى وإن كان عقلك يكبحك.

3. الكاريزما كإعادة نظر في القيود الشخصية

حتى يتسنى لك التحرر من نظرة الآخرين وإثبات ذاتك ومن تم الوصول إلى الكاريزما، يتعين أن تعيد التفكير في رغبتك الطبيعية في كسب اعتراف محيطك وترك انطباع جيد.

لا شيء يحتم عليك أن تخضع للقيود النفسية الناتجة عن محيطك الاجتماعي والتي قد تركب فيك عقدا حادة من شأنها عرقلة انسيابيتك.

فلتكن من أولوياتك التخلص من هذه العقد، وتحمل كامل مسؤوليتك في ذلك.

لديك عقدة الخوف من التحدث إلى الناس؟ ننصحك بمتابعة دورات تدريبية لدى مدرب مختص، أو متابعة دروس في المسرح.

كن فخورا بشخصيتك وبمسارك. فقيمة الشخص لا تتحدد بالتصور الذي لدى دائرته الاجتماعية عنه، وإنما بقدرته على تقبل ذاته والتعايش معها وتحمل مسؤولياته.

أفضل عنصر تتوفر عليه لتمتلك الكاريزما هو قدرتك على الإيمان بذاتك، وعلى استجلاب المحفزات من كل التحديات، وليس الانكسار أمام هذه الأخيرة.

لا يمكننا التغلب على المخاوف إلا بمواجهتها.

بقي أن نشير إلى أن الكاريزما ليست بخاصية في ملكيتنا أو خاصية تنقصنا، بل هي نمط حياة، هي طريق يقود إلى الارتقاء بالذات وإثباتها.

الكاريزما كامنة فيك… في مكان ما منك… بقي أن تعيشها…

التغلب على الخوف: لماذا نخشى النجاح؟

أي تفكير في مشروع أو إرادة في تغيير نمط الحياة أو رغبة في تحسين مستوى حياتنا اليومية، يُقَابَلُ بعدة مخاوف وهواجس وأسئلة.

هذا طبيعي وبديهي، فإذا ما حَلَّلْنا التركيبة النفسية للفرد، نجد أن كل محاولة منه للتغيير وتحقيق هدف ما يتبعها بالضرورة الإحساس والتفكير في الفشل، على اعتبار أن هناك عدة عوامل قادرة على التأثير في إرادتنا وحماستنا للوصول إلى الغاية المرجوة (النجاح).

إن الطبيعة البشرية تطمح دائما للأفضل والأحسن، أي أن الفرد دائما يطمح للنجاح، وهذا طموح مشروع لكن الوصول إليه صعب المنال واقعيا لعدة اعتبارات.

المحيط والواقع الذي نعيشه مليء بالمعتقدات والخرافات التي تعمل على تأطير وتوجيه وعينا الجماعي.

هذا المعطى أي المخزون الثقافي والفكري يفعل فعله في التأثير والإضعاف عند كل محاولة ترنو إلى التغيير والتقدم.

فهذه الحالة أو الوضعية التي يعايشها كل راغب في الارتقاء والتطور تصطدم بسؤال جوهري: كيف نواجه ونتخلص من مخاوفنا وهواجسنا؟

إن العامل الرئيسي في الخوف من التمسك بطموحاتنا ورغباتنا، ليس نقصا في الإرادة بل تشكل البيئة والمحيط الاجتماعي الحاجز المنيع الذي لا يغفر ولا يتساهل مع الأفراد ذوي المحاولات الفاشلة، أي أن المجتمع بطبيعته يزدري دائما ويقزم الأناس الذين أخفقوا في محاولاتهم وتجاربهم الأولية.

وتماشيا مع ما أسلفنا ذكره، يجسد الإيمان والاقتناع بمؤهلاتك وقدراتك في تغيير نمط عيشك الجواب الدامغ للمشككين في نجاحك وتفوقك، وبالتالي تحظى باحترام وتقدير هذا المحيط الخارجي الناقد والمتربص لأخطاء وكبوات الآخرين.

1. التغلب على المخاوف: الخوف معطى إنساني مشترك

الخوف معطى وخاصية إنسانية يشترك في الاحساس بها جميع الأفراد.

لذا على الراغب في تبوء رتبة من رتب التقدم والنجاح، استحضار هذا العنصر بشكل مستمر، وأن يحاول التحكم والتغلب على هذا الاحساس الطبيعي الذي ينتاب أي انسان مقبل على قرار يرى فيه تغييرا وإضافة جديدة في حياته.

فحين يقرر الانسان اتخاد قرارات مصيرية تزداد مساحة الخوف وتتقوى داخله.

فالرغبة في التغيير يكون لها وقع نفسي عميق وقوي، حيث تبدأ الأسئلة والهواجس تحاصر الذهن والمخيلة.

ومن بين الأسئلة التي تتناثر وتتعارك في دواخلك:

ماهي سبل التحسن في الأداء؟ كيف نستطيع التمكن من أدوات التطور؟ هل نحن ماضون في الطريق الصحيح؟ ما الضيم إذا نحن أخطأنا أو فشلنا؟

من شروط التغيير لبلوغ الغاية والهدف، الاعتقاد والاعتراف بإمكانية الوقوع في الخطأ.

لأنه مرشدنا ودليلنا للوصول إلى الطريق القويم، وهو الداعم والمحفز للتعلم والتطور وبلوغ الاكتمال الشخصي.

وفي هذا الصدد، لا يمكن أن نتلمس طريق النجاح والتألق دون أن نصادف أو نقع في هفوات وأخطاء غالبا ما تكون هي المفتاح لمعرفة الصواب والاكتمال الذاتي.

تأسيسا على ما سبق، الخوف من الفشل كحالة نفسية هو طبيعي وينسجم مع الذات الإنسانية الطامحة للكمال المطلق.

وبمعنى من المعاني فمعادلة الخوف من الفشل والرغبة في التفوق لا تستقيم إلا بالطموح العقلاني والثقة في الذات ومقوماتها وجعل المحيط الذي تعيش داخله عنصر تحفيز وطرفا ثانويا في تحديد أهدافك ورغباتك.

فإذا تابعنا الأعمال والإنجازات الناجحة لمشاهير عالميين، مفكرين ومبدعين وفنانين، نجد أن علاقتهم بالخوف هي علاقة تحفيز ودافع لمزيد من الاتقان والاكتمال لبلوغ مشارف وعوامل النجاح.

نخلص في هذا المضمار إلى كون عامل الخوف من الفشل، إذا ما أحسن الإنسان توظيفه واستغلاله كمعطى إيجابي وكأداة دفع للمزيد من البدل والعطاء، بغض النظر عن موقف ورؤية الآخرين.

لأن الأساس في كل هذه العملية النفسية هو تحقق الاشباع والاكتمال الذاتي للفرد بمعزل عن رأي الجماعة أو المحيط.

2. التغلب على الخوف يتطلب التركيز على الذات

التغلب على الخوف داخل حقل اجتماعي لا يؤمن بالعطاءات المتجددة الخارجة عن قوالب وأنماط الجماعة المجبولة على الريبة والشك في أي إنجاز يعتمد صاحبه على مقوماته الذاتية دون الاكتراث بمحيطه الرافض لروح المبادرة والتجديد.

ولذلك فإن الخطوات الأولى التي تَتْبَعُ قرار التغيير مهمة وفاصلة، باعتبارها المفتاح والعامل الرئيسي في مواجهة الصعوبات والعراقيل.

إن المكون النفسي في عملية التغيير يبقى حاضرا في جميع مراحل الانجاز باعتباره عنصرا محوريا بين الذات والموضوع.

وتحديد الوسط والمحيط مهم في عملية الانجاز، لأن هذا الأخير يترصد تحركاتنا ويراقب انجازاتنا وسلوكنا، حتى يسهل عليه استصدار الأحكام والمواقف الرافضة والمعارضة.

كي نكون موضوعيين وحتى لا نخضع لمنطق التعميم، لأكيد أنه داخل محيطنا ووسطنا أفراد سيشجعوننا وقد يمدون لنا يد العون والمساعدة.

يبقى السؤال المحوري هو:

هل من المعقول أن يقبل محيطنا الخارجي فشلنا واخفاقنا بسهولة؟ أم سيكتفي بالملاحظة؟ أم أن سهام نقده وتجريحه هي القاعدة الغالبة؟

خلاصة القول، إن التغلب على الخوف لا يتحقق إلا بالتركيز الاعتماد على الذات مع تكريس عوامل الدعم الذاتي والموضوعي.

والشجاعة والإقدام عنصرين مهمين لتدليل وتفكيك العقد والصعوبات التي قد تعترض أو تحاصر هدفك نحو الانجاز والنجاح.

3. التغلب على الخوف رهين بتحديد الأهداف

حتى يحالفك النجاح والتفوق في أي عمل أو مشروع مستقبلي، يلزمك تحديد وتأطير الرؤية والتصور الذي ينبني عليه إنجازك.

نحن ملزمون بوضع خارطة طريق يتم فيها دراسة وتمحيص جميع الخطوات والآليات التي يجب اتباعها لنيل المراد. وبصيغة أخرى لكي تتوافر لك فرص نجاح إنجازك، من الضروري أن تضع الأساس والأرضية المناسبة للانطلاق.

فالراغب في التميز والتفوق يجب عليه أن يشتغل في إطار مدروس ومحدد لا مجال فيه للعفوية والارتجالية.

وانسجاما مع ما سبق ذكره، تحديد الرؤية وضبط التحركات والخطوات، كلها شروط وعناصر مؤدية لطريق النجاح والتألق، وبالتالي مواجهة عامل الخوف تتقوى وتتقلص مساحات تأثيره.

إن تقوية مؤهلاتك الذاتية الظاهر منها والخفي، إضافة إلى الثقة بالنفس وتوظيف جميع مسببات التحفيز للوصول إلى الغرض المنشود، مفاتيح جوهرية وأساسية لا محيد عنها.

فلا يتحقق النجاح في تغيير نمط عيشك دون الارتكاز إلى رؤية وتصور، يُمَكِنُكَ من فهم وإدراك طبيعة النتائج المراد تحقيقها، مع استشراف واستحضار إمكانيات الخطأ والاخفاق.

ونخلص إلى أنه، لا يمكن اكتساب آليات وأدوات الارتقاء والتميز، في غياب تصور وأرضية مفاهيم نتزود بها في عملية الانجاز والتحقيق.

ومن هنا فالقدرة على تجاوز وتجاهل كل مسببات الخوف والاحباط، تتطلب الشجاعة الأدبية والبصيرة النقدية، وتحديد الأهداف وتَمَثُّلَها على أرض الواقع للوصول إلى مدارج التوفيق والتألق.

4. التغلب على الخوف يتحقق عبر مقاربة جماعية

من المسلم به، المنظومة الاجتماعية ترفض وتفند كل انجاز فيه نفحات التجديد والتغيير.

لهذا فهي تتابعه وترصده وتسعى إلى تقويضه إذا دفعه المجال لفعل ذلك.

فما السر في عدم تشجيع المحيط والعالم الخارجي لكل مبادرة ترنو إلى التفرد والتألق؟

في اعتقادي تركيبة وطبيعة المجتمع وطريقة ديناميته وتحركه، تلعب دورا مفصليا في الاعتراف بالنجاح أو عدمه.

وفي ظل محيط معارض ومُعَرْقِلٍ لكل محاولة أو مبادرة تطمح للتجديد والتغيير، يتعين على المقبل على مشروع يطمح من خلاله للارتقاء، أن يأخذ بعين الاعتبار واقعه المعيش، ويبدل ما في وسعه لِيُثْبِتَ للآخر أنه في الطريق الصحيح، وأنه متسلح بعتاد النجاح ولا يخشى العواقب والمطبات التي قد تعترض سبيله.

وعليه، فإن ملامسة الواقع الاجتماعي ومقاربته ضرورية وجوهرية لفهم وإدراك الصعوبات والكوابح التي قد تعوق عملية الانجاز.

بمعنى آخر يجب إجادة الانصات لنبض الفاعلين في محيطه، وكذا محاولة استيعاب الضمير الجمعي في حدود قوعد المنطق والعقل.

الطموح الفردي يكون دائما معرضا لمضايقة وانتقاد الآخرين باعتبار أن هذا الطموح يواجه مجموعة قيم وتصورات الجماعة.

هذه الأخيرة تكون غالبا غير منصفة ومدركة لطبيعة خطواتك وتحدياتك.

فدور المحيط والجماعة كما سبق وأن أشرنا إليه، ينحصر في الرقابة والانتقاد.

ومن هذا المنطلق، إذا كنت ترغب أن تكون ناجحا ومتميزا، لا تخشى أن تكون مختلفا ومغايرا لنمط تفكير الجماعة، المرتكز على خلفيات وقيم رجعية مناهضة لكل فكر جديد أو مبادرة تحمل في طياتها روح الابداع والتغيير.

لهذا وذاك، من اللازم عليك أن تكون جديرا بطموحاتك ومتمسكا بتطلعاتك، دون الاكتراث للعوامل والعناصر الخارجية التي تعمل على عرقلة وإيقاف كل ما من شأنه خلق بوادر للتغيير وتجاوز الأنماط والقواعد الاجتماعية البالية والغارقة في التقليد والنمطية.

بلوغ السعادة، خيال أم حقيقة؟

إن البحث عن السعادة أو ما يسمى فن العيش من المواضيع التي لم تعد محصورة أو حكرا على أحد.

بل هي من المواضيع ذات الأولوية في المدونات ومصادر المعلومات الأخرى التي تركز على التأهيل وتطوير الذات.

وعليه فإن السؤال عن السعادة وتحديدها، يختلف من شخص لآخر. باعتبار أن أهدافنا وحاجياتنا ورغباتنا متمايزة.

وبالتالي فإن تحديد مفهوم دقيق ومؤسس للسعادة، يبقى هو الهاجس المزمن الذي يراود كل شخص، يحاول تمثيل هذا المفهوم وتشخيصه في مجموعة من الأحاسيس والمشاعر الإيجابية.

لهذا وذاك، نقترح على قرائنا لبِنات وأسس بلوغ السعادة.

1. السعادة تتطلب تصالحا مع الذات:

كما سلف الذكر، تحديد مفهوم موضوعي للسعادة يبقى نسبيا. لكنني ارتأيت أن أزود قارئي العزيز بمجموعة من العناصر والعوامل التي تؤدي إلى تحقيق السكينة النفسية بشكل دائم ومتواصل.

أول هذه العوامل، تمثل العناصر الخارجية الفاعلة في محيطك. هل نستطيع زرع التفاؤل داخل بيئة مليئة بالسوداوية والحزن والمتناقضات؟

الجواب مرتبط بالحالة النفسية التي ينبغي أن تُبنى وتتطور حسب التعامل والتفاعل الإيجابي للفرد مع محيطه وبيئته.

لهذا فإن التركيز على خلق تصالح مع الذات والمحيط يبقى شرطا ضروريا لبلوغ السعادة المرجوة.

2. هل الوصول للسعادة لغز؟

إن الإجابة عن سؤال “هل تفكر أن تكون سعيدا؟” يبقى جوابا ملتبسا ومشوبا بالتردد، كما ان لفظة السعادة تبقى شائكة وزئبقية في وقتنا الحاضر.

البحث عن الكمال الإنساني هو من المحددات النفسية التي يلزم الإنسان مواجهتها، على اعتبار التنافسية والمردودية ليست دائما شرطا لتحقيق الذات داخل محيط ضاغط يختبر قدراتك ومؤهلاتك باستمرار.

ومن هذا المنطلق نحن ملزمون دائما بتطوير ذواتنا وقدراتنا في المجال الذي يعنينا (اجتماعي، مهني، مالي).

وحتى تكون إجابتنا شافية ومحدِّدة للعوامل الفاعلة في خلق حالة من السعادة.

يلزمنا البحث والتنقيب في دواخلنا بدون ريبة أو تردد عن التفاصيل والوقائع التي من خلالها نستطيع تحديد مفهوم الحياة السعيدة.

هذا لن يتأتى إلا باستحضار مفهوم الرضا عن النفس. هذا العامل أساسي وضروري بالنسبة لي لتقريب مفهوم السعادة.

الرضا عن النفس لا يتحقق إلا بمشاركة الآخرين في أنشطتك. فمثلا أن تشارك صديقا أو مجموعة أصدقاء وجبة غداء، أن تشارك أصدقاء في مباراة كرة القدم، أن تشاهد برنامجا أو مادة تلفازية تروقك.

خلاصة القول، أن تكون سعيدا هي أن تكون راضيا عن نفسك في أعمال تروقك وتتوافق مع مؤهلاتك وقدراتك.

3. يجب أن تعيش حرا لكي تكون سعيدا.

يبدو أن نيل السعادة يلزمه تطوير مجموعة من آليات التفاعل وكذلك إيجاد معايير وخصائص تمكننا من تجديد رؤيتنا اتجاه الآخرين، عبر التشبث باختياراتنا ومحاولة تنزيلها على أرض الواقع.

ومن أسس النجاح لبلوغ السعادة: التقدير الذاتي، الثقة بالنفس، الموضوعية.

ولاِكتساب الوعي والإدراك بمكانة وقيمة التغيير في حياتك، يلزمك التحرر من أنماط التفكير والسلوك السلبيين المحيطة بك، والتي قد تعرقل خطواتك وتحركاتك.

التقدير الذاتي، يُمَكِّنِكَ من تقييم حدود ومدى امكاناتك وقدراتك.

ويبقى الحرص على الرضا والاِنتشاء والاِستمتاع بإنجازاتك ومجهوداتك، صمام أمانٍ سيقودك حتما إلى الاعتزاز والاعتراف بمقوماتك، وهذه العوامل مهمة لبناء شخصية تواقة وباحثة عن السعادة.

الثقة بالنفس، أساس من أسس النجاح، لا يستقيم بدونها فهي تجنبك التردد والشك في سلوكياتك وانجازاتك، علما أننا نعيش داخل مجتمع ومحيط يترصد وينتقد كل مُطالِب بالتغيير أو منتفض على قوالب وعادات اجتماعية لا تستجيب لطموحاتك وتطلعاتك.

الموضوعية، تبقى الموضوعية شرطا أساسيا لإدراك المعنى الحقيقي والحي للسعادة.

فهذه الأخيرة لا تتحقق بمعزل عن حرية التفكير والاستقلالية في صياغة واتخاد قرارات والآراء، بغية تحقيق وبلوغ الإشباع الذاتي، اعتبارا أن السعادة فهم وإحساس شخصي يختلف من فرد لآخر حسب تكوين وطبيعة الشخصية وانتظاراتها.

خلاصة القول، هل بلوغ السعادة والتطلع إليها هدف مثالي أم قابل للتحقق واقعيا؟

التسويف: الحرب المعلنة

قرائي الأعزاء، لقد حان الوقت لنفض غبار التسويف والكسل.

فالعدو قد اجتاح وغزا حياتنا اليومية، والواجب يقتضي مواجهته وطرده من محيطنا وذواتنا.

والهدف من كتابة هذه المقالة عزبزي القارئ، هو تحرير المبادرة الذاتية وتحفيزها، والنأي بها من مخالب العدو المتربص بنا.

فالتسويف وارجاء وتأجيل المواعيد والأنشطة إلى أجل غير معلوم، أو ما شابه ذلك من المنعوت، تعد من العوامل المؤثرة في أسباب التفوق والانجاز.

والشجاعة وقوة الإرادة والرغبة في اتخاد القرارات والاختيارات الصعبة، هي المفاتيح السرية عزيزي القارئ، لتحقيق أهدافك وبلوغ الرضا عن الذات.

فأين تتجسد تمظهرات التسويف؟ وكيف وما السبيل لمواجهته والتخلص منه؟

1. التسويف: كشف هذا العدو واقتلاعه

إن سبل وأدوات مواجهة التسويف ومحاربته داخل حياتنا اليومية، لا يمكن التوفق فيها، إلا إذا استطعنا تحديد وقعها وتمثلاتها في يوميات حياتنا.

فإذا كان تعريف التسويف، يقترن دائما بإرجاء المواعيد، وتأجيل الأعمال إلى وقت لاحق، بحجة وجود عراقيل أو صعوبات تَحُولُ دون الانضباط والتقيد بالالتزامات مع الآخرين.

وكتعريف ساري التداول، التسويف هو خلق الأعذار والحجج بغية التحلل من مهمات والتزامات على عاتقك. باعتبار هذا الالتزام لا يحقق لك الرضا والاكتفاء الذاتي الفوري.

فعدونا قارئي العزيز لا يتجسد ولا يظهر بمظهر أو شكل واحد متوحد، بل يتخفى ويتقنع في عدة وجوه وأشكال وحالات يَسْتَعْصِي معها تحديد هويته وتجلياته داخل حياتنا اليومية، وهنا تكمن الإشكالية والصعوبة.

فهل التسويف ينحصر فقط في حالتنا العملية والمهنية؟ أم أنه حالة متجذرة في ثقافتنا وموروثنا الاجتماعي السلبي؟

التسويف يتجلى في ثلاثة أوجه، فإذا أدركت عزيزي القارئ أنك تعيش حالة من هذه الحالات فلا تتردد في الانسحاب بدون سابق انذار.

– الاستهانة بالوقت وعدم تثمينه: أي أننا لا نُعِيرُ للوقت أهمية، فالثانية كالدقيقة والدقيقة كالساعة… وهكذا دواليك، أي لا مكان ولا أهمية للوقت والزمن.

ونظرا للأهمية القصوى التي يمثلها الوقت، فإن تبخيس وتقزيم دوره يؤدي لا محالة إلى إحداث خلل وتخلف في العطاء والمردودية.

فاحترس عزيزي القارئ واحرص على تثمين الوقت، ولا تتماطل ولا تتهاون في الانضباط واحترام الالتزامات والمواعيد مع من تربطك بهم علاقة مهنية أو ما شابه ذلك…

-المبررات الزائفة: إن التسويف سلوك غير سوي يتحصن به المُماطِل لإخفاء عدم رغبته، أو عدم استعداده للإقبال على شيء أو عمل معين، فيعمل على اختلاق المبررات والحجج والأعذار والأكاذيب، التي لا تمثُّ للواقع بصلة، المهم عنده هو التخلص من هذا الالتزام والتهرب منه.

طبعا هذه السلوكات المنحرفة تؤثر بشكل عميق وفعلي على تركيبتنا النفسية.

لأن التعود على افتعال المبررات والأكاذيب، وأحيانا أحداثا ووقائع واهية للتخلص من وعود والتزامات مع الآخرين، يراكم بشكل مباشر مجموعة أحاسيس ومشاعر وربما أوهام، توحي لك عزيزي القارئ أنك صادق وجدي فيما أنت مقدم عليه، في حين العكس هو الصحيح.

-إختلاق الذرائع والحجج: أساليب وطرق التسويف وقعها عميق على نفسية الفرد، إن الالتزام والانضباط في حياتنا اليومية، وفي علاقتنا مع الآخرين، أساسي للصحة النفسية.

فالذات البشرية خليط من الاضطرابات والتناقضات، قد نعيها أو العكس، غير أن نتائجها تكون واضحة وبادية على سلوكات وتحركات الفرد.

التسويف بجميع أشكاله وألوانه مؤثر عل نفسية الفرد، لأنه يُدخِلها في متاهة ودوامة عدم الوضوح والانتظارية وعدم المسؤولية.

الآن، تعرفت عزيزي القارئ على ماهية التسويف، فهل تستطيع مواجهته والقضاء عليه إذا حَلَّ بك يوما ما؟

2. أخرجوا التسويف من حياتكم بكل ما أوتيتم من قوة وشجاعة!

لكي تتمكن عزيزي القارئ من التخلص والقضاء على التسويف، وتسجل أهدافا ونقاطا إيجابية حياله، يلزمك أن تضع تصميما وتخطيطا مدروسا ودقيقا لتحركاتك وأفعالك في مواجهته.

والوقت حان عزيزي القارئ لنفض الغبار عن مؤهلاتك الشخصية القادرة على تحديد مكان الجرح وعلاجه.

– مواجهة التسويف ومحاربته غير ناجعة إذا لم نحدد الأهداف ونوضحها: فمثلا إذا أنا فكرت في القيام بمشروع معين، ومع مرور الوقت تبين لي أنه عمل فيه مضيعة للوقت، وسيستغرق مني جهدا وزمنا طويلا، من الأجدر في هذه الحالة أن أؤجله لوقت لاحق.

التسويف ظاهرة وبيِّنة في هذه الحالة.

باعتبار أنني أريد أن أنفد هذا العمل بمجهود أقل وفي وقت قياسي.

بما أن الجانب السلبي في نفسيتي أوحى لي بالتأجيل والارجاء اعتقادا مني أن نتائج هذا العمل غير مضمونة وغير فورية.

هذه حالة من حالات التسويف، غير أن الرغبة والارادة في انجاز عمل معين لا تثني صاحبها على القيام بما يصبو إليه.

والوعي بالتسويف كعدو لا يحب التقدم والانجاز، وكخصم غير محسوس وغير مرئي، يقوي من حدة هذه المعركة، وهنا تكمن قوة هذه الحرب وصدقيتها في مواجهة هذا الشبح المارد، الذي يترقب ويرصد كل آمالنا وطموحاتنا، لإدخالنا في نفق التسويف والانتظارية.

إن الطريق إلى التفوق والتألق على المدى البعيد، لا تتحقق إلا بالارتكاز على الثقة بالنفس والاعتداد بها وكذا التمسك بالحب الصادق.

إذا ما توافرت هذه العناصر والخصال، فيك عزيزي القارئ، فلا محالة أن التسويف والمراوغة لن تعرف طريقها إليك.

وبالتالي ستظفر بنتائج طيبة ومشجعة في كل ما أنت مقدم عليه.

– مواجهة التسويف تتحقق عبر مشاركة الآخرين مشاريعك: إن الحديث ومشاركة الآخرين مواضيع تخص مشاريعك وأهدافك وتصوراتك لطرق الانجاز والتطور، أمر محمود، لأن إشراك الآخرين بمن فيهم الأصدقاء والأقارب فرصة لتقوية ذاتك وتحفيزها.

إذاً مشاركة المحيط شرط وعنصر هام في التخلص والقضاء على التسويف كسلوك مقوض لكل مبادرة أو إنجاز إيجابي.

– تقليص مصادر التسلية: إن أردت أن يكون تخطيطك وتصميمك للخطوات العملية المقبلة محكما، فأنت عزيزي القارئ ملزم بالإلمام بمؤهلاتك وقدراتك والعمل على تجويدها، والمحافظة على أعلى درجات التركيز الذاتي وتفادي المؤثرات الخارجية السلبية.

وحتى تبلغ مرادك في مواجهة التسويف، يجب عليك أن تكون منضبطا وعمليا في خطواتك.

بمعنى أن يكون الفضاء الذي تشتغل فيه مرتبا ومهنيا، أن تعمل على إقفال بريدك الإلكتروني وهاتفك المحمول إلى حين الانتهاء من أشغالك واهتماماتك الأساسية…

وغيرها كثير من الخطوات والاجراءات التي بإمكانها تخليصك من شبح التسويف وعواقبه.

3.اللياقة النفسية والبدنية لمواجهة التسويف

إن تقوية وتنمية قدراتك الذاتية والبدنية وتثمينها عزيزي القارئ، لمواجهة التسويف واللامبالاة شرط وعنصر أساسي في هذه المعركة.

فمن غير المعقول أن أحارب عدوا في كامل عُدَتِهِ، وأنا متعب ومنهك وخائر القوى. لا ريب أن الهزيمة ستكون من نصيبي، لأنني اخترت شن الحرب وأنا لا أتقوى للعتاد والزاد الكافي، إذا معركتي خاسرة من الأول.

على العكس من هذا، إذا أنا كنت مزودا بجميع المقومات والمؤهلات التي سأحتاجها لخوض هذه الحرب الوجودية (أكون أو لا أكون).

إذاً التأهيل النفسي والجسماني ضروري في أي حرب معلنة، وبما أننا نتحدث عن عدو خفي ومتغير، فإن سلامة وفعالية الذات أمر غاية في الأهمية والضرورة.

لأن مجابهة التسويف تلزم التسلح بمجموعة من الميكانيزمات والتي سبق وأن أشرنا إليها، والمتمثلة في قوة وتماسك شخصيتنا لمواجهة هذا العدو الزئبقي المتحول، الذي ينبعث ويتسلل بدون استئذان إلى نفسية الفرد، فيعمل على تعقيد وتوريط تحركاته وخطواته.

خلاصة القول، الصحة البدنية والسلامة النفسية، عنصران أساسيان في أي معركة أو مواجهة نخوضها. التسويف عدو يصعب ضبطه أو الانتصار عليه، إذا نحن لم نؤهل ذواتنا ومحيطنا في مواجهته والقضاء عليه.

فهل أنت عزيزي القارئ على استعداد وأهبة لمواجهته؟

نتمنى أن يكون الرد بالإيجاب، ونود أن نكون قد أشبعنا فضولك في فهم وإدراك بواعث التسويف، وأساليب مواجهته واقتلاعه.

والله ولي التوفيق.

إثبات الذات: الوسيلة الرئيسية للارتقاء بتواصلك

كما تعلم الفضاء الاجتماعي مشَكَّل من عدد كبير من التبادلات بين الأفراد الذي يُكوّنون هذا الفضاء الاجتماعي.

إن الحديث عن التفاعلات يقود حتما إلى الحديث عن المواقف، النقاشات، النزاعات والرغبة في إثبات وجهات النظر. وقبل كل هذا فالإنسان هو في سعي دائم إلى تلقي الاعتراف.

من أول نظرة يبدو تطوير المؤهلات الاجتماعية غير متطابق مع إثبات الذات.

كيف بإمكاننا أن نُحترم إذا كنا ملزمين بتقديم تنازلات حتى يتم الاستماع إلينا؟ وكان ذلك من دون الاعتماد على التعريف الايديولوجي لإثبات الذات.

هذا المفهوم هو في الواقع يقوم على أساس افتراض أن الإنسان قادر على الازدهار بطريقة شخصية وتحصيل الاعتراف الاجتماعي عن طريق الحوار والتواصل.

سوف لن يكون إثبات الذات إذن ظاهرة محبذة من خلال المواجهة، بل بالأحرى من خلال تكيف تفاعلي مرتبط بشخصيات المحاورين.

1. إثبات الذات كرفض لسلوكيات “بدائية”

وإذا كان إثبات الذات يُعرف بأنه تلك القدرة على صياغة الرؤى ووجهات النظر والدفاع عن الحقوق من غير تجاوز لحقوق الغير، فإن ذلك يعني أن بمقدور الإنسان تمرير فكرة ما حتى ولو كانت مناقضة للاعتقادات الجمعية السائدة، من دون أن يكون عدوانيا.

من أجل تعزيز إثبات الذات، يبدو أننا ملزمين بالنأي بأنفسنا عن ردود الفعل “البدائية” مثل العدوانية، والخضوع أو التأثير الخادع.

وهذه السلوكات هي في الحقيقة معوقات أمام الارتقاء والسعادة.

– مبدأ العدوانية

العدوانية أو التعدي تقوم على الرغبة في فرض الرأي على الغير عن طريق القوة، أو الهيمنة المادية (الجسدية). وهي تنتج عن سلوك اجتماعي موجه عمدا إلى جهة مستهدفة تحديدا.

من ناحية العلاقات تتجسد في ممارسة الهيمنة المعنوية أو المادية بفرض قانون الأكثر “قوة”.

وهذه العدوانية تقود حتما إلى النزاع أو إلى خضوع الطرف الآخر، الذي يتقبل وجهة نظرك تحت ضغط الإكراه.

– مبدأ الخضوع

هو ترك التفاعل الاجتماعي لصالح جهة مهيمنة، إما عن طريق الفرار أو عن طريق الامتناع عن إثبات وجهة النظر.

وينتج عنه تقبل عن غير طيب خاطر وإعادة النظر في تقدير الذات بانعدام القدرة على تأكيد الذات كفرد.

– مبدأ التأثير الخادع

والتأثير الخادع يقوم على السعي إلى فرض وجهة النظر بسلوك مسلك الحيلة و الخداع، وينتهي بتقبل وجهة النظر هاته من دون أن يكون المحاور واعيا بمعناها الحقيقي أو معناها الكامل.

إثبات الذات يتأسس على اختيار شخصي يقوم به الفرد، برفض فرض إيديولوجيته باللجوء إلى ممارسة مبدأ من هذه المبادئ الثلاث، جاعلا من نفسه كائنا محترِما للآراء المتضاربة لمحاوريه.

إنه يقوم على الاحترام المتبادل والتواصل على قِدم المساواة.

2. إثبات الذات : الممارسة العملية

من أجل إثبات الشخصية وآراءها عن طريق التواصل والحوار، يجب أن تبدأ باحترام ذاتك أولا وإعطاءها التقدير الذي تستحقه.

على أن وجهة نظرك ليست أقل أهمية من وجهة نظر شخص آخر، حتى وإن كان هذا الأخير يحظى بالاعتراف والحظوة الاجتماعية أكثر منك.

أيا كان المجال (الشخصي، المهني، العاطفي، الأسرة…) يجب أن تكيف سلوكك مع المواقف التي تواجهها.

إثبات الذات يأتي من احترام الغير والإيمان بطاقاته الشخصية.

من الضروري إذن تطوير بعض الصفات التي من شأنها أن تساعدك على الارتقاء من خلال إثبات الشخصية.

– القدرة على تأسيس علاقة على قدم المساواة

من أجل أن تظفر بمصداقية وأن تكون محاورا ذا قيمة، لا يصح أن تضرب في القدرات الفكرية للأشخاص الذين تدخل معهم في اتصال.

الكلمات والأفكار أو الحجج التي يقدمونها لا تقل قيمة عما لأفكارك وحججك من قيمة، أيا كانت أعمارهم أو جنسهم أو أصلهم.

– الثقة في النفس

موضوع الثقة في النفس يحضر دائما في مجال الارتقاء بالذات.

والشخص يبدأ في إظهار ثقته بنفسه منذ اللحظة التي لا يتردد فيها عن أخد الكلمة، ويفعل ذلك باقتناع.

– التفاعل بانسجام

الشخص المستعد إلى تعزيز إثباته لذاته يعرف كيف يتصرف في مواجهة السلوكات البدائية (عدوانية، خضوع، تأثير خادع)، استنادا إلى الكاريزما التي تميزه والى منطقه.

وهكذا ستعمل على إخراج محاورك من حالة الخضوع إذا كان قد وضع نفسه فيها أو ستبحث عن نقاط التشابه مع المحاور العدواني مثلا.

– تكييف العملية التواصلية

التواصل الفعال هو أساس تطوير المؤهلات الاجتماعية (العلاقات)، وإثبات الشخصية. وبالتالي سيكون التحكم في تواصلك وإتقانه هو طريقك إلى إثبات الذات.

3. تقنيات إظهار إثبات الذات

هناك طرق مختلفة من التواصل المعززة لإثبات الذات وإليك طريقتين من شأنهما مساعدتك على أن تجعل من إثبات الذات ميزة دائمة كي ترتقي بذاتك.

– التضبيب

وهو طريقة في النقاش تقوم على البحث عن الحل الوسط من أجل أن يتم التقدم في النقاش، وللحد من السلوكات العدوانية للمحاورين.

وتقوم على التركيز على نقاط الاتفاق قبل الالتفات إلى دحض النقاط التي نعارضها.

التضبيب يُجنب معارضة خطاب المحاور بالإجمال الأمر الذي يؤدي الى التقليص من استهداف المحاورين أو الإساءة اليهم.

– إثبات الشخصية

في أي نقاش منظم (له مسير) ابدأ جملك دائما بفعلٍ تنسبه الى نفسك، (أقول ، أؤكد…)

وهذا ما يجعل محاوريك لا يشعرون بأنهم متهمين أو مهملين بسبب وجهة نظرهم، وهكذا يتعزز إثبات الذات لديك من غير ضرب في مصداقية الغير.

كما رأيتَ، فإثبات الذات يقوم على مدى إتقانك لتواصلك.

احترام الآخر هو ما يجعلك تبني شخصية ذات مصداقية، لها علاقات سليمة، ومن تمة يتسنى لك الارتقاء بذاتك كفرد له منظومة فكرية خاصة.

طور التفاؤل الذي سيكون مصدر فخرك

تطوير الحياة اليومية يستند إلى حد كبير على اختيار شخصي، وعلى حالات نفسية محددة. من بينها، التفاؤل الذي هو من دون شك، واحدٌ من أكثر السبل فعالية لتغيير وعيك نحو الشعور بالارتياح.

التفاؤل… لقد حاول كبار الفلاسفة من أرسطو إلى فولتير مقاربة معناه، ولكن أبسط هذه المقاربات هي التي صاغتها كارمن سيلفيا ملكة رومانية في القرن التسع عشر بالقول: ” التفاؤل هو رؤية الحياة من خلال شعاع الشمس”.

وإذا كانت تقلبات الحياة تجعل تبَني هذا المفهوم الفلسفي صعبا في الغالب، فالتفاؤل، مع ذلك، يبدو حائزا على الفضائل التي تذهب إلى أبعد من مجرد رؤية الجانب المشرق من الأشياء.

فالتفاؤل يمكن أن يكون مصدرا للتحفيز الذاتي.

إن هذه الفلسفة تهدف لأن تجعل من التفاؤل عنصرا أصيلا في حياتك اليومية بشكل دائم. نقترح عليكم اليوم إذن، 3 نصائح من شأنها أن تجعلكم ترون النصف المملوء من الكأس، عندما يرى الآخرون الجزء الفارغ.

1.التفاؤل من خلال إعادة النظر الإيجابية

إذا كان التفاؤل لا يمنع من مواجهة المواقف الصعبة، فإنه أيضا يسمح بالحد من تأثيرها السلبي على نفسيتك.

إن الارتقاء بنفسك يقوم على قدرتك على طرح الأسئلة الإيجابية، من أجل تجاوز المحن والخروج خروجا مشرفا من أي موقف.

وهكذا، في المواقف الحرجة، لا تتجه إلى رثاء مصيرك، أو التفكير فيها –أي في هذه المواقف- بسلبية، بل يتعين أن تنشغل بما يكمن أن يجلبه هذا الموقف أو ذاك من إيجابيات لحياتك.

ألا يمكن أن يزودك ذلك بالأسلحة الكفيلة بجعلك تواجه المستقبل بجدارة؟ ألا يمكن أن تمنحك مثل هذه المواقف الحرجة فرصة تعزيز قابليتك للتكيف مع مختلف المواقف؟

في الواقع أي حدث يمر بك، تنتج عنه عدة تبعات، أنت مطالَب بتحديد أثرها على شخصيتك.

حتى في المواقف الأكثر صعوبة التي قد تعرض عليك، كوفاة شخص عزيز عليك، من شأنها أن تدفعك باتجاه التفكير في حياتك الخاصة، وتكون سببا في جعلك تطور حياتك، سواء أكان ذلك بتأثيرها النفسي أو العقلي أو الأخلاقي.

في هذا الإطار أود أن أشارككم قصة عايشتها بحيث كان قد عاشها أحد أقرب أصدقائي.

إنه حدث وفاة والده في حادثة سير…

لقد كانت علاقته قوية بوالده الستيني الذي لم تكن تفصله عن التقاعد إلا شهور قليلة… كان موظفا بسيطا، لكنه كان قوي الشخصية، وكان يأمل كثيرا في أن يرى ابنه (صديقي نبيل) ناجحا في حياته وأن ينجح في دراسته للصيدلة…

ولكن هيهات، فقد كان للقدر كلمة أخرى… توفي الوالد بينما نبيل بروسيا يتابع دراسته في سنته الأخيرة… كان موقفا صعبا للغاية، ومع ذلك، فقد نجح نبيل في تجاوزه، بتبني ميزات شخصية والده…

ماذا لو كان بإمكان والدي أن يسدي لي نصيحة وأنا في هذا الموقف؟ هكذا تساءل.

لا شك كان سيقول لي لا تعد إلى بلدك حتى تنهي دراستك، لتساعد ما تبقى من أسرتك الصغيرة وتكون قد حققت أمنيتي. وهذا بالضبط ما صنعه نبيل.

لقد جعل من وفاة والده عاملا تحفيزيا، جعله يشعر بالالتزام أكثر تجاه نفسه، وتجاه أمنية والده… يحكي لي نبيل بأنه أصبح يشعر بمسؤولية أكبر تجاه والده المتوفى وكأنه سيلتقيه ولو بعد حين، وسيخبره أنه حقق أمنيته…

رحل والد نبيل ولكن ترك له الكثير من الأمل والإحساس بالمسؤولية والتحفيز من أجل الإنجاز.

2. التفاؤل في الاتصال مع العالم الخارجي

قدرتك على النظر إلى الأشياء من جانبها المشرق، يتوقف على مدى تأثير البيئة المحيطة بك.

كونك مثلا مُحاط فقط بالأشخاص الذين يلتحفون السواد دائما، فذلك سيجعل من الصعب عليك تطوير نظرتك المشرقة للأشياء.

التفاؤل إذن، هو كالتحمس أو السرور كالعدوى تنتقل من شخص لآخر.

هدفك إذن هو أن تقضي أكبر وقت ممكن رفقة الأشخاص الذين يبدو أنهم لا يقعون تحت تأثير الضغوط، أو تحت تأثير مشاكلهم الشخصية.

لا يعني هذا أنك غير مطالب بمساعدة مثل هؤلاء الأشخاص من وقت لآخر، ولكن تذكر أن السلبية المحبطة، دائما تنتهي بالتغيير السلبي لنمط تفكيرك.

قم بتجديد حياتك مع أحبائك، أصدقائك أو شريك حياتك لتكون قادرا على البوح لهم بالهواجس الخاصة بك، بأخطائك أو مشاكلك.

تذكر أن الأشخاص الذين يحبونك، دائما يميلون إلى الرفع من معنوياتك، وإلى دفعك إلى استخلاص ما هو إيجابي من كل موقف.

كما أن الحوار هو سلاحك الأفضل، من أجل تغير تصوراتك، وبناء تصورات بناءة، من شأنها أن تحسن تصورك لذاتك.

إذا لم يكن بمقدورك أن ترافق الأشخاص الأكثر أهمية لديك، بإمكانك أن تبحث عن “وقت يومي للتفاؤل”، بزيارة مدونات من شأنها مساعدتك على التفكير في أوضاعك، أو بمشاهدة التلفاز… بحيث من شأن ذلك أن يجعلك قادرا على تطويق أي فكرة سوداوية قد تقتحم تفكيرك.

ليس لدك أية قيود خاصة، فيما يتعلق بالمصادر الخارجية التي تلهمك: أنت حر في أن تجول بعقلك أينما تريد، انطلاقا من اللحظة التي يشحن فيها عقلك بالصور التي تسمح لك بتطوير حالة وعيك، ومنه بالاتجاه نحو التفاؤل.

3. التفاؤل من أول وهلة نستيقظ فيها…

طبيعة حالتك الشعورية عندما تستيقظ صباحا، هي ما سيحدد الطريقة التي ستمر بها بقية يومك.

إذن لماذا لا نبدأ هذه اللحظة بأحسن الطرق؟

فمنذ اللحظة التي تتناول فيها وجبة فطورك، ركز فقط على الأفكار الإيجابية…

حدث نفسك بأنك ستقضي في هذا اليوم وقتا رائعا، أنك ستلتقي أناسا جددا، ستقبل على تحديات جديدة، ومصادر جديدة للارتياح الذاتي.

إذا بدا لك أن حالة وعيك لا تتحسن مع هذا التمرين التحفيزي البسيط، حينها يمكنك التفكير في تمرينات مادية، كحصة تمدد، أو رياضة كمال الأجسام، أو حصة ركض… وذلك ما سيمكنك من التغلب على حالة الإجهاد والبدء بانطلاقة جديدة، بتكون الانطباع لديك بأنك قد حققت شيئا ملموسا قبل أن تتجه الى عملك حتى.

التفاؤل هو حالة نفسية ليس من الصعب تحصيلها. لكن في المقابل، تطوير هذا التفاؤل والإبقاء عليه يتطلب منك بذل المزيد من الجهد.

سعيك إلى تحقيق السعادة يمر من هذا النوع من التفكير اليومي، وهذا من أجل أن نقول لك أن مشاكلك ليست بعيدة عن الحل، كما أنها قد تفيدك في بناء شخصية مشرقة ومزدهرة.

الإجهاد : كيفية الحد منه، كيف تحتاط منه وكيف تتصرف مع الضغوط

السعي الى تحقيق السعادة، الارتقاء بالذات، البحث عن السكينة… كلها مساعي تحقيقها يعرقله عدو لدود اسمه الإجهاد.

الإجهاد والذي يُعَــرف بكونه ردة فعل على مستوى الفرد نتيجة لإكراهات الضغط الذي يلاقيه في محيطه… يشكل واقعا يوميا مريرا لعدد كبير من الناس. مادلين فرون الروائية الكندية المتوفاة سنة 2010 تذكرنا أنه حتى “الرجال يمارسون الإجهاد كما لو كان رياضة”.

ضغط العلاقات، الإنتاجية في العمل، الهواجس الإدارية والمالية… هي إذن أسباب متعددة ومختلفة للإجهاد والتي تطال عدة جوانب من شخصيتنا. ومع ذلك توجد خطوات بسيطة، يمكنها دفعُ حصوله أو على الأقل التقليل من تأثيره على نفسيتنا.

مدونة النجاح الذاتي تقترح عليكم جولة مع بعض النصائح من أجل محاربة الإجهاد.

1. محاربة الضغط والإجهاد من خلال التواصل

سواء أكان ذلك في مكان شغلك أو خارجه، حياتك اليومية حتما تتدخل فيها تفاعلات وتبادلات اجتماعية. والاجهاد ينشأ غالبا من أننا لا نعرف ماذا يتوقع محاورونا منا بالضبط.

خوفا من أن نعامل كالأبله أو كشخص غير متوفر على المهارات الاجتماعية، نميل إذن الى اتخاذ مبادرات نابعة من تصورنا الشخصي للدور الذي تركه لنا الآخرون في المجتمع.

هذا بالإضافة إلى الأخطاء التي قد تؤدي إلى الصراعات أو سوء الفهم، ومن أجل تجنب مثل هذه المواقف التي قد تكون لها تبعات كارثية، سيكون لزاما عليك أن تتجرأ على طرح الأسئلة والاستفادة من التواصل بشكل مباشر.

لا يمكنك معرفة ما يجول بدماغ محاورك، فلا تتردد في طلب التوضيح بشأن ما يُنتظر منك، وهذا لا يعني أنك قليل البديهة والذكاء، بل على العكس.

هو دليل ملموس على رغبتك في التأقلم الاجتماعي واحترام مهمتك في دائرتك الاجتماعية.

أول نصيحة إذن لتحارب الإجهاد هي: لا تقف عند التخمين، بل اطلب التوضيح الدقيق.

2. الحد من الضغط والإجهاد بتنظيم الوقت

يرن المنبه في السابعة إلا ربع، أجاهد نفسي لأنهض من الفراش في عشر دقائق على الأقل، وعليَّ أن أحَضر وجبة فطور خفيفة وأتناولها في نصف ساعة، في السابعة والنصف عليَّ أن أكون مسرعا في الطريق إلى محطة الحافلة…

لو حدث أن تأخرتُ دقيقتين في الطريق، فستكون الحافلة قد انطلقت دوني…

وكما هي عادة وسائل النقل في عالمنا العربي، لها قصص مختلفة ومتنوعة مع التأخر، تتأخر الحافلة، وتمر عشر دقائق كاملة ولا وجود لها… أبحث عن سيارة أجرة وإن كان ذلك سيشكل ضغط على ميزانيتي لبعد المسافة… في النهاية أصل إلى القسم متأخرا ب 25 دقيقة، فلا تسمح لي الأستاذة بالدخول…

لا شك أن الكثيرين عاشوا مثل هذا الموقف مثلي…

في الواقع، لم يكن هناك شيء يمنعني من أن أضبط المنبه على السادسة والنصف، وهكذا أوفر 15 دقيقة، فأخرج وأعثر على الحافلة ، دون ركض أو ازدحام…

قليل من الإصرار كان يكفي لجعلي أستيقظ قبل المعتاد.

إجهاد النفس هو حقل خصب لنمو الأفكار والمشاعر المتطرفة، كما ينمي قابليتنا للغضب بسرعة، منذ استيقاظنا.

وهذه نصيحتنا الثانية لتطويق الإجهاد، لماذا لا توفر دائما من 10 الى 20 دقيقة إضافية لمواعيدك اليومية، فهذا الوقت الاحتياطي الوجيز لن يبعثر مواعيدك اليومية، على العكس، سيجعلك تبدأ يومك بداية جيدة من دون إجهاد.

3. محاربة الإجهاد بترتيب أمورك في الليل من أجل الغد

إذا كان بعض الأشخاص يحتاجون وقتــــا وجـيــــزا جــــدا، لارتــــداء ملابســــهم وجمــــع أغراضـــهم، فإن الكثيرين، يبددون وقتا كبيرا في مثل هذه الأمور…

وبالخصوص، أنتــــــن… يجب البحث عما يناسب مزاجي من الملابس، يجب وضع الماكياج، أين وضعت حقيبة يدي، هل أضع الكعب العالي أم حذاء عاديا … ولا يعني هذا أن الرجل لا يهدر وقتا طويلا في مثل هذه الأمور.

هذا الطقس اليومي المتعب، الذي يبدد وقتنا، لماذا لا نجد له حلا؟ لماذا لا أرتب الملابس التي سأرتديها في الغد قبل أن أخلد للنوم؟

وهذا طبعا سيتيح لــك وقتا كافيا لاختيار الملابس التي ستناسبك في الغــــد، وسيمنحك حريـــة تجريب كل ملابسك والمقارنة بينها، دونما شعور بضغط الوقت، كما من شأن ذلك أن يضمن لكم عدم نسيان شيء ما بسبب ضغط الدقائق الأخيرة.

فلا تأجل عمل اليوم إلى الغـــد

4. حارب الضغط والإجهاد بأن تعيش في بيئة متسقة

إن من شأن التوفر على بيت مرتب، وتغيير وضعية اثاثه من وقـــــت لآخــــر أن يساعد أيضا على الحـــــد من الإجهاد. وهكذا، فالمسكن الذي يعكر صــــفو مزاجـــــك لسبــــب أو لآخــــر، ولا يتيح لك الراحة، فإنه يبــــدد طاقتــــك، ويسمح بنشـــــوء السلوكات التي من شأنها كبح رغبتك في الارتقاء بذاتك.

التمتع ببيئــــة صحية يتـيح لك التمتع بعقل سليم، أي بتفكير سليم، (العقل السليم في البيئة السليمة على وزن العقل السليم في الجسم السليم)… إن هذه الفلسفة تقوم على أن تعرف كيف تضع كل شيء في مكانه، بعد استعمال أي شيء، أعده الى المكان الذي يجب أن يكون فيه.

هذا المنطق ينطبق على كل أجنحــــة إقامتــــك حتى في المطبخ، بعد استعمال الأواني، لا تتركــها فــــــي فوضـــى…

5. الحد من الإجهاد بإحسان تنظيم مكان العمل

أينما كان محل شـغلــــك، في مكتــــب خاص بـــك، فـــي أي مكان من بيتك، فـــي المطبـــخ… أو في أيما مـــوضع عليك أن تحافـــظ على أكبر قــدر ممــــكن من الترتيب والاتساق. فعندما تكون أغراضك مرتبة، فهذا يعني ببساطة أنـــك ستعثر عليهـــا في وقت وبجهد أقل، وكلما كانت مبعثرة، كلما كانت سببا في تشتيت تركيزك.

مكان عملك، كما يـــدل على ذلك الإســــم هو مكان للعمـــل، فلا داعــــي إذن، لوجــــــود أشيــــاء سوف لـــن تــحتاج إليــــها في إنجــاز أعمالك.

ذلك لا يمــــنع مـــن تأتيت فضـــاء عملــــك بما يمكــــن أن يزيده رونقا وتألقــــا، أو ما يمكن أن يُمـــدك بالتحفيز ويشحنك بالأمل. أي صورة أي منظر طبيعي قد يكون مصدرا لإلهامك. كصورة لرفيقة دربك، لأبنائك أو لشخص يدخل السرور لقلبك.

6. الحد من الإجهاد والضغط بالقيام بكل شيء في وقته.

يتباهى الكثير من الناس بكونهم يمتلكون القدرة على إنجاز عدة أعمـــال في نفس الوقت، أو قدرتهم القيام بعملهم الرئيس بموازاة مع أعمال أخرى ثانوية. لكن هذه الفكرة، تتطلب إعادة نظـــــر. يصعب إلى حد الاستحالة العمل من أجل عدة أهداف في نفس الآن بنفس التركيز، مما يجعل إمكانية ارتكاب أخطاء واردة جدا.

أي مهمة مهمـــا كانــــت صغيرة، يجب إتمام إنجــــازها قبل المرور إلى مهمة أخرى. سوف لن يساعدك ذلك على تحسين تركيزك فحسب، بل سيجعلك تتلقى شحنة إشباع ذاتي بعد إتمام أي شغل، وهذا من دون شك سيجعلك تقبل على المهمة التالية بكامل طاقتك. إنه أسلوب حياة لا يسقطنا في فخ الضغط والإجهاد.

صحيح أن قدراتنا العقلية والجسدية ليست دائما على نفس الحالة وبنفس القوة، بحيث قد نكون منشغلين بعمل ما ويتراءى لنا عمل آخر قد يفلت منا، أو قد ننسى الأفكار التي لدينا الآن أو قد نكون غير قادرين على إنجازه في وقت آخر … وهذا ما يزيد من الضغط علينا. نحتاج هنا إلى تمرين قدراتنا على ترتيب أهدافنا الحقيقية و أولوياتنا.

هناك نقطة أخرى مهمة يتعين الإشارة إليها للحد من الإجهاد، وهي تقسيم أي عمل إلى أجزاء، لما لذلك مـــن نتائـــج حسنة على نفسيتنا تجاه هذا العمل، بحيث نستشعر بأننا قادرين على إتمام إنجازه.

7. الحد من الضغط والإجهاد باستخدام قــــلم وورقة.

في كل مســـاء اجلس لتعيد التفكير فـــي كـــل مــا مــر بــك خلال يومـــك، دون كل الأفكار والخواطر التي خطرت بــبالــك، لما لا تجعل مذكرة صغيرة وقلم دائما بجانبك؟

لقد ساعدتني هذه الطريقة كثيرا في تنظيم حياتي، في كل ليلة، كنت أتناول مذكرتي وأسجل بها أي فكرة، وقد كانت مفاجأتي كبيرة عندما اكتشفت أن تلك اللحظات التي تسبق الخلود إلى النوم هي معين لا ينضب من الأفكار والحلول الإبداعية… كنت مطالب بكتابة مقال أسبوعي لإحدى الجرائد حول موضوع ما يشغل الرأي العام، ولقد كانت تلك اللحظات هي مصدر إلهامي.

إن لتناول مذكرة وقلم دائما أهمية كبيرة، وإيجابيات محسوسة. ألم يسبق لك أن حلت ببالك فكرة رائعة أو حلا جيدا لمشكلة لكنك نسيتها لأنك لم تدونها؟ الدماغ البشري ليس دائما بنفس النشاط، في بعض الأوقات يأتينا بأفكار مبدعة نتساءل بعد ذلك كيف وصلنا إليها.

“دونوا العلم بالكتاب”

8. الحد من الإجهاد بوضع مَلَــلِـــك في إطاره النسبي

عندما نواجه مشكلة أو صعوبة كيفما كانت طبيعتها ومجالها، فإننا نتركها -أي هذه المشكلة- تسيطر على وعينا وبالتالي على انفعالاتنا، الى درجة أن نعجز على التفكير في الحلول الممكنة للخروج منها.

يتعين أن تبدأ في تحليل تلك الصعوبة أو ذلك الموقف الحرج بموضوعية لتنظر إليه في حجمه وفي إطاره النسبي من غير تهويل. هل هذا الموقف يخص جانبا صغيرا من شخصيتي، أم يطالها في مجموعها؟

صحيح أن الموضوعية بعيدة المنال في المواضع التي يكون فيها وعينا منغمسا في جو الأزمة، ولكن مجرد أخد وقت للتفكير في المسألة يعد نقطة إيجابية، نتغلب من خلالها على الضغط.

في المرة القادة إذن، عندما تواجه مشكلة أو صعوبة، اجعلها مناسبة للتفكير في مسار آخر بدل النظر إليها ككارثة حلت بك لتقسم ظهرك.

9. الحد من الضغط باحترام الوقت

يعتبر مجال الشغل من دون شك مجالا للضغط والإجهاد، ولــهذا، يتعيــــن أن تعمل على فصل هــــذا المجــال عن حيــــاتك الشخصية. يجب أن تضع حدودا واضحة في استعمالك للزمن.

عطلة نهاية الأسبوع أو باقي العطل يجب أن تخصصها للراحة، والاستمتاع بوقتك، وممارسة هوايتك المفضلة، لكي تجدد طاقاتك. ولكن إن بدأت في خلط شغلك بوقتك الشخصي، كالقيام بأعمال إضافية، أو جلب ملفات الشغل إلى وقت الراحة… فإنك ستكون قد بدأت في تهشيم توازنك النفسي الذي يعبد لك الطريق لتطوير حياتك والحد من الإجهاد.

إذا كان مكان شغلــــك فو البيت يتعين عليك أن تنتبه إلى مسألة فصل الشغل عن الوقت الشخصي أكثر. وهنا يجب أن تفصل بين الاثنين بحدود واضحة، وتلزم نفسك باحترامها، كأن تضبط المنبه على الوقت الذي تنتهي فيه من العمل.

حتى أثناء العمل لا تتردد في أخد فترة راحة، من دون أن تبالغ. فترات الراحة ليست كما يعتقد أرباب العمل أنها تحـــد مـــن الإنتاجية، بل تساعد على استعادة النشــــاط وتجديد الطاقة و صياغة أفكار جديدة من شأنها أن تطور طريقة اشتغالنا. وهي وسيلة فعالة للحد من تأثير الإجهاد.

خلال فترات الراحة هاته تستطيع أن تأخذ فكرة عن وتيرة تقدم عملك، وأن ترصد الأخطاء التي لم تنتبه إليها أثناء القيام به من أجل تصحيحها. من المستحسن أخذ بضع دقائق في كل ساعة لتكرس نفسك في شيء مختلف تماما لكي لا تفقد تركيزك على مشروعك النهائي.

هذه النصائح كلها مفيدة ورائعة والكل سيتفق معها، ولكن العبرة فــــي ممارستها وتطبيقها في نشاطـــاتنا، فقليـــلون من يتقنون كيفية السيطرة على الضغط. ولهذا يعتبر الضغط هو مرض هذا العصر، المرض الذي يعد عاملا رئيسيا في الاضطرابات النفسية، يكبح التطور على المستوى الشخصي والمهني.

يجب أن تسعى للحد من تأثير الضغط على حياتك بشكل يومي، ولو بالحركات التي تبدو في غاية البساطة، وينبغي أن يكون ذلك أولوية بالنسبة إليك إذا كنت ترغب في التطور بثقة وتدنو أكثر من تحقيق السعادة.

الاختيار بين يديك…