الموضوعية: كيف تكون انعكاسا طبيعيا لتصرفاتنا؟

يقول ريمون أرون وهو عالم اجتماعي فرنسي “الموضوعية لا تعني التجرد بقدر ما تعني الشمولية…”.

الموضوعية شرط لقيام الأمم ونجاح الأفراد والجماعات، فلا يمكن أن ننجز أو نحقق شيئا إذا كنا لا نرى في الدنيا سوانا.

فالتنوع هو إرادة ربانية لا دخل للإنسان فيها، لذلك فالموضوعية تقتضي، أو بالأحرى تساعدك على فهم وإدراك الإرادة الإلاهية وعلى تفهم سبب وجودك وعلى إدراك الحكمة من عظمة الخلائق.

فالموضوعية في مراحلها الأولى تعتمد التجرد من الذات والتعامل مع الموضوع أو الإشكال بطريقة مصبوغة بالواقعية والعقلانية.

إذا الموضوعية متمددة وشاملة، أي أنها جامعة للشيء ونقيضه.

فهي عقلنة لكل قرار نتخذه، فهي تدفعنا للتعالي عن وضعية الفاعل أو المستفيد وتمكننا من تجديد آليات تفكيرنا وتساعدنا على استيعاب وفهم الانزلاقات والورطات التي يمكن أن نكون ضحية لها.

فبالملموس ندرك أن الموضوعية هي القدرة على فهم وفصل رهاناتنا النفسية والمادية بمعزل عن الحساسية والذاتية التي تتحكم وتؤثر في مواقفنا وقراراتنا.

فالموضوعية أداة قوية وآلية متماسكة ومحددة لأهدافنا وداعمة لنا في تحمل مسؤولية اختياراتنا، وهي قاعدة وعماد للاعتداد والثقة الذاتية بالنفس.

فكيف نطور ونعزز تفكيرنا الموضوعي داخل وسط لا يتعامل بها، ويكتفي بالانزواء والارتماء في أحضان الذاتية والأحكام المتسرعة وغير المبنية على الوضوح والاستقلالية في الرؤية؟

1. الموضوعية وصدامها مع مقومات شخصيتنا

عندما تكون موضوعيا، تعرف أين مواطن الضعف وأين مواطن القوة.

فأنت وحدك لا تملك كل شيء ولا يمكن أن تكون كل شيء.

لهذا يجب أن تملك الحد الأدنى من الوعي لكي تعرف أن الآخر ليس عدوا دائما.

وأن الذي صنع الازدهار في الحضارات الإنسانية هو الموضوعية.

وأن نتذكر أن الغرب بموضوعيته استفاد من ابن رشد وابن خلدون وابن سينا.

لهذا فالموضوعية هي إدراك للأشياء على ماهي عليه دون أن تشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كراهية.

لذا فإن وصف شخص بأن (تفكيره موضوعي) يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى الحقائق على أساس العقل، وتبتعد عن كل الملابسات والظروف والمكونات.

إن تحديد هويتنا النفسية والذهنية لا يتحقق إلا بالاستناد على تجاربنا الشخصية التي هي عبارة عن منظومة من القيم والمعتقدات التي نتقاطع ونتشارك فيها مع الآخرين.

فالإنسان في علاقاته وتفاعلاته اليومية شبيه بقطعة الاسفنج، أي أنه يمتص وينسج ما جاد به تفاعله وتجاوبه مع الآخرين، الذين يفعلون فعلهم في سلوكاته وتصرفاته.

بالتالي فإن المحمولات الثقافية والعقدية التي يحتضنها المحيط وتأثيرها وتفاعلها في ذواتنا وشخوصنا عامل وعنصر سلبي، يُفقد سلوكاتنا وانفعالاتنا جانبا كبير من الموضوعية ويحرفها عن الدقة والعقلانية في طرح وتبني قضايا وإشكالات واقعنا المعيش.

استئناسا بما سبق، الموضوعية هي القدرة على إدراك وامتلاك آليات وأدوات لتحليل وتفكيك الواقع بمعزل عن الإفراط والإغراق في الذاتية وما تختزنه من ميولات عاطفية ونفسية قد لا تكون حافزا لنا في السير بخطى تابثة وواضحة.

فهل نستطيع إدراك الموضوعية بشكلها المطلق وتبنيها في مُعَارَكَتِنا للواقع وللمحيط؟

2. الموضوعية خصم لذوذ للذاتية

الموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودا ماديا خارجيا في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائلها ومدركها.

وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكا كاملا، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل كامل.

وكلمة الذاتي تعني (الفردي) أي ما يخص شخصا واحدا، فإن وصف شخص “تفكيره ذاتي” يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على ذوقه وشعوره.

إذا في هذه الحالة فمعرفتنا بالواقع محدودة، لأنها تعتمد فقط على خبراتنا الذاتية وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا.

فقلة من الافراد قادرة على اتخاد قرارات وأحكام تتصف بالموضوعية دون المس بخطوط التماس المتجسدة في الذاتية.

على اعتبار أن الإنسان في تصريف مواقفه وآراءه نادرا ما ينسلخ عن أحاسيسه وانفعالاته الذاتية.

لهذا فتبني الموضوعية رهان وتحدي قد ينكسر أو يجهض على عتبات هواجسنا وانفعالاتنا الشخصية.

وهناك مواضيع وإشكاليات لا نستطيع الحسم والاجماع عليها ولا يمكننا تبني التجرد والموضوعية في طرحها وتناولها ويشكل موضوع الإعدام والإجهاض أحد هذه المواضيع الحساسة التي لم يتم الحسم فيها، فقد عجز الفاعلون والمهتمون في طرح حلول ومخرجات واقعية ومحصنة باجماع وقبول الأغلبية.

فكل قرار أو حكم متسرع، هو نتاج لانفعال وانعكاس أملته علينا ميولاتنا وتكويننا الذاتي، الذي يقصي الدقة والموضوعية.

فهل اكتساب الموضوعية يتطلب مراجعة الذات ومكاشفتها؟

نعم، إن الاعتراف والبوح ومكاشفة الذات، عوامل وعناصر تقودنا إلى ولوج وتبني الدقة والموضوعية كأداة ومفتاح لبلوغ الحقيقة واليقين.

3. تعزيز الموضوعية بالاستعانة بتمارين سهلة وبسيطة

لكي تعيش الحياة الكبرى والصغرى، يجب أن تكون موضوعيا، أي أن تتعلم كيف تتعايش وكيف تعيش مع المخلوقات والكائنات والفصول والطبيعة التي وجدت نفسك فيها، لا تملك لحظة قدومك ولا لحظة غيابك.

إن التحلي بالموضوعية وبلوغها معقد وصعب المنال، لكننا في هذا المحور سنحاول مَدَّكم بتمرينين، ستستطيع من خلالهما عزيزي القارئ تكثيف مجهوداتك وطاقاتك وتجديدها، حتى تتمكن من اكتساب أدبيات وأبجديات الموضوعية المفروض إعمالها وتوظيفها في أي عمل أو إنجاز نتوسل فيه الاكتمال والتوازن والواقعية بعيدا عن الارتجالية والانطباعية.

وضع الموضوعية على المحك

فمثلا حين نريد أن نتناول موضوع الاعدام أو الإجهاض، نقع في حالة من الارتباك الفكري وعدم التوازن والواقعية في طرح هذا الموضوع.

ففي هذه الحالة يجب علينا عزيزي القارئ أن نستنبط انفعالاتنا ومواقفنا الذاتية، بتوظيف آلية وعملية الاستبطان، أي مكاشفة ومساءلة ذواتنا عن أسباب رفض أو قبول هذه النوعية من المواضيع.

بعد ذلك نحاول تفهم وإدراك موقف المحيط والوسط، وفي المرحلة الأخيرة نحاول أن نقيم مسافة بين رأينا ورأي المحيط، واستغلال أدوات وآليات التحليل المنطقي والواقعي، لإصدار مواقف تتسم بالدقة والعقلانية البعيدة عن مسايرة نزوعاتنا الشخصية والذاتية.

الموضوعية رديفة للانصات الجيد للآخر

حتى نحقق الموضوعية المطلوبة في إصدار وتصريف أفعال وأقوال ومواقف الآخرين، يجب أن نسلك طريق الاستماع للآخرين والانصات لحججهم وتبريراتهم، وأن نأخذ مواقفهم وانجازاتهم بمحمل الجد، عن طريق منحهم المجال والفضاء للتعبير عن آراءهم والحرية في تصريف مواقفهم بتجرد واستقلالية ، دون أن نجادلهم أو نعاكسهم اعتقاداتهم وقناعاتهم.

فآلية الانصات والاستماع للآخرين والتقرب من قناعاتهم وتصوراتهم، يساعدنا على فصل وتفكيك الذات عن الموضوع، وبذلك يسهل علينا تحديد آليات البحث والتمحيص والدقة في اتخاد القرارات والحكم على الآخرين بموضوعية وواقعية، دون الوقوع والإسرتماء في أحضان وبراتين الذاتية القاتلة والشوفينية المريضة التي لا تخدمنا كذوات ولا كجماعات.

إن التعارض بين الذاتي والموضوعي، إشكال دائم ومزمن ولا يمكن التوفيق وإقامة توازن بينهما دون تمثل الذات في علاقتها بالموضوع (الواقع).

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *