التصنيفات
غير مصنف

كيف نتحقق من الكذب عن يقين؟

المراوغة والاختباء وراء الأعذار وانعدام الصدق، كلها توصيفات وترميزات تدخل في إطار نزوعات ذاتية مدمرة ومسممة للعلاقات الإنسانية.

إن القدرة على كشف الكذب والتحقق منه، تتطلب مهارات ومقومات ذاتية وكذلك إلماما وإدراكا للواقع المعيش ولتصوراته وسلوكات وتصرفات الأفراد داخله.

فالكذب ظاهرة متواجدة ومتعايشة بين جميع شرائح المجتمع، وتبدو واضحة وجلية في الفضاءات والمجالات التفاعلية والتواصلية بين الأفراد.

فحتى لا نكون مغالين، إذا قلنا أن الكذب كظاهرة اجتماعية نتعامل ونتواصل من خلاله وعبره في جميع أنشطتنا وانشغالاتنا، بشكل مستمر ومتواصل طيلة ساعات اليوم.

فمن الخطابات السياسية الرنانة والحماسية لرجالات السياسة ونخبها، مرورا بالوصلات والرسائل الإشهارية، وصولا إلى الرغبة في تقاسم تجاربنا وخبراتنا مع الآخرين.

فالمُخاطِب (الكاذب) يمتلك دائما الأعذار والذرائع، ويتوفر على منطق خاص به، يوظفه ويستغله ليراوغ الحقائق، مستعينا بأساليب وصيغ تفيد الصدق وتأكيد الحقيقة.

والتحقق من الكذب والقدرة على كشفه وتعريته، يتطلب منا التحلي بنوع من الهدوء والراحة النفسية، حتى نتمكن من تنظيم وتجميع المعطيات والمؤشرات الدالة على تورط المُخاطِب في لعبة الاحتيال والكذب.

إن القدرة على استنباط الحق من الباطل معادلة تحتاج إلى مقومات الثقة في الذات وفي مهاراتها ومؤهلاتها التواصلية، كذلك في المعايير والقيم التي نؤمن ونعتقد فيها.

فكيف نتحقق ونتيقن من الكذب؟ وما المفروض فعله بعد ذلك؟

1. التحقق من الكذب بتوظيف التواصل اللاشفهي

يقول العلماء إن الكذب سلوك سيكوباتي مضاد للمجتمع، يبدأ منذ الصغر ويستمر حتى الكبر إذا لم يستأصل منذ البداية.

وقد تسبب مجموعة من العوامل في شيوعه وسيادته، كأسلوب معاملة الوالدين والتنشئة الاجتماعية وثقافة المجتمع ونقص الاشباع في العواطف والمشاعر وفقدان الأمان.

إن تعابير الوجه والجسد، لغة ذات فعالية خطيرة في التواصل والتفاعل بين الأفراد.

ولهذا يمكن أن نتحقق ونتأكد من صدق أو زيف الخطاب، من خلال تفحص ودراسة تعابير الوجه وحركات الجسد.

فالتحقق من الكذب عن طريق التواصل اللاشفهي للمخاطب، فيه نوع من الصعوبة، لأنه يتطلب وقتا أكثر وتركيزا وتحليلا خاصا.

وليسهل علينا تشفير وترجمة لغة المخاطب اللاشفهية، نحتاج إلى تتبع هذه الخطوات:

التعبيرات البسيطة:

إن التعابير الجزئية والعفوية الصغير منها والتافه، والذي في نظرنا لا يحتاج للتدقيق والتمحيص، ربما يكون هو السبيل والطريق لكشف الكذب وإبرازه.

باعتبار أن التعبيرات والإشارات التي نصدرها تكون غطاء وستارا نخفي وراءه حقيقة وواقع الأمور.

فهذه التعبيرات والحركات التي يحاول من خلالها الكاذب إخفاء الحقيقة والتستر عليها، هي إشارات ومؤشرات تساعدنا على القراءة والتأويل للوصول إلى الحقيقة ولإجلاء الضبابية والغموض الذي كان ينسجه الكاذب لتجنيبنا معرفة الحقيقة.

الحركات التعويضية:

التحقق من الكذب وكشفه، يمكن أن يكون بملاحظة انفعالات وحركات مخاطبينا، فأغلب الذين يبتدعون الكذب يقومون بحركات لا إرادية حتى يحاولوا إخفاء بهتانهم وكذبهم، فيعملون على اصدار حركات غير مناسبة وغامضة في بعض الأحيان، كحك الرأس أو عضو من أعضاء الجسد كالجبين مثلا…

هذه التعابير والحركات هي مؤشرات وإيحاءات توحي بأن الذي يتحدث معنا واقع في شرك الكذب، ومعلوماته وأقواله تجانب الصواب وبالطبع غير موثوق فيها.

تصلب أعضاء الجسد علامة من علامات الكذب:

إن الأشخاص الذين يختبئون وراء الحقيقة غالبا ما تكون أعضاء وأطراف جسدهم متصلبة وعصبية.

فإذا ما نظرت إليهم تحسهم منقبضين ومتوترين ومنفعلين، أي أنهم في وضع وحالة غير طبيعية.

والكاذب في حديثه مع الآخرين يحاول دائما أن يكون بعيدا عن الفرد الذي يكذب عليه.

التوريط البصري والصوتي:

تعتبر الرؤية والصوت (العين والأذن) من الآليات والوسائل المشهورة والمتداولة في كشف الكذب والتحقق منه.

إن التركيز على نظر الشخص وكيفية إلتقاط وتجاوب أعينه مع حديثنا، آلية تساعد على تمييز نوع النظرة.

هل هي بريئة، عفوية، مشاكسة أو كاذبة.

هذا الأسلوب والطريق في كشف الكذب والتحقق منه ترتكز على مدى قدرتنا على التجاوب والتفاعل مع مخاطبينا.

والكشف عن الكذب عن طريق الصوت هو أداة ووسيلة سهلة نوظف فيها فقط أداة السمع (الأذن)، لتحديد مدى صدق أو كذب المخاطب الذي أمامنا، ويعتبر إيقاع الصوت من خلال دبدباته والحشرجة والبحة…

مؤشرات ووسائل تمكننا من استشفاف صدقية المخاطب أو زيفه.

إذاً للرؤية والصوت خصوصيات ومميزات نستعين بها للتحقق من حالات التحايل والكذب والزيف.

ونخلص في هذا السياق إلى أن هذه الآليات والوسائل الجسدي منها والحسي (الحدس) قادرة على تمكيننا من استشفاف واستخلاص الصالح من القول والفاسد منه.

2. التحقق من الكذب من خلال التأكيد على تحمل المسؤولية أو عدمها

إن تحمل وتقلد المسؤولية، معناه تقوية مصداقيتنا وشرعيتنا داخل المحيط الذي نتفاعل داخله وتربطنا به علاقات وأواصر تقيد وتضبط حرياتنا وتحركاتنا.

إن إخفاء الحقيقة ومداراتها، يجعلنا في مأزق ونتنافر مع المقومات والإمكانيات الذاتية المحفزة على الوضوح والاستقامة في سلوكنا الاجتماعي.

ولتسهيل عملية التحقق من الكذب وكشفه، يجب علينا الاهتمام والتركيز على كيفية سرد المعلومات والأفكار، ومدى ترابطها المنطقي، وكذلك سير وتدرج إيقاع الخطاب الذي يرويه لنا المخاطب.

غالبا ما نلاحظ أن المعني بالأمر في أي.

إنجاز أو مسؤولية ملقاة على عاتقه، يتهرب ويتملص من تحمل المسؤولية بمحاولة المراوغة في حديثه، عن طريق توريط الآخرين (يستعمل ضمير نحن)، بإشراكهم ومقاسمتهم المسؤولية.

هذه الأساليب اللغوية المستعملة للخروج من ورطة أو مأزق، يغلب عليها طابع التعميم والتكثيف والتعويم، لأن استعمال ضمير (نحن) هو وسيلة لإخفاء كذبه وإخفاقه وتواضع قدراته وإنجازاته.

3. التحقق من الكذب بطرح أسئلة مباشرة

إن الذي يختلق الكذب، لا يجيب مباشرة عن الأسئلة المطروحة عليه بوضوح، فهو دائما يحاول مدّنا وتزويدنا بمعلومات وشروحات لا جدوى منها.

والمشهد السياسي والسياسيون خير مثال، فغالبا ما يطرح على رجال السياسة أسئلة دقيقة ومحددة، لكن إجاباتهم تكون غارقة وموغلة في التعويم والتعميم، أي أنها لا تتوخى الدقة والتفصيل.

فعندما نلاحظ أن شخصا يتعمد تكرار كلمات أو مصطلحات أو وصف صور وحالات عدة مرات، تأكد أن هذا الخطاب المشحون بالتكرار والإسهاب والتركيز على عناصر دون أخرى، هو خطاب يكتنفه الغموض والالتباس ومشكوك في صدقيته.

وهذه الطرق والأساليب في الخطاب، تنم عن المراوغة والتحايل وتزييف للحقائق بغية التهرب والتنصل من تحمل المسؤولية، التي يفترض أن نكون جديرين بها.

وخلاصة القول، إن دراسة الخطاب وتمحيصه وتحليله ومقارنته، يؤدي بنا إلى إدراك مواقع الصدق ومواقع الكذب، وبالتالي يسهل علينا كشف الكذب والتحقق منه.

4. التحقق من الكذب بتحليل انفعالات مخاطبينا

إن من طرق وآليات التفكير السليم، لكي نتمكن من تحديد واكتشاف مناطق الكذب ومناطق الصدق في خطاب وتعابير مخاطبينا،هو دراسة انفعالاته.

فالكاذب والمتملص والمماطل غالبا ما يجيدون لعبة رمي الكرة إلى الآخرين في كل اختبار لمصداقيتهم وجدية أقوالهم وأفعالهم.

وتتجلى طرق رمي الكرة للآخرين، في كون الكاذب عندما يكون في ورطة أو مأزق، وطرح عليه شخص ثاني سؤال يخص موضوع الجدال، فإنه يجيبه بسؤال آخر، أو يحاول التهوين من موضوع النقاش أو استصغاره، أو الانتقال إلى موضوع لا علاقة له بالنقاش المطروح.

هذه ألاعيب وحيل حوارية يوظفها الكاذب لتمويه ومراوغة الآخرين، بغية إخفاء الحقيقة والوقائع الموجودة على أرض الواقع.

إذاً التركيز عنصر هام في كشف انفعالات وتعبيرات وحركات الكاذب الجسدية منها واللاشفهية، هذا لا يلغي أن الاحتكاك والتجاوب مع الواقع ضروري وحاسم في كشف الكذب والتحقق منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *