فهم الغيرة والطرق المثلى للتحكم فيها

الغيرة إحساس جبل عليه الإنسان الذي كرمه ربه وفضله عن المخلوقات الأخرى.

والغيرة هي اشتعال القلب والإرادة لعمل ما يعتقد الإنسان أنه الخير.

فقد يغار الإنسان بجهل متحمسا لمحاربة شيء دون معرفة ودون تحقيق.

وقد تكون الغيرة مخطئة في وسائلها وطرق تعبيرها، فحين تتملك الإنسان فقد توقعه في حالات غير سوية، فيقع في الشتيمة والتشهير والإيذاء والضرب والتخريب، ويتحول إلى آلة هدم يحطم كل ما يقابل طريقه، إذا هذه غيرة خاطئة مخلوطة بالأنانية والنزوع إلى التدمير والتخريب.

فالغيرة من الأحاسيس والمشاعر الأصيلة في الإنسان، وهي من الانفعالات الطبيعية التي نشتركها ونتقاسمها في حالات إنسانية ومواقف اجتماعية ومواضع مهنية تكون حقلا خصبا لظهورها من خلال نزاعات وخلافات تؤثر بشكل واضح على أداءنا وتألقنا وتواصلنا مع الآخرين.

ولكي نكون صرحاء من منا لا يرغب في أن يحالفه النجاح والتفوق والتميز في مساره المهني والحياتي.

إن الشخصيات والأفراد الذين نعتبرهم نبراسا ونموذجا للنجاح والتفوق الاجتماعي، لم يصلوا إلى هذه المدارج والمراتب دون أن يتملكهم نوع من الغيرة، لكنهم تغلبوا عليها، عبر تطوير وتجديد آليات اشتغالهم وإغناء وتقوية مقوماتهم ومهاراتهم من أجل بلوغ الأهداف والمقاصد.

والغيرة كإحساس مركب ومعقد يكون أساسا ناتجا عن خلاف أو سوء فهم أو تصور خاطئ، يوهمنا بأشياء غير متواجدة وغير فاعلة في منظومة التفاعل الإيجابي، وفي الرغبة في تحقيق اكتمال شخصي واعتزاز وثقة بالذات وقدراتها وإمكانياتها.

فهي شعور مضطرب ولا إرادي، نابع من توجسات ومخاوف تكرس عدم الطمأنينة والاقتناع بما أنت عليه.

ولهذا فإن عواقب الغيرة مدمرة وقاتلة لروح المبادرة الشخصية وهي نافية لآلية الاعتماد على المؤهلات الذاتية دون النظر إلى تصرفات وانجازات الغير.

فإذا نحن عزيزي القارئ، اكتسبنا الوعي والإدراك بأن الغيرة محطمة ومدمرة للطموحات الذاتية ولروح المبادرة ولقوة العزيمة والاعتماد على الذات ومقوماتها، الأكيد أننا لن نتورط ونقع في شباكها وفخاخها.

1. الغيرة إحساس فطري وطبيعي

الغيرة هي شعور مركب من الخوف والغضب يعتري البشر بمختلف أعمارهم من الطفل الصغير إلى الشخص البالغ سواء كان ذكرا أو أنثى ومهما كان مستواه الاجتماعي أو الثقافي، وينتج عن الخوف والغضب تصرفات وسلوكات لا يستطيع الغيور ضبطها أو التحكم فيها.

فإذا كانت الغيرة إحساسا غريزيا وطبيعيا، فإنه مع الأسف مدمر ومحبط لعزيمتنا ولرؤيتنا لذواتنا وللآخر.

فهي تجعلنا دائما معرضين لسوء فهم أو لخلافات أو تشاحنات قد تكون عاطفية أو اجتماعية.

في بعض الأحيان، قد يكون وقع وتأثير الغيرة صادما وقويا، فيكون العنف بمستوياته المعنوي والمادي هو سيد الموقف، حيث نرى في الآخر عدوا وخصما متعاليا وغير متفهم ومتجاوب معنا.

فطبيعي أن الإحساس بالغيرة يتجسد في كون المصاب به، يرغب في شيء أو إنجاز ليس بمقدوره تحقيقه وتملكه واكتسابه.

فالغيرة شبيهة بالمرآة التي تعري وتكشف الإيجابي والسلبي في شخصيتنا.

إن الغيرة كما سبق ذكره، شعور وانفعال ينتاب الجميع، لكن تفاعله في الذات وتأثيره يختلف من شخص لآخر ومن موقف لآخر ومن حالة لأخرى.

فمثلا الغيرة بين الزوجين تختلف عن الغيرة بين زميلين في العمل.

إن من مساوئ وعواقب الإحساس بالغيرة، أنها تفقد المصاب بها الاستقلالية في آراءه وأهدافه، فهو دائما يفكر في نفسه ويقارنها بالآخر، أو يفضل نفسه عن الآخرين والعكس صحيح.

فهذه الحالات والمواقف المشحونة بأحاسيس الغيرة تؤثر على إمكانياتنا الذاتية في التحفيز والشعور بالثقة والسلامة والصحة النفسية والذهنية.

إن الإحساس بالغيرة الخاطئ غالبا ما يؤدي إلى اختلاق وافتعال نزاعات وصراعات تكون عبئا وعرقلة لتحقيق أهدافنا وكذلك للعيش في وئام وتصالح مع الآخرين.

2. الغيرة وعي وإدراك خاطئ لمحيطنا

كما ذكرنا سابقا، الغيرة إحساس طبيعي وغريزي في التركيبة النفسية لجميع الناس.

فهذا الإحساس ينبعث ويتركز فقط على المظاهر والشكليات.

لأنه إحساس غير مدرك وواع بجوهر وباطن الإنسان.

فالفرد دائما يجمع ويشكل رؤية وتصورا عن شخص آخر من مظهره وشكله دون التقرب منه والاحتكاك به.

إذا الغيرة إحساس يتولد عن طريق تفاعلنا مع التأثيرات الخارجية، أي تواصلنا مع الآخرين وفعالية ونجاعة اندماجنا في المحيط.

فالغيرة في جوانبها السلبية لا تنبني على مقومات العقلانية والموضوعية، بل تكتفي بالانطباعية والسطحية في تناولها للمواقف والحالات التي قد تكون اختبارا ومحكا لنا.

إذا لمحاربة ومواجهة آثار الغيرة السلبية يجب علينا أن نحدد أهدافنا ونؤطر امكانياتنا ومؤهلاتنا ونتبنى سلوكا وتفكيرا يتسم بالعقلانية والواقعية.

3. الغيرة ونظرة الآخرين

إن الثقافة الشعبية والتداول اليومي للناس يحرص على أن يحذرنا بأن الآخر يتربص بنا ويترقبنا في كل لحظة وحين.

هذه المعتقدات التي أكل عليها الظهر وشرب، تدخل في إطار الخرافة والأسطورة، وتبتعد عن الواقعية والحقيقة.

حقيقة أن نظرة الآخر تشكل باعثا وسببا في إيقاد وتفجير هذا الإحساس المدمر (الغيرة).

من الطبيعي أن نحتكم إلى المقارنة ونطمح ونطمع في الأفضل والأحسن، وأن ننال اعتراف وتقدير الآخرين.

ولكي لا نكون مثاليين وحالمين، ونتخيل ونتمثل شخصيات وأفراد لا يشبهوننا ولا نشبههم، يجب علينا أن ندرك أن سر النجاح والتوفيق هو أن نكون أنفسنا وذواتنا.

فالحكمة الربانية أعطت الاختلاف والتنوع كقاعدة لتسهيل التواصل والتفاعل بين الأشخاص، وكذلك لإبراز خصوصية وتميز الفرد داخل الجماعة.

فكل شخص مختلف ويملك منظومة تفكير وقيم يمتلكها عن طريق التجربة والفهم الصحيح للمحيط وللعالم المحيط بنا.

فما الدافع الذي يجعلنا نعمل كلما في وسعنا لتجاوز واستصغار الآخرين؟

4. الغيرة وعدم الثقة في النفس

إن الإحساس بالغيرة يتماهى ويتجسد في الارتكان إلى القلق والحزن، الذي يفقدنا الثقة في أنفسنا وفي محيطنا.

فكثير من البيوت خربت بسبب الغيرة والشك بين الأزواج، وكم من نزاعات وخلافات مهنية واجتماعية يكون أُسُّها هو الحقد والغيرة من نجاح وتميز الآخرين.

فالغيرة داء يسمم العلاقات والمشاعر والعواطف النبيلة، فهي وباء يجب الوقاية منه والابتعاد عن البواعث والعوامل التي تفعل وتتحكم فيه.

فكيف نستطيع العيش ونحن نشك ونرتاب من كل الناس؟ ألا يعتبر هذا حدا ومنعا لحرياتنا الشخصية والجماعية؟

إن بروز الغيرة في تفاعلاتنا الشخصية والاجتماعية يعطل أداءنا وتقدمنا، ويزرع في دواخلنا الإرهاق والإحباط.

وللخلاص من هذا الشعور المدمر، يجب علينا أن نشتغل على ذواتنا ونقوي ثقتنا في إمكانياتنا الشخصية، ونجعل من الغيرة حافزا إيجابيا يقودنا إلى تحسين أداءنا وبلوغ المبتغى.

5. وعي وإدراك جديد لمواجهة الغيرة

إن السلاح النافد والفاعل للقضاء على بواعث وعلل الشعور بالغيرة، هو سلاح وحيد ونوعي، إنه الموضوعية والعقلانية.

فإذا ما راودك عزيزي القارئ هذا الإحساس المعيب، حاول عزيزي أن تركز على أحداث ووقائع وأعمال إيجابية تتوافق وسلوكاتك وطباعك الإيجابية، وحاول الابتعاد عن الافتراضات والاحتمالات في التفاعل والتجاوب مع الغير.

حاول حين ينتابك الإحساس بالغيرة من شخص، أن تتذكر خصاله وسلوكاته الإيجابية وتتفادى التركيز على الجوانب السلبية في شخصيته.

لا تحاول عزيزي القارئ، أن تضع نفسك في مقارنة مع الآخرين، بل كن ما تشاء أن تكون، وحافظ على تميزك وخصوصيتك، لأنها سر ومفتاح من مفاتيح النجاح.

لا تسعى إلى إرضاء الآخرين دائما، أو أن تكون قدوة أو نموذجا، كالنماذج والشخصيات التي أُعجبنا بها وتأثرنا بشخصيتها وسلوكها.

لا تحاول أن ينتابك الإحساس بأنك تتوفر على قدرات ومؤهلات تفوق الآخرين.

فأن يكون لك مقومات وإمكانيات جيدة، شيء محمود ومرغوب فيه.

لكن الخطأ هو محاولة تمثل وتجسيد الآخرين والتشبه بهم، ومحاولة الدخول معهم في تنافس ربما يكون علنيا أو سريا.

وكما أكدنا عليه في الكثير من محاور هذه المقالة، إن توخي الموضوعية والواقعية هو المفتاح والبوصلة للتغلب على هذا الإحساس الماكر والمدمر.

فهل عزيزي القارئ تَمَكنَت منك الغيرة في يوم من الأيام؟ وهل استطعت تجاوزها والقضاء عليها؟

نحن عزيزي القارئ في شوق للتوصل باقتراحاتكم وأراءكم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *