التصنيفات
غير مصنف

معرفة الذات: نضال وصراع من أجل الاكتمال الشخصي

النضال من أجل البقاء، إحدى الأسلحة الطبيعية التي وهبنا الخالق من أجل الاستمرارية والعطاء في هذه الحياة.

إن للنضال ولمواجهة الذات أشكال وصور، لكن مدى ودرجة الوعي بها وبوجودها يختلف من شخص لآخر.

“اعرف نفسك بنفسك” مقولة شهيرة لسقراط، تظهر بسيطة لكن معناها وصداها جد متقدم، ويتوافق مع ما نعيشه حاليا من ارهاصات وتقلبات في حياتنا اليومية.

إذا كانت الحقبة التاريخية التي عاشتها الحضارة اليونانية، والتي اشتهرت بذيوع الفكر والفلسفة، فقد اعتمد اليونانيون في مقارباتهم وتصوراتهم على مركزة الذات وجعلها محور كل حركة أو انفعال داخل المحيط.

لهذا فالنزوع إلى الذات والتقرب منها واكتشاف أغوارها وغياهبها أمر مسلم به.

على اعتبار أن الإنسان دائما تواق وشغوف بسبر أغوار حياته النفسية الخفية محاولا استيعاب وإدراك طلاسيمها ورموزها.

إن التبحر والغوص في دواخلنا النفسية، وإعمال آلية الكشف والملاحظة والنقد والتقييم.

يؤدي بنا لامحالة إلى الارتقاء والوضوح والموضوعية في الحكم والامساك بزمام القرارات والالتزامات الملقاة على العاتق اتجاه ذواتنا واتجاه الغير.

فما المغزى من مكاشفة ومعرفة الذات؟ فهل هي وسيلة لإدراك مواضع قوتنا ومواطن ضعفنا؟ هل هي آلية لتحديد وتحليل انفعالاتنا السلبية والإيجابية؟ وهل هي أداة مناسبة مع انفعالاتنا واحتياجاتنا ورغباتنا؟

ممكن أن تكون جميع الأسئلة المطروحة صالحة وملائمة لمعرفة ذواتنا وما تختلجه.

إن مكاشفة الذات ومعرفتها من المجالات الأكثر أولوية لتحديد الأهداف وتحقيق الإنجازات الذاتية، فهي جسر للتحرر والاستقلالية عن الآخرين، وسند ودعم لتحقيق الثقة في ذواتنا وتقديرها حسن التقدير.

إن الميولات النفسية وما يعتريها من غموض ولبس، يتعذر كشف وتحديد تفاعلاتها وانفعالاتها، بدون الاعتماد على مكاشفة ومحاسبة الذات بموضوعية ووضوح ,يقود إلى البحث عن الحياة الهانئة والسعيدة.

1. مكاشفة الذات ليس تنقيصا أو استهانة بقدراتنا

أحيانا نستطيع أن نواجه الآخرين بحزم وقوة قد نتجاوز فيها المتداول والمتعارف عليه.

لكن عندما يصل الأمر للذات، ينتابنا حالة من التردد والضعف، وتسقط جميع الأقنعة، حتى ورقة التوت التي نتستر بها أمام الآخرين.

التمحيص والتفحص وجلد الذات، آلية مفيدة وناجعة، ونعتقد أن اعمالها والاشتغال عليها بسيط وسهل.

فالاستبطان في الذات والغوص في أعماقها، يتيح لنا الفرصة لتسليط الضوء على طريقة تفكيرنا ومشاعرنا، والمعايير والقيم المحفزة لتحركاتنا وتطلعاتنا.

إن الغوص في بواطن النفسية وفي دروبها وأغوارها، يتيح لنا المجال لامتصاص انفعالاتنا وأحاسيسنا في أي طارئ أو حادث قد نكون عرضة له.

ومن الأمثلة: الالتزام (علاقة زوجية، مهنية، مالية)، نمط الحياة (انتقال من مكان لآخر، فراق أو انفصال، تحديد أهداف جديدة)، حدوث واقعة أو حدث فارق وحاسم (ولادة، وفاة، تسريح عن العمل…).

إن معرفة الذات، معركة مستمرة على الدوام.

فما بين المأمول والواقع مسافات قد تطول أو تقصر بحسب اختلاف الأفراد والظروف والأماكن (وما كل ما يتمناه الإنسان يدركه).

فالمواجهة تختلف حدتها ومداها حسب نوع وهدف المواجهة.

فمكاشفة الذات عامل مهم يساعدنا على ترجمة الفارق بين الأسوأ والأفضل، والبحث عن طرق وآليات التحكم والضبط الذاتي لانفعالاتنا ومشاعرنا.

فهي اختيار واختبار يومي لقدراتنا على فهم واستيعاب ما يجول ويخطر في بواطننا من ارهاصات وخواطر.

فهي مصباح ينير لنا الطريق ويمكننا من معالجة الأخطاء والهفوات التي عشناها ونعيشها.

إذا التصارح مع الذات ومكاشفتها، يقوي شخصية الفرد ويغديها ويدفعها إلى تجاوز القيم والأحكام الهدامة والهادفة إلى الإقصاء والتهميش.

2. هل إيجابي إعطاء الأولوية لافتحاص ذواتنا في المواقف الحاسمة والتقريرية

المواجهة ومكاشفة الذات تختلف حدتها وتأثيرها من شخص لآخر ومن هدف لآخر، لهذا يجب التحلي بالصدق والصراحة والشفافية، والبعد عن جلد الذات.

فحتمي لنجاح هذا العنصر، أن نحرص على التماسك وتقوية حواسنا وطاقاتنا، فحتى الخوف يشكل سلاحا للبقاء.

فالمواجهة أو مكاشفة الذات وتعرية جوانب قوتها وضعفها، يتيح لنا القدرة على فهم واستيعاب الحالات والمواقف، التي يفترض أن نواجهها ونخرج بنتائج ومردودية إيجابية ومفيدة.

إن إعطاء الأولوية لمصالحنا واحتياجاتنا الذاتية على حساب الآخرين.

نوع من الأنانية المريضة، لأن تحقيق أهدافنا لن يمر بشكل فعلي وسلس، دون التورط في معاداة وتجاوز المحيط.

معرفة الذات عامل محفز:

إن تحديد أهدافك على المدى البعيد عزيزي القارئ، يسنح لك بالحفاظ على تركيزك ويفجر داخلك آليات ووسائل للإنجاز والتفوق في المهام المنوطة بك، سواء على المستوى الشخصي أو المهني.

وهذا يقزم ويحصر العواقب والخسائر ممكن وقوعها مستقبلا.

فمكاشفة الذات ومعرفتها آلية ضرورية لتحفيزنا على تجاوز العراقيل والمعيقات التي قد يهيئها لنا واقعنا ومحيطنا الذي نتفاعل داخله.

معرفة الذات يحرر العقل والروح:

إن الثبات والتمسك بالاعتزاز بالنفس والذات، وإبراز جوانب الرضا في سلوكاتنا وتصرفاتنا، ينأى بنا بعيدا عن الهواجس والأفكار الهدامة، بذلك نستطيع التغلب على المخاوف والإرهاصات التي تقيدنا وتسجن قدراتنا ومؤهلاتنا الدفينة والقابعة في دواخلنا.

فراحة البال والطمأنينة الداخلية، تؤدي بصاحبها إلى التفاؤل والطموح الجارف في الإنجاز والتحقيق.

معرفة الذات محفز لاتخاد القرارات:

المكاشفة الذاتية تعمل على خلق هوية وملامح لموازين القوى الداخلية، فهي تمنحنا الفرصة لتدعيم وتعزيز العناصر والجوانب الضعيفة والحساسة داخلنا، وكذلك هي بوصلة لترشيد وضبط الجوانب القوية في شخصيتنا، لكي نصل إلى اكتمال وتوازن في مقوماتنا الذاتية.

وبالتالي فهي تمكننا من مواجهة أي صعوبة أو عرقلة تطرح أمامنا بمسؤولية واقتدار.

معرفة الذات وربطها بالإرهاق والإحباط:

إن الوعي بطبيعة قدراتنا واحتياجاتنا في عملية اكتشاف ومعرفة الذات، يتطلب منا جهدا وامكانيات ذاتية لا تتوانى عن الصراع والمواجهة من أجل الاستمرارية والبقاء.

ويشكل مواجهة الإحباط والإرهاق الذي قد نشعر به أثناء أداءنا لنشاط أو عمل معين، عنصرا وعاملا مشاكسا يحول دون الوصول للأهداف والمرامي، لهذا يجب علينا التسلح بالصبر والموضوعية والوضوح في عملية المكاشفة والتبحر في ذواتنا الداخلية.

معرفة الذات سلاح نافد لمواجهة محيط غير طيِّع وضاغط:

إن التأمل والتدبر في قوانا وطاقاتنا الداخلية، هو العتاد والسلاح الفعال في تأكيد وتثبيت مكانتك ومؤهلاتك داخل محيط مليء بالمتغيرات والتقلبات، التي قد لا تراعي أهدافك وطموحاتك، وتحاول عن قصد أو غيره لتغافلك وتجاوزك.

من هنا، يبقى إدراك ذواتنا وما يروج داخلها، ومحاولة كشفها ومصارحتها، آلية إيجابية وسلاح نافد في تفكيك وتحليل نزوعات وميولات الوسط والمحيط.

3. معرفة الذات عضلة من عضلات السعادة

تطرح عدة استفسارات وأسئلة عن فحوى الاستبطان والغوص في الذات البشرية.

فالإنسان هو عالم من المتناقضات، وهذا السر يميزه عن باقي الكائنات.

ويؤدي الصراع والمواجهة مع الذات إلى المعاناة والمكابدة وأحيانا العودة إلى نقطة الصفر.

إن تشريح الذات وجلدها عملية تمر بمجموعة من الصعوبات والتعقيدات.

فهل مكاشفة الذات تمر بسلام في تفاعلاتنا وإرهاصاتنا الداخلية؟ الجواب بلا.

إن معرفة الذات وتشريحها وتحليلها والبحث عن أماكن الضعف ومواطن القوة، مؤشرات وإشارات تدل على الحنكة والتمرس في التفاعل بين الذات والآخر.

بمعنى من المعاني، فتمرين الذات وتروضها على المكاشفة والبوح بمكنوناتنا وإحباطاتنا الدفينة، والعمل على صياغتها في إطار مقومات وأسس تحفيزية وتشجيعية الاختراق المحيط والتفاعل معه بإيجابية وموضوعية وبعقلية متبصرة ووازنة وضابطة لكل الانفعالات والمشاعر، بواعث ومحفزات لبلوغ وتحقيق السعادة المرجوة.

المفروض عزيزي القارئ، أن نحرص على الإنصات والإصغاء لتطلعاتنا وطموحاتنا الذاتية، التي يصعب إبرازها وإظهارها، إذا نحن تجاهلنا أو قللنا من أهمية اكتشاف ذواتنا ومعرفة إمكانياتها وقدراتها.

يتسنى لنا بعد ذلك تحديد أهدافنا ورسم تصميم بخطواتنا وتحركاتنا لنيل السعادة وبلوغ الانتشاء والهناء الشخصي.

ختاما لا تتردد عزيزي القارئ، في الغوص في دواخلك وبواطنك الشخصية، وحاول أن تغترف الجوانب القوية في شخصيتك وتدعم وتعدل نقاط الضعف فيها، لكي نستطيع تقييم والبحث عن سبل السعادة والآليات والآفاق التي تساعدنا على تجويد تفاعلنا داخل محيط دائم التغير والتقلب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *