التصنيفات
غير مصنف

كل ما ينبغي أن تعرفه لتتحرر من نظرة الآخرين

الحديث عن الحياة الاجتماعية وما يُعتمل بداخلها من تفاعلات بين الفرد ومحيطه، يقود إلى الحديث عن تخوف هذا الفرد مما قد يتكون لدى العالم الخارجي من أحكام وانطباعات حوله.

إنها نظرة الآخر إلينا، فلا شك أننا كلنا نرتاب من نظرة الآخرين إلينا.

إننا لا نتوقف طوال حياتنا عن محاولة أن نتبث للآخرين أننا نتمتع بالخصال الحميدة. أليس كذلك؟

من ذا الذي لا ينشغل بالتفكير في الطريقة التي يراه بها الآخرون عندما يرتدي بدلته في الصباح ويهم بالخروج؟ أو عندما يتكلم أمام جمهور أو حتى عندما يلتقي أشخاصا غرباء؟

فهذا الخوف من ألا نكون قد ظهرنا بالمظهر اللائق أو بالمستوى المطلوب، و من أن يُنظر إلينا على أننا غير قادرين على التكيف بداخل إطار معين، هذا الخوف يخلق قلقا اجتماعيا لدى عدد كبير من الناس.

ولكن لماذا يتعين أن نعطي كل هذه الأهمية إلى نظرة الآخرين؟

لماذا نخضع في اختياراتنا أو في مواقفنا إلى يمكن أن يقوله الآخرون؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك، إذا كنت تريد أن تعيش حياتك بالطريقة التي تريدها، وتقوم بالتحرر من ثقل نظرة الآخرين.

1. نظرة الآخرين ليست سوى جانبا مظهريا

قبل أن نفكر في نظرة الآخرين من زاوية تأثيرها، اطرح عزيزي القارئ هذا السؤال على نفسك: هل أنا أشَكل مركز اهتمام المحيط الذي أعيش فيه؟

هل شخصي في غاية الأهمية بالنسبة للأشخاص الذين سأقابلهم اليوم، بحيث كلهم سيصدرون أحكاما شخصية بشأني؟

إن هذا الكلام لا يعني إطلاقا أن تخدش ثقتك بنفسك. إنما الهدف منه هو أن تنظر إلى نفسك كعنصر صغير من مجموعة عناصر كبيرة (ليس احتقارا لذاتك وإنما تقديرا للأمور بميزان الموضوعية). فأي خطأ ترتكبه أي هفوة أي عثرة منك، سوف لن يتحدث به الناس ويجترونه بينهم لشهور أو لسنوات.

بعد أي خطأ ترتكبه سوف يتحدث عنك الناس لمدة وجيزة لا تتجاوز الخمس دقائق أو حتى أسبوع وينتهي الأمر.

تذكر أن جميع الأشخاص الذين تلتقيهم لديهم هواجسهم الخاصة بهم، وأولوياتها، وبالتأكيد سيكون لهم نفس التخوفات من أن يراهم الناس في صورة يتمنون ألا يُروا فيها.

إن هذا الكلام كما قلنا ليس دعوة إلى أن تنظر إلى نفسك نظرة دونية، بل لكي تشعر بالحرية في محيطك الاجتماعي…

شخصيا، لا أشعر بالارتياح مثلا لحظة التحدث إلى جمْـــعٍ من الناس… ففي الكلية أكره العروض، وما شابهها من الواجبات التي تلزم التحدث إلى الناس.

فالدقائق الأولى كانت دائما مترددة… كان صوتي يرتعد والورقة التي بيدي كانت تهتــــز.

في أحد الأيام حدث ما لا مفر منه. إحدى الطالبات طرحت عليا سؤال مفخخا حول نقطة كنت قد أتيت على ذكرها. في البداية أخدني الذعر، لكني استعدت أنفاسي، وانتبهت أنها لم تكن تعر كلامي أي اهتمام منذ بداية العرض. فكانت إجابتي مقتضبة، وكانت مفاجأتي كبيرة عندما استحسنها الحضور.

خاطبتها بأنها لو كانت قد انتبهت من البداية، ما كان لها لتحتاج إلى طرح ذلك السؤال. فحدثت ضجة في الفصل، وأخد بعض الطلبة في التصفيق… حتى الأستاذ أخد يضحك.

أسرد علـيــك هــذا الموقف لأبين لـــك أن ردود الفعل تجاهك لا يمكن أن تتوقع شكلها… لهذا، ليس من المفيد التركيز عليها.

لا تنس أن الأشخاص الذي قد يصدرون حكما شخصيا تجاهك، أنت بالنسبة إليهم مجرد شخصية ثانوية في وجودهم، أما الشخصية الرئيسية فهم أنفسهم.

2. نظرة الآخرين كالأحكام الشخصية لها نفس القيمة

لماذا أُعطي أهميـــة أكثـــر إلى انتقادات الآخرين السلبية لـــي، مـــن ثنائهم وإطرائهم عـلي. فقط لأنني كغيري من الناس لدي رغبة في نيل إعجاب الذين أحْتـــك بهم…

لكن ذلك مُــنافٍ للمــوضوعية، التي تعني على هـــذا الصعيـــد تلك القدرة على إعطـــاء نفس الأهميــة لكــل تعليــق أتـلـــقاه من الآخريـــن.

وإذن، فلن نكون عالة على دائرتنا الاجتماعية إذا ما ارتكبنا خطأ ما، ولن نكون أنبياء إذا ما حققنا نجاحا ما.

الأحاسيس وردات الفعل النفسية وغيرها تجاه هذه الانتقادات مثل خيبة الأمل ، الضغط ، أو على العكس الإثــارة والفـــرح الخ، لا يصح أن تكون غير متسقة وغير متوازنة.

كما أن هذه الانتقادات هي موجهة إلينا في سيــاق معيـــن، لهــــذا، في الغالب ليــــس لها أدني شرعيـــة في أن تنطبق على شخصيتنا في مجموعها.

وإن التفكيــر في هــذا المــوضوع كفيل بجعلنا نضع نظرة الآخرين في إطارها النسبي، بما هي تأثير بسـيط على جزء صغير من حياتنا.

هذا إذن ما سيجعلك لا تعر أحكام الآخرين الشخصية، الصادرة تجاهك، اهتماما كبيرا…

3. طــــور حكمك الشخصي…

السؤال الحقيقي الذي عليك أن تطرحه على نفسك يقوم على توجيه حياتك وبناء شخصيتك…

هل ترغب في أن تكون متحررا من محيطك، وبالتالي تكون لك هويتك الخاصة التي تميزك عن الآخرين؟

إذا كان صوتك يذهب إلى الحرية الشخصية، ستكون مطالَبا من دون شك بتعزيــــز ثقتك بـــنفسك، ليكون بمقدورك التطور من دون خوف من أحكام الآخرين.

وعلى الرغم من ذلك، فالتغلب على الخوف من نظرة الآخرين لا يمكن تحقيقه بسهولة.

وإليك أداة ستساعدك على الحد من التأثير النفسي لذلك.

المذكرة العاطفية:

هذه المذكرة ستكون لك بمثابة السند الذي يذكرك بقيمتك، وأنك شخص مهم. سجل فيها يوميا لمدة أسبوع على الأقل، أفكارك الإيجابية، إنجازاتك، وما حققته من تقدم، أو على الأقل سجل فيها تلك الأشياء الجميلة التي استحسنتها في نفسك.

صحيح أنه قد يبدو الأمر كنوع من الإدعاء، ولكن هذه المذكرة ستساعدك على تجاوز اللحظات الصعبة. فعندما تشعر باشتداد الضغط عليك، يمكنك قراءة بعض السطور المكتوبة من أجل أن تصل إلى أن نظرة الآخرين لا أهمية لها.

ستعرف من أنت؟ وما هو ماضيك؟ وإلى أين تذهب؟ وهذا هو الأهم.

4. اعمل على تكييف أحكامك الشخصية على مشاعرك

أول شيء ينبغي أن تقوم بـــه للحد من الأحكــام الشخصية للآخرين تجــاهك، هو أن تمتــنع عــن تناولهم بأحكامــك الشخصية.

الخطأ هو خاصية بشرية، ولا يمكن أن نتصور أنه بقدورنا نيل إعجاب الجميع…

ومع ذلك، فأنت مطالب بإظهار التفهم ، وبتجنب إثارة غضب دائرتك الاجتماعية، بالخصوص عنـــدما تــكون فــي موقف ضعف، وبتقليص نطاق نظرة الآخرين.

مسألة منطقية يتعين أن نسطر عليها…

قبل أن تهزأ أو تسخر من شخص ما، اسأل نفسك، كيف كنت لأتصرف لو كنت موضعه؟ حاول أن تُـــجْــر هـــذه الـمقارنة البسيطة. وبسرعة ستعامل بحنو، وستتغير طريقة رؤيتك للأشياء.

هذا النهج سيتيح لك فرصة التقليل من حواجزك النفسية، وأن تكون أقل تشددا مع نفسك، كما أنك ستكون قادرا على إجراء النقد على ذاتك، ومن تم تطويرها.

5. معرفة كيفية جعل نظرة الآخرين في إطارها النسبي

كثيرون هو الأشخاص الذين يتلذذون بإصدار الأحــكام الشخصــية تجـــاه الآخـــر، لكنهم لا يتهجــمون على الشخص في حـــد ذاته.

هذه العملية هي أولا وقبل كل شيء، من أجل إعطاء الأهمية للذات وتطويق الإحباط والغضب المرتبطين بالأحداث التي غالبا ليس لها علاقة مباشرة معكم.

خلاصة القول، إن الشخص الذي ينتقدك لا يُوجه انتقاداته إلى شخصك في حد ذاته، ولكن يعتقد أنه ينتقد فردا عاديا بهدف التسلية.

هؤلاء الأشخاص لا يبحثون في الواقع إلا عن تحقيق الإشباع الشخصي بكسب اعتراف محيطهم، من خلال التهجم على فرد في موقــــف ضعف، أو لا يتقاسم معهم نفس وجهات النظر.

إنهم يسعون إلى كسب اعتراف وتقبل محيطهم، بالتهجم على الآخرين. وبهذا، ستكون هذه الانتقادات مجرد ظاهرة نعثر على تفسيرها في شخصية الفرد الذي صدرت عنه، أكثر من شخصية الموجَّهة إليه.

ونظرة الآخرين تعكس في الغالب تخوفهم الشخصي وعدم شعورهم بالأمن، كمـــا تــعكس سـعيــهم إلى كسبـــب اعتراف الناس.

لماذا إذن تنشغل بمحاول إرضاء نظرة الآخرين؟

إن الانشغال بنظرة الآخرين وأخذها بعين الاعتبار يحد من قدرة الفرد على الارتقاء بذاته وأن يعيش كما يتمنى.

إنه اختيار ستندم عليه عندما تأتي لتقييم حصيلة حياتك، ولكن، لم يفت الأوان بل هناك دائما مجال للتغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *