لما لا نستطيع تعلم تحمل المسؤولية مهما كانت الأسباب والنتائج؟

من منا لا يحلم بعالم لا مكان فيه لتحمل المسؤولية عن أخطائنا واختياراتنا؟

إن الواقع الذي نعيش ونتفاعل داخله، يحمل في طياته معيقات وتفاصيل قد تكون حجر عثرة في تقدم وتحسن إنجازاتنا وعطاءاتنا.

إننا كأفراد لنا تطلعات وأهداف نسعى ونتعب لنيلها، وقد يحدث ألا نتمكن من تمثلها وتشخيصها على أرض الواقع، بسبب معاكسة الظروف لأهدافنا وغاياتنا.

ومن هنا، فإننا لسنا في حاجة للتزود بالذرائع والأسباب لتبرير تخلفنا عن القيام بعمل معين، أو عدم تحمل المسؤولية في إنجاز غير مكتمل أو معيب.

فهل كل عمل أو فعل يستعصي علينا إنجازه، وليست لنا الإمكانية لتمثله واقعيا، يحتم علينا أن نتلمس الذرائع والأعذار للتخلص من انتقادات وردود فعل الآخرين؟

إن جميع النواميس والقوانين والأنظمة، لا تتهاون ولا تتسامح مع من لا يتحمل مسؤوليته في خطأ أو جنح أو جريمة مقترفة.

وتماشيا مع القاعدة القانونية والفقهية، (لا جريمة بدون عقاب).

أي أن كل من اقترف خطأ أو جريمة، فهو ملزوم أن يعاقب ويأخذ جزائه حسب درجة وخطورة الخطأ المرتكب.

فالانتشاء النفسي والاكتمال الشخصي لا يتحقق ولا يكتمل بدون تجميع كل القدرات والشروط والعناصر المساعدة لبلوغ السعادة.

ومن عناصر وشروط بلوغ السعادة والسكينة والطمأنينة الشخصية، الاعتقاد بضرورة تقلد المسؤولية وتحملها مهما كانت الأسباب والنتائج.

فمن غير المقبول، الاعتماد على الغير أو تبرير العجز والقصور في أداء مهمة أو عمل معين، بظروف أو ذرائع لا أساس لها في الواقع.

انسجاما مع القاعدة التي تقول: المسؤولية يتبعها دائما المحاسبة.

إذا أن ندرك أن تقلد مهمة أو عمل معين، يتبعه بالضرورة المحاسبة والمراقبة، لأن تحمل المسؤولية هو نوع من أنواع الاكتمال الشخصي وسمة من سمات النضج والتمرس.

1. تحمل المسؤولية لا يتجزأ وشرط من شروط الاكتمال الذاتي

إن المحيط لا يتوانى في التحكم والرقابة في شؤوننا وحياتنا الخاصة.

فلديه تأثير قوي وفاعل في توجيه وتحديد حيز مهم في مساراتنا وتطلعاتنا.

هذه المسلمة والبديهية التي يتأسس عليها مخيالنا وتراكمنا الاجتماعي والفكري، هي التي نستقي منها المبررات والذرائع للتخلص والابتعاد عن أعباء الالتزام والمسؤولية.

إن مجموعة من الظروف والعوامل التي تكون حاجزا بيننا وبين الأهداف والغايات المرجوة التي نصبو تحقيقها، تكون مشجابا وذريعة لعدم تحملنا المسؤولية.

فعلى سبيل المثال، يعد اللون أو الانتماء الثقافي والاجتماعي وكذا الهيئة البدنية، عناصر لا يد لنا فيها، ولا يمكن التحكم فيها أو إدارتها أو السيطرة عليها، رغم قوة إرادتنا وصلابة عزيمتنا ووثوقنا في ذواتنا ومقوماتها.

نعم، هذه العناصر وأخرى، يمكن أن تعرقل خطواتنا أو مسيرتنا نحو السعادة أو التفوق مثلا.

فهذه العوامل ليست دائما عنصر إفشال أو إحباط لإرادتك وطموحك.

بمعنى أنه لا مجال لتعليق إخفاقنا وفشلنا على الظروف والعناصر الغير متحكم فيها، والتي يصعب ضبطها وتطويعها.

أي أن الرهان والتحدي في تحمل المسؤولية وتحقيق المبتغى رغم وجود معيقات وكوابح لا إرادية وغير قصدية.

فكم من مرة نلتف ونتعذر بالظروف القاهرة والأجواء الغير المواتية للعطاء والتقدم.

فأغلب الحالات التي فشلت في تحمل المسؤولية، تلقي إخفاقها وعجزها على الظروف باستعارة اعتذارات وذرائع، الغاية منها الهروب إلى الأمام، أي التخلي والتنصل من أعباء وثقل المسؤولية التي يفرضها عليك الواقع والمحيط.

فهل باستطاعتك عزيزي القارئ أن تكيف ظروفا غير متحكم فيها لتحقيق ما تصبو إليه؟

2. الشجاعة في تحمل المسؤولية رهين بالتكيف مع المستجدات

إن التحكم في سلوكنا وضبط الطريقة التي يلزم سلكها لمواجهة المفاجآت والمصادفات التي قد تقع أو تعترض طريقنا، محك واختبار لإرادتك ولصلابة ووضوح المنهج والتخطيط الذي ترسمه لتحقيق هدفك وغايتك.

إن تحمل المسؤولية في اختياراتنا ومسارات حياتنا، يقتضي منا أن نكون على دراية ووعي بالمفاجآت والأحداث الغير منتظرة والغير متوقعة التي تخبئ ها لنا الحياة.

لهذا يُفترض أن نستلهم أدوات وآليات نستطيع من خلالها إبراز مقوماتنا في التحدي والمواجهة.

قد تخيب محاولتنا وتفشل، لكن الأهم هو التجربة والمحاولة.

لأن اعتبار النجاح أو الفشل احتمالين واردين وبشدة، خصوصا إذا ما صادفنا عوائق وحواجز خارجة عن إرادتنا، ولا يد لنا فيها.

ومن الطبيعي أن يكون رد الفعل والمنطق الذاتي الذي نوظفه ونستعمله في مواقف وحالات، يكون فيها العجز وعدم القدرة على مواجهة ظروف قاهرة وغير محسوبة وغير محسومة، هو المعيار والبوصلة التي تسعفنا وتوجهنا في حالة وقوع فشل أو نجاح/ سعادة أو تعاسة.

إن تحمل الصعاب والمشقات والمفاجآت والمستجدات، يمكننا من تمكين البناء النفسي لذواتنا ويعطينا قوة وتماسكا في مواجهة المجهول.

وتبعا لذلك نصبح مؤهلين لقبول تحمل المسؤولية دون التحجج بالظروف والأحوال الغير مناسبة.

لأن الإيمان بمقوماتنا الذاتية، والاقتناع بصلابة عزيمتنا، يُهَوّنُ علينا قساوة وعبء وصعوبة الظروف والعوامل التي تتحكم في مصير أهدافنا وغاياتنا.

3. تحمل مسؤولية في اختياراتنا اليومية

(لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة) مقولة شعبية متداولة، تعبر عن ضرورة تمثل التفاؤل وتبنيه في حياتنا اليومية، حتى يتسنى لنا زرع بذور الأمل والثقة فيما يستقبل من الأيام.

إن حسن الاختيار وقوة العزيمة والصمود في إنجاز طموحاتنا وأمانينا، هو إعراب وتجسيد لقوة وتماسك في شخصيتنا وتطلعاتنا.

ليس هناك مستحيل أو محال للارتقاء والانجاز ولتقديم الأجود والأحسن.

فكل قرار نتخذه هو مناسبة لتحقيق كيان ووجود لائق ومنسجم مع توجهاتك وتقديراتك للمعطيات التي بحوزتك، والتي من المفروض إجادة تدبيرها وتوظيفها، مع التركيز والتأكيد على تحمل المسؤولية في جميع الحالات، السلبية منها والإيجابية.

مهما كانت العادات والأنماط والأنظمة التي تحكمنا، وكدا تراكم الأحداث والوقائع التي تؤطر مساراتنا، فإنه يجب دائما أخذ الحيطة والحذر، والعمل على استشراف جميع التوقعات والحالات التي قد تقف أمامنا وتعترض سبيلنا على حين غرة.

فلا تترك عزيزي القارئ المجال للتأثيرات الخارجية لتتحكم في اختياراتك ورغباتك، فلزاما عليك أن تقرر بنفسك وتحدد ما تريده وترغبه باستقلالية ومعزل عن الآخرين.
فإذا لم نستطع بلوغ المراد والهدف المنشود.

فإن للمحاولة والتجربة الأثر الكبير والحافز القوي، أي أن مواجهة الفشل بالتجريب والمحاولة، هو قيمة مضافة وخبرة وتجربة تعطينا التمرس والحنكة في دروب الحياة الملتوية والمتشابكة.

مجمل القول عزيزي القارئ، الوعي والإدراك بالحاجيات والرغبات، وكذا رؤية الوجود بإرادة وعزيمة لا تعترف بالمستحيل، أساسيات لبناء شخصية قوية وتتحدى جميع الصعاب الظاهر منها والباطن.

فكم من مرة رأينا أفرادا يسلكون اختيارات، وينهجون طرقا لا توافق رؤيتهم ولا تتماهى مع كيانهم وتركيبتهم، وذلك نزولا وتلبية لإرادة ورغبة جماعية (أصدقاء، زملاء، أسرة…).

إن الأشخاص الذين لم يتوفقوا في بلوغ درجة من درجات السعادة والاكتمال الذاتي، غالبا ما يرجعون هذا الفشل إلى الآخرين، عن طريق لومهم أو عبر عتاب الظروف والأحوال الغير ملائمة في نظرهم.

ومن ثم، فالقصور الذاتي، الناتج عن التشكيك في قدراتنا وكدا عدم وضوح الرؤية، إضافة إلى عدم الثقة في مستجدات وتقلبات المحيط، وعدم الرهان على القدرة في الانصهار والذوبان مع واقعنا المعيش بمصادفاته ومفاجآته.

كل هذا يعد من المعيقات والكوابح التي تشل إقدامنا وتميزنا في الأداء والعطاء.

وكخلاصة عامة، الإنسان ابن بيئته، لهذا يجب علينا كأفراد نطمح إلى التغيير من أجل حياة أفضل، تفادي إلباس أي خطأ أو عجز في الانجاز أو التقدير للظروف والعوامل الخارجية.

لأن الإرادة والاعتماد على ثقتنا في ذواتنا، هي مفاتيح وأبواب لتحدي وتجاوز كل متاريس وعوائق التقدم والتطور.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *