التصنيفات
غير مصنف

تدبير الخلافات: أسرار لحياة اجتماعية منسجمة

إن الدراية والإلمام بكيفية إدارة وتدبير النزاعات والخلافات، يتطلب منا ويحتاج مجموعة قدرات وإمكانيات ذاتية وموضوعية، حتى يتسنى لنا نيل الإشباع والتقدير الذاتي.

لا ريب، أن تدبير الخلافات يرتبط بالخبرة والذكاء الاجتماعي، الذي يؤهلنا ويسمح لنا بتطوير وتنمية روابطنا وعلاقاتنا الاجتماعية، ويجعلها أكثر غنى واندماجا وانصهارا مع الواقع المعيش.

إن تنافر وتعارض الطباع، وكذا العوامل الخارجية الفاعلة في الحياة النفسية للأشخاص والبيئة القاسية وأعباء العمل وتوابعه… وكذا مسببات وبواعث سوء الفهم والإدراك.

هذه العوامل وأخرى، قادرة على اختلاق وبروز خلافات ومشاحنات، قد تكون عواقبها جد وخيمة إذا نحن لم نحسن تدبير هذه التناقضات والخلافات.

إن طبيعة الاختلافات والتفاوتات الذهنية والنفسية للأفراد، تدفعنا أن نكون على استعداد للتواصل والوقوع في فخ فئة من أفراد المجتمع لا يهنأ لها بال إلا إذا غاصت في مستنقعات النزاعات والمشاحنات.

من سمات هذه العينة من أفراد المجتمع، أنها دائمة الممانعة والاعتراض ووضع العراقيل والمنغصات، بغية زرع الشقاق والخلاف والانحصار في فضاء وتفكير مغلق، غارق في أحكام القيمة.

هذا النوع من السلوك والتفكير، له تأثير جسيم على السمعة والمكانة الشخصية للفرد داخل محيطه.

فميول بعض الأشخاص لافتعال النزاعات والخلافات، يضر بسلوكهم الشخصي والاجتماعي.

فصاحب هذا النزوع والسلوك، غالبا ما ينظر للآخرين نظرة سوداوية وسلبية.

فهذا السلوك العدواني يكرس ويرسِّب الانزواء عن الآخرين، والميل للوحدة والتقوقع.

إن الحالة النفسية لهؤلاء الأفراد الذين ينزعون لافتعال النزاعات والاختلافات، تكون فاقدة لمقومات التطور وقاصرة على تنمية الثقة والاعتداد بالنفس دون إلحاق الضرر.

إظهار وإبراز إمكانياتنا الشخصية وما نتمتع به من كاريزما ومصداقية وشرعية، رهين بالمواقف والحالات التي قد يحدث فيها شنآن أو مشاحنة أو خلاف.

فكيف نستطيع تدبير الخلافات والنزاعات التي قد تعترض علاقاتنا الإنسانية؟ وهل يلزمنا الحزم والصرامة في إدارة الخلافات؟ أم أن توظيف اللياقة والليونة واجب وضروري لحلها؟

1. إدارة الخلافات عبر تحديد الاختلاف والتنوع في الشخصيات

من البديهي أننا نتعامل داخل إطار ووسط اجتماعي يتنوع ويتعدد الفاعلون داخله.

فلكل تركيبته النفسية وطريقة تفكير وانفعال خاص.

لهذا يلزم أن نأخذ بعين الاعتبار هذا التفاوت والتنوع في الشخصيات التي قد نختلف معها، أو يقع بيننا سوء فهم أو مشاحنة أو لا قدر الله مشادات.

من هنا لا يمكن تدبير الخلافات والنزاعات مع شخصيات مختلفة ومتنوعة، بأسلوب وطريقة واحدة.

من هذا المنطلق، يُفترض عند الوقوع في نزاع أو خلاف مع الغير، الحرص على ضبط انفعالاتنا، ومحاولة تدبير الخلاف أو النزاع الحاصل، بالتركيز على إعطاء معالم ومحددات للشخصيات التي تحيط بنا ومن الممكن أن نتعامل معها بشكل دائم ومستمر.

وقبل القيام بدراسة وتوصيف للأشخاص والشخصيات التي قد يقع لنا معها سوء فهم، أو موقف حرج، قد يخلق نزاعا أو تشاحنا مرتقبا.

يلزمنا في هذه الحالات التفكير بروية وتبصر في انفعالاتنا وسلوكاتنا وطرح مجموعة أسئلة من بينها: هل أنا متغطرس ومستبد؟ أم أنني خاضع وسلبي؟ هل أننا ملحاح في متطلباتي؟ هل أنا متساهل ومتسامح مع الآخرين؟ هل أنا كثير الجدال واللجاج؟ هل أُحَسِّسُ الآخرين بالاحتقار؟

إن الغوص في أعماقنا، ومحاولة استنباط العناصر والسمات العامة لذواتنا، قد يمكننا من فهم واستيعاب السلوكات العدوانية التي قد تستفزنا وتهيج انفعالاتنا، وقد تمكننا كذلك من دراسة طبيعة الأشخاص الذين نتعامل معهم وصور وتمثلات سلوكاتهم وانفعالاتهم.

إن الارتكان والسكون إلى الذات، والكشف عن نقط قوتها وضعفها، يساعدنا على تكييف وملائمة تواصلنا مع مخاطبينا بطريقة أكثر فعالية ونجاعة.

إضافة إلى كون إجادة التواصل مع معارضيك يعطيك الفرصة لتطويع وشحذ مقوماتك الذاتية في تدبير الخلافات التي قد تحدث.

عودا على ما سبق، الطباع والسلوكات الإنسانية تتباين وتختلف من شخص لآخر.

فنجد أن بعض الأشخاص دائما في حاجة إلى الإسهاب والتفصيل في الكلام بغية إيجاد حل ودي يرضي الطرفين أو الأطراف المتنازعة.

وهناك أشخاص يميلون وينزعون لاختلاق النزاعات والخلافات ويسعون دائما لتعميق سوء الفهم حتى يتسنى لهم استعراض سلوكاتهم العدوانية، في حين نجد أشخاصا يميلون للسيطرة والاستئثار.

إن الحنكة والخبرة في المجال العلائقي بين الأفراد مطلوبة، وتلعب دورا محوريا في طريقة وأسلوب تدبير الخلافات والبحث لها عن حلول نافدة وناجعة.

فمن المستحيل أن ننجح في تدبير نزاع أو سوء فهم، إذا لم تكن لنا خلفية وقاعدة معرفية عن الأشخاص الذين نتعامل معهم، وننسج معهم روابط وعلاقات إما مهنية أو اجتماعية أو شخصية.

وحتى نكون موفقين في تدبير الخلافات والنزاعات التي قد تحصل في محيطنا، من الواجب علينا أن نكون لطفاء ومحترمين، ونتحلى بأخلاق النبل والشهامة، فهذه الخصال والسمات لا يمكن تعميمها والسير عليها مع جميع الأشخاص وفي جميع الحالات.

2. إدارة الخلافات يتطلب الاشتغال على ميولاتنا النفسية

لكي نصل إلى نتيجة مشجعة وناجعة في تدبير النزاعات والخلافات.

من الواجب علينا أن نراجع ذواتنا ونشتغل عليها، ونحدد مواطن القوة ومواضع الخلل والضعف التي تتحكم وتتفاعل داخلنا أثناء وقوع مشاحنة أو نزاع مع الغير.

ففي تواصلنا اليومي وعلاقاتنا الإنسانية، ليس من المفروض والأكيد أن الأفراد الذين نخاطبهم ونتعامل معهم على خطأ أو يهدفون لزرع علاقة موبوءة ومتسممة بل يمكن أن يكون العكس هو الصحيح.

وهذا يعني أن هناك خللا أو خطأ معينا نابعا من ذواتنا وسلوكاتنا اتجاه الآخرين.

لهذا وذاك، من الأفضل أن نتريت وندرس موضوع النزاع والخلاف، ونبحث في دواخلنا عن مسببات هذا النزاع، هل هي ذاتية؟ أي متعلقة بشخصي، أم موضوعية؟ متعلقة بالمحيط والأفراد الذين نتعامل معهم.

وفي نفس السياق، هذه مجموعة من الميولات والنزوعات النفسية الأولية لمحاولة إدارة وتدبير أي خلاف ونزاع.

المرونة وتدبير الخلافات

تتجلى المرونة في محاولة تفهم وضعية مخالفيك من خلال وضع نفسك مكانهم، وكيف سيكون انفعالهم وأحاسيسهم في هذه الوضعية الملتبسة.

هذا الأسلوب والطريقة في التفكير يساعد بشكل ضمني ومنطقي في تحقيق التهدئة والتخفيف من حدة التوتر وسوء الفهم.

وهذا يساهم في إيجاد توافق وحل للمشكل أو الخلاف المطروح.

وعليه فإن الشخصية المتحررة والمرنة والبعيدة عن الخلفيات السلبية، تستطيع التعامل مع المواقف الحرجة والملتبسة بمرونة وسلاسة.

هذا الأسلوب وهذه الشخصية النموذجية مطلوبة ومحببة لأنها تقدر وتستطيع فك وحل ألغاز الخلافات والنزاعات المطروحة.

المسؤولية وتدبير الخلافات

إن مصداقية الشخصية والتزامها بأقوالها وأفعالها وقراراتها، وكذا تحمل المسؤولية والانضباط في السراء والضراء، سمات وقيم إضافية تساعد على انتزاع احترام وتقدير الآخرين، وبالتالي فهي تسهل عليك عزيزي القارئ كيفية التعامل والتأقلم مع أي خلاف أو مشاحنة مع الغير.

إذا المصداقية والوضوح في التعامل مع الآخرين قيمة مضافة تساعد على تسهيل إدارة أي نزاع أو خلاف.

تدبير الخلافات رهين بحصرها وتحديدها

إن ضبط جوهر وطبيعة النزاع والخلاف، ومحاولة إيجاد حل له، دون التركيز على الشخص الذي هو طرف فيه، وطبيعة شخصيته وسلوكه.

سبيل وأسلوب ناجع لتدبير الخلاف. باعتبار أن حصر المشكل وتضييقه دون الاهتمام بطباع وسلوك الشخص الحاصل معه النزاع، هو منهج سريع ومفعوله مؤثر، وتداعياته تكون طفيفة وغير عميقة في تضخيم النزاع أو المشكل.

أي أن التركيز على المشكل وحصره، يمكننا من التوفق في حل النزاع، بمعزل عن ماهية الشخصية التي وقع لنا معها خلاف، باعتبار أن المشاحنات والتهجمات الشخصية قد تضخم المشكل وتعمقه أكثر مما تساهم في تبسيطه وحله.

3. تدبير الخلاف وتقاسم القيم المشتركة

إن تدبير الخلاف لا ينحصر فقط على نفسيتك أو شخصية مخاطبيك، بل يرتكز على البحث في نقط التلاقي والسمات المشتركة التي قد تجمعك بمعارضيك.

إن توظيف والاشتغال على المشترك والقيم التي نتقاطع فيها مع الآخرين، شيء ضروري ومهم للتخلص والقضاء على سوء الفهم أو الشنآن الذي قد نجد أنفسننا متورطين فيه.

فلهذا يستحسن أن نكون على دراية وإلمام بالعناصر والمكونات المشتركة والمتقاطعة التي تجمعنا كأفراد داخل محيط نعيش في رحابه.

لهذا هناك مجموعة من القيم والخصال الواجب أن نتمتع بها، لكي نضمن السلامة واليسر في تدبير اختلافاتنا وخلافاتنا مع الآخرين.

ومن بين هذه الخصال، التحلي بروح التفهم والاستيعاب، أي أن نتحلل ونتجرد لبعض الوقت من شخصيتنا، ونحاول التوغل في نفسية الآخرين، ونضع أنفسنا مكانهم.

الأكيد أن نجاح هذه العملية رهين بالتمرس على توظيفها أحسن توظيف لمواجهة الخلافات والنزاعات بشكل فعال ومؤثر إيجابيا، وذلك من خلال خلق مساحات وفضاءات يتحقق فيها التوافق والتراضي والنفع للأطراف المتضررة.

أي أننا لا يجب أن نتغافل أن الشخص الطرف في النزاع ليس بالضرورة خبيثا أوسيئا، بل إن احتياجاته ورغباته الذاتية هي الدافع إلى حدوث ووقوع الخلاف أو النزاع.

ومن بين العوامل القادرة على تقليص وتجفيف بؤر النزاع أو الخلاف، التمسك بالاحترام المتبادل، فهذا العامل يعتبر من القيم التي يجب أن نتحلى بها.

لأن تقدير واحترام الآخرين كيفما كانت درجتهم وطبيعتهم وسلوكاتهم، لا يسمح لنا بأن نصدر أحكاما جاهزة ومسبقة في حقهم.

فالتحلي بالمصداقية والشفافية اتجاه معارضينا ومخالفينا كيفما كانت طبيعة وحدة النزاع القائم بيننا، ضروري حتى نكسب تقديرهم واحترامهم.

وكذلك تبني المساواة والندية اتجاههم يكون عاملا محفزا ومهدئا لحدة الخلاف، ومشجعا للوصول لحلول يكون التراضي والتوافق هما المفتاح لعلاقة سوية ومحترمة.

فهل تستطيع عزيزي القارئ، أن تستثمر مؤهلاتك الذاتية والموضوعية في تدبير النزاعات والخلافات دون أن تعمق الهوة بينك وبين الآخرين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *