لغة الجسد: هل هي رهان حقيقي في العلاقات المعاصرة؟

سنتفق جميعا على القول بأنه إلم تكن لنا القدرة والعزيمة على عدم إيلاء الاهتمام بنظرة الآخر وجعلها تؤثر في التعبير عن ذواتنا، وعلى رسم جملة أهدافنا ومساعينا، وبشكل أكبر في مسألة سعادتنا، فلن يكون بالمستطاع أن ننعم بطيب العيش بعيدا عن أعين الآخرين.

يعد المجال العلاقاتي أحد مفاتيح التي تقودنا نحو السعادة. فكل فرد منا يحمل داخله مقدارا من الرغبة في العرفان والاهتمام بما يقوم به، وتحذوه الرغبة أيضا في تبادل الأفكار والآراء والانفتاح على الآخرين عن طريق التفاعل معهم.

فكما يحلو لي الترديد على الدوام، بأن الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه تصدر عنه بالتأكيد مجوعة من الأحكام، لكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبتعد ويفرط في بني جنسه. وفي هذا السياق، يصير الذكاء الاجتماعي الرهان المنوط بالتفاعلات الذي نخوضها داخل فضاء المجتمع.

فكل فرد يحاول أن يبدي مدى تأقلمه وتكيفه، وكذلك إظهار قدرته على الأخذ بالقواعد والقيم التي تجعله يدخل غمار أية علاقة. وفي خضم هذه اللعبة التي تبدو بسيطة للغاية، يظهر بالفعل على أن لغة الجسد وسيلة خارقة، حيث أنها تنقل صورة مقبولة، صادقة كما أنها تضفي طابع المشروعية.

بل إنها تعتبر من ناحية أخرى (بل في غالب الأحيان ودون وعي أو إدراك بذلك) على أنها إحدى العوامل التي تعطى لها قيمة من لدن بني جنسنا بغرض رسم وتحديد القيمة الاجتماعية التي نحظى بها لدى الآخرين.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل بالإمكان معرفة كيفية تقوية وتعزيز صورة المتحدث الصادق، والشخص القادر على التواصل والذي يَسْعَدُ بالتواصل مع الآخرين.

1. لغة الجسد: إدراكها عامل مساعد في تطويرها

من الناحية العملية، لا يظهر أن لغة الجسد البادية من مظهرنا، وتقاسيم وجهنا، ونظراتنا، وكذلك حركاتنا… بأنها تكتسي أهمية اللهم في وضعيات جد محددة. فنحن نعي تماما بأننا نقوم ببعث صور مغلوطة، ورسائل خاطئة، حينما نصبح تحت تأثير التوتر والضغط.

فمن منا لم يندهش عند قيامه بحركات عبثية (أو مزعجة إن صح التعبير) أثناء مقابلة شفوية للتوظيف (فرك الرأس بشكل متكرر، أو اللعب بقلم…)، أو عدم القدرة على النظر مباشرة في عيني شخص حسن المظهر وجذاب ؟

إذن فلغة الجسد هي هذا الإحساس، الذي يسهم في تحديد مفهوم الكاريزما، حيث استطاع العديدون تطويره بشكل يتعذر تفسيره.

هل بالفعل يتعذر تفسيره ؟ لا، ليس تماما.

فليس غريبا إذن أن نجد أن الأشخاص الذين طوروا من أسلوب لغة الجسد لديهم لتصبح متناسقة مع حركة جسدهم، وميزة الثقة والهدوء والرصانة، بأنهم نفس الأشخاص الذين يجعلون من طريقة تواصلهم (وبالتالي صورتهم لدى الآخرين) أولوية.

فسواء كان الأشخاص ممثلين، أو رجال سياسة، أو فكاهيين، أو محاضرين في مدرجات الجامعات… فطريقة خطابهم ليست السبيل الوحيد الذي يجعل منهم أشخاصا قادرين على شد الانتباه وكذلك على بعث الأحاسيس وإثارتها. فبالنسبة إلى هؤلاء، تعد دراسة لغة الجسد مسألة ضرورية، وهي وسيلة تعزز شكل خطابهم وإلقائهم.

فلا يسعكم في حقيقة الأمر إلا خفض مستوى الصوت في تلفازكم كي يتسنى لكم رؤية ذلك عن كثب. فمن دون أي استعمال للعبارات، فإنكم تتمكنون من فهم ما يصدر عنهم من أفعال، وتستطيعون أيضا فهم السياق وكذا طبيعة حالتهم النفسية (من غضب وفرح وشك وما إلى ذلك…).

لكن كيف يتم ذلك ؟ كيف بالإمكان أن نجعل من لغة الجسد مؤثرة في محيطنا بشكل يومي ؟

ونذكر على وجه الخصوص أيضا، كيف بالإمكان أن تتمظهر وتنعكس هذه العادة في تصرفاتكم كي تعبد الطريق أمام بروز ذكائكم الاجتماعي ؟

2. هل تصبح لغة الجسد “خطرا” إذا أسيء استخدامها ؟

إذا كان قلة من الأشخاص يمضون أيامهم وهم يعتبرون حركات جسدهم والصورة التي يبعثونها من خلال ذلك تشكل أولوية لديهم (وهو ما يعتبر مفهوما نظرا لتعدد الأحاسيس التي تخالجنا أثناء اليوم الواحد)، فإن لغة الجسد لديها أيضا بالمقابل جوانب سلبية أيضا.

فطريقة التواصل غير السليمة تكون مدعاة إلى فقدان الثقة، وتزيد من بذر الشك والارتياب حولنا. وفيما يخص موقع “النجاح الذاتي”، فبمقدورنا الحديث عن الردود التي تبين مدى صعوبة تحسين والارتقاء بالخصال الاجتماعية على سبيل المثال؛ لأن ذلك كله غير مرتبط بشخصيتكم.

لذا فإن لغة الجسد الخارجة عن سياقها حينما لا تؤدى بالشكل المطلوب أو إذا أسيء استخدامها، فإنها تدفع الأشخاص المحيطين بكم دفعا إلى تفادي الحديث معكم، بحيث يتم ذلك بشكل لا شعوري.

فما داعي التفاعل معكم في حين أن جسدكم يرفض التفاعل بالمطلق ؟

الشعور بالخجل عائق أمام الشعور بالاطمئنان والانشراح داخل المجتمع. لا يمكننا أن نلقي باللائمة على الأشخاص الذين لا يقومون بالبحث والاستقصاء قصد معرفة ثنايا طبائعكم الباطنة، بل سيكون من الأجدى أن تبينوها وتظهروها لهم من خلال حديثكم وكذلك عن طريق تصرفاتكم وأفعالكم.

فلغة الجسد التي لا تكون مدروسة بعناية، بمقدورها التأثير سلبا على الشخص الذي يقوم بها، حيث من المتوقع أن يتم فهمها على أنها ذات طبيعة عدائية وانتقامية أو حمالة لأحكام أبعد عن الصواب.

فحينما تمعنون النظر طويلا مثلا، أو تقومون بحركات سريعة وخاطفة أو حينما لا يسعكم التحكم في جسدكم بشكل كامل (لاسيما اليدين)، فإن ذلك مسوغ للفهم على أنكم تعانون من حالة ذهنية مضطربة وغير منضبطة.

ونعني بكل ما سبق الإشارة إليه على أنه إذا لم تكن الغاية من لغة الجسد أن تكون من ضمن المفاهيم التي تشكل أولوية قصوى على المستوى السلوكي، فإنها في حقيقة الأمر ضرورة ستضمن لكم اندماجا سريعا وناجعا في محيطكم.

وماذا عنكم ؟ هل تتحكمون بطريقة تواصلكم غير اللفظي ؟ وبحسب تصوركم للأمر، ما هي نقاط قوة لغة الجسد ؟ أجيبوا فإن وجهات نظركم في الموضوع تهمني جدا !

إلى اللقاء عما قريب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *