ما العمل لكسب صداقات متميزة: اللغز المحير؟

ليس دائما محمودا استعراض وإبراز مقوماتنا ومؤهلاتنا الاجتماعية والتداولية وكدا تقييم الروابط والعلاقات مع الآخرين، دون الاحتكام إلى أبجديات الموضوعية والواقعية.

فأسباب العزلة والانكفاء على الذات وعلى الآخرين عديدة ومتنوعة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر الخجل وانعدام الثقة في الذات وكدا التفاوت الثقافي بين الأفراد، وبالتحديد غياب القدرة المادية على خلق تفاعل أو تواصل مع الآخر.

هذه البواعث والأسباب تشكل أبرز النواقص والعلل التي تعرقل العملية التواصلية والتفاعلية مع الآخرين.

وموضوع مقالة اليوم صديقي القارئ، هو محاولة لخلق وسائل وآليات تمكننا من تجاوز العراقيل المادية والنفسية، وهي محاولة لفهم النزوعات والميولات التي تدفعنا إلى التفاعل والتجاوب مع أصدقاء مزعجين.

1. انهاء جلد الذات والتقوقع داخلها ضروريان لكسب الأصدقاء

إن الانحصار والتقوقع على الذات والاسترسال في نقدها وجلدها بصورة مرضية، له وقع وتأثير على نفسيتنا، وقد يزج بنا إلى مستنقعات اليأس والاحباط وارتياد مسالك الاكتئاب والضجر والعدمية.

عدة عبارات وألفاظ نُرَدِّدُها وقد نجترها، من قبيل (على كل حال، أنا قبيح_ لست مهتما أو معنيا_ أنا جد صغير على…_ أنا محتاج إلى…_ لا أعرف شيء…) صيغ وأساليب نوظفها لتقديم اعتذار أو للتملص والخروج من موقف فيه إضعاف وإحراج لنا. بمعنى آخر ضعف ونقص نحس به ويؤثر على اعتزازنا بذواتنا وبقدراتنا التواصلية.

إن الانطباع والفهم الأولي الذي ينتاب الآخرين عندما يلاحظون شخصا لا يتوفر على أصدقاء، هو كون هذا الشخص انطوائي ومتخلف عن مقومات التداول الاجتماعي.

فإذا كان النرجسي يتميز بتضخم الأنا، وبالتمجيد والمباهاة بذاته وبانجازاته، فالأمر معكوس بالنسبة للشخص المتقوقع والمنغلق على ذاته ومحيطه.

فالارتياب من عدم إرضاء الآخرين، والخوف من أحكام الغير، مشاعر وأحاسيس طبيعية، متقاسمة ومشتركة بين بني البشر.

وعليه فإن التداول والتفاعل مع الآخرين هو عملية تواصلية، نحاول من خلالها جدب وإثارة انتباه الآخرين صوبك، عبر تحيين وتكييف النقاط والعناصر المشتركة معهم.

وفي سياق آخر، لا أحد يستطيع الكشف عن عواطفه وأحاسيسه ومشاعره لشخص يتعرف عليه لأول مرة. وتعد الوحدة والخوف من عدم اكتساب أصدقاء، والعيش في عالم مسيج ومعزول عن الآخرين، علامة وإشارة عن قصور وعجز في إدراك ماهية التفاعل الاجتماعي الذي كما سبق الذكر هوعبارة عن تبادلات وتجاذبات وتسويات.

فالعالم والمحيط الذي نعيش ونتساكن داخله لا يتمحور ولا يتمركز حول أحاسيسنا ورغباتنا، بل هو فضاء لتداول وتجاذب الأفكار والمصالح والمنافع.

فما المطلوب لكي نُكَون ونكسب صداقات، تحظى بقبولنا ورضانا؟

2. تكوين صداقات رهين بالانفتاح على الآخر والتمرس على مواجهة الصعاب

ممارسة أنشطة وأعمال مشتركة تتناغم وميولات وتوجهات الآخرين كفيلة بالخروج بنا من دهاليز العزلة والوحدة، فهذه الأنشطة هي جسر لكسب والتعرف على أصدقاء جدد من خلال التعاطي لمجموعة من الهوايات والأنشطة ذات الطبيعة التداولية والتفاعلية (الرياضة، الفن، المشاركة في أعمال خيرية وتطوعية…)

ومن زاوية أخرى، فإن تجاذب الكلام والحديث قد يكون حجر عثرة وإشكالا رئيسيا في شكل وطبيعة الاندماج مع الغير، إذا نحن لم نكن على بينة وإلمام بأدبيات الحوار، ولا نملك أدوات وآليات النقاش والتجاوب مع المحيط.

إن الأفراد المنعزلين والمنكفئين على ذواتهم، تنتابهم حالة من الرهاب والخوف والشك من الآخر و كدا عدم الثقة في قدراتهم ومؤهلاتهم.

فغالبا ما يكون الإنسان المتقوقع على ذاته سجين الإحساس والشعور بالنقص والدُّونية، فهو يعتقد أن شخصيته لا تتكيف ولا تتوافق مع قيم ومعتقدات الذين يتعامل ويتواصل معهم.

وفي هذا السياق، فإن اكتساب واكتشاف أصدقاء وعلاقات جديدة، لا يستقيم دون إيلاء الاهتمام بالآخرين والتجاوب معهم، على اعتبار أن الاندماج والانصهار في المحيط مهم وأساسي، للعثور على صداقات ملتزمة وجادة.

وعليه فالانفتاح على الآخر، يتطلب منا المراهنة على الثقافة السائدة في المجتمع ومحاولة إدراكها واستيعابها، وكدا الابتعاد عن القيم المتعالية التي قد نؤمن ونتشبث بها.

هذا لا يعني أنه يلزمنا تطابق أو تناسق فكري بيننا وبين الآخر، بل على الأرجح يجب أن تكون لنا القدرة على مخالطة ومعاشرة الغير، ومحاولة مسايرة وتتبع سلوكاته وتصرفاته بروية واتزان دون التفريط في هويتنا الفكرية والنفسية، مع التركيز والتأكيد على معايير الموضوعية والعقلانية في انتقاء وكسب صداقات جديدة.

3. تكوين صداقات جديدة مؤسسة على القيم والمواقف المتوازنة

العيش وحيدا ومنعزلا غالبا ما يدفع بصاحبه إلى الاحباط والاكتئاب ويدخله في دوامة من الاضطرابات والانهيارات النفسية التي تأخذ أشكال وصورا سلبية قد تصل إلى البكاء أو الصراخ…

فالانزواء في ركن معزول يبرز بشكل واضح الميولات السلبية اتجاه الآخر، مما قد يجعل هذا الأخير لا يجرؤ على الاقتراب أو التودد منا، لأن إيحاءاتنا وإشارات محيانا وكذلك حركات جسدنا، توحي وتشير إلى وضع وسلوك انعزالي، يكون سببا وعائقا في توجس وتخوف الآخرين، مما يبعد إمكانية الحديث والتواصل معنا.

إن الابتسامة أو رفع الأيادي للتحية أو الإيحاء بالسلام أو بالتجاوب مع حركات الغير وانفعالاتهم، كلها عناصر وآليات مهمة وأساسية في تكريس وتأكيد التجاوب والتفاعل مع المحيط. والمشي باستقامة وكدا رفع الرأس إلى الأعلى هي إشارات وعلامات تؤكد التوازن الذهني والنفسي للفرد، وهي تعبير واضح على الثقة في الذات، وهي كذلك تتويج للقدرات والإمكانيات المتميزة في اختراق الآخر وفي الانصهار بسرعة وسلاسة في المحيط المعيش.

4. كسب صداقات موفقة غير محقق إلا بالإعلان عن اهتماماتنا بعقلية منفتحة

حب الناس وتجاوبهم، والإحساس بأنهم لا يكرهوننا ولا يحقدون علينا، معطى إيجابي وحافز لكسب زخم وعدد كبير من الأصدقاء.

إن الانفتاح الإيجابي على الآخرين يتجسد من خلال عرض وتقديم ميولاتنا واهتماماتنا وانشغالاتنا الذاتية وربطها برغبات ونزوعات الآخرين.

بمعنى آخر، إن تحقيق التوازن بين الذات والآخر، هي معادلة صعبة التحقيق، لكنها ليست بالمستحيلة، بل يلزمنا فقط تفهم الآخر وكسب وده وثقته حتى يتسنى لنا فتح المجال لخلق صداقات وعلاقات أكثر وضوحا ومصداقية.

وللوصول إلى التجاوب والاندماج مع الآخرين، يُستحسن بنا أن نكون عفويين وطبيعيين وتكون لنا دراية وإدراك لقواعد الكياسة واللباقة في أحاديثنا وتصرفاتنا.

فالعفوية واللباقة مطلوبتان لبلوغ صداقات متزنة ومتوافقة مع اهتماماتنا وانشغالاتنا، لأن الإحساس بكوننا نتوفر على صديق أو مجموعة أصدقاء أوفياء وغير مزعجين أو باعثين للضجر والقلق، هو أمر في غاية الأهمية، لأنه يساعدنا في الترقي بمعنوياتنا وفي تحسين وتطوير مقوماتنا ومؤهلاتنا الذاتية.

فالسلاسة والليونة في التعامل مع الآخرين، وكدا الإصغاء والتجاوب مع انتظاراتهم وتطلعاتهم، هي عناصر ووسائل ناجعة لردم الحدود والفوارق التي قد تكون عائقا في كسب وتوطيد أواصر الصداقة والتعارف معهم .

فالواقعية والتجرد من الأنانية المريضة والمنكمشة، وكذا توظيف لغة الجسد والإيحاء في تقريب وتحبيب الآخرين إليك، كلها آليات فعالة للحصول على أصدقاء مخلصين وجادين في تثبيت وتكريس كنه وروح الصداقة الحقيقية، مع الرهان دائما على قدراتنا وإرادتنا الصادقة في كسب وتكوين صداقات تعود علينا وعلى الآخرين بالنفع والخير العميم.

نتمنى عزيزي القارئ، أن يكون جو الصداقة والصحبة التي تعيشها إيجابيا وصحيا، وإذا كان العكس، فما عليك صديقي العزيز إلا أن تساءل ذاتك وتتفحص ما يجول بداخلك، وهل علاقتك بالمحيط الخارجي لا يكتنفها خلل أو علة.

فإذا أحسست قارئي الوفي بتصالح وانسجام بين ذاتك والآخرين، فأكيد أنك على الطريق الصحيح والسليم.

وإلى أن يحين اللقاء بك عزيزي القارئ في مقالة قادمة، فنحن في انتظار ملاحظاتك وتعليقاتك القيمة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *