التصنيفات
غير مصنف

التواصل اللاشفهي وفن تشارك وتقاسم الانفعالات والأحاسيس دون أن نتكلم

كما هو معلوم، نعيش اليوم في عالم من التفاعلات وتبادل المعلومات وتقاسمها.

هذه الغزارة والكثافة في عمليات التفاعل وتلقي وإرسال المعلومات والمعارف، تزيد من أهمية وضرورة اكتساب مؤهلات وأدوات وطرق تمكننا من التجاوب والتفوق في المهام المنوطة بنا.

ومن المهارات المطلوب توفرها والعمل على تطويرها، الفعالية الاجتماعية، بمعنى آخر على الفرد الانصهار داخل محيطه الاجتماعي، والعمل جاهدا بغية تطوير آلياته الاجتماعية وتجويدها، من خلال تمثيل الأواصر والعلاقات البينية والجماعية مع الآخرين، من أجل انتشاء الاكتمال والاشباع الذاتي.

إن الانفجار المعلوماتي والتواصلي الذي نحياه ويتقاذفنا عبابه، وهذه التطورات المتلاحقة والسريعة التي تجعل مواكبة واتقان فن التواصل والتفاعل من المهمات الصعبة والمعقدة.

وإجمالا، فإن امتلاك واكتساب أدوات التواصل والتفاعل مع الآخرين، تؤهلنا لكي نبعث بأحاسيسنا ومواقفنا عبر رسائل تكون أكثر جلاء ووضوحا، محملة بمعاني وتعابير تجسد وتعبر عن ذواتنا اتجاه الآخر والمحيط.

ويعتبر التواصل اللاشفهي من التعبيرات والصيغ التواصلية الأكثر انتشارا وفعالية.

فأكثر من %80 من الرسائل التي تطلقها عزيزي القارئ، لا تتطلب تَحَقُقًات وصياغات ملموسة ومحسوسة، (هذه نسبة مؤثرة ومدهشة تستحق منا بعض التحليل).

إن هذه النسبة الكبيرة من الرسائل التي يتم إطلاقها، لا تحتاج إلى فعل شفهي، أي إلى التعبير عنها بالكلام، بمعنى آخر أن علاقاتك عزيزي القارئ وارتباطاتك بالآخرين، لا تتطلب دائما مجهودات وتعبيرات كلامية (شفهية).

بل هناك وسائل ووسائط لا شفهية في التواصل وفن مشاركة وتقاسم الآخرين لأحاسيسك ورغباتك دون النبس بكلمة واحدة.

فما هي الوسائل والسبل لتحسين وتطوير قدراتك التواصلية عن طريق توظيف التعبير الجسدي؟

1. مكونات وأسس التواصل اللاشفهي

يرتبط التواصل اللاشفهي بمجموعة ظواهر وتجليات جد هامة ومحدَّدة وكاشفة للعقليات والانفعالات والمؤثرات التي تحكمنا وتؤثر علينا بشكل أو بآخر.

التواصل اللاشفوي ووضعية الجسد وتحركاته

إن الارتباط النفسي والجسدي وثيق ومحوري في انفعالاتنا وتصرفاتنا اتجاه الآخر، وفي مواقف ومواضع معينة.

لذا يجب أن نحرص على إرسال صورة واضحة ومتكاملة عن ذواتنا.

وهذا لا يتحقق إلا من خلال شحذ وتجويد هذه الصورة بمقتضيات وتطلعات المحيط.

فلا أحد يرغب أثناء اختبار أو محادثة متعلقة بطلب شغل أو وظيفة، الظهور في شكل مكترب أو مرهق أو متقوقع على ذاتك.

والعكس صحيح، فلا أحد يرضى أن تكون منطلقا بشكل عبثي، أو غير مهتم أثناء لقاء أو تجمع من المفروض فيه أن ترسل إشارات ورسائل باعثة على الإعجاب والتقدير.

فمثلا جمع الأطراف العليا أو السفلى (الأيادي والأرجل) تعبير عن الانغلاق والانكماش داخل محيطك.

وكذلك انحناءة الظهر تعطي للآخرين صورة الخضوع والسلبية في تحمل المسؤوليات.

فوضعية الفرد والمكان الذي يتحدث منه تلعب دورا في بعث صورة معينة للآخرين، فلا يجب أثناء الحوار عزيزي القارئ أن تأخذ وضعا ثابتا أو جامدا.

فهناك مجموعة من الأفراد يرفضون التفاعل مع الآخرين، وأغلب الظن تكون الأسباب راجعة إلى نقص في كفاءة ومهارة إدارة الحوار وتفعيله مع محيطهم.

لهذا يعملون بشتى الطرق والوسائل على رفضه والوقوف في وجه أي علاقة فيها يتحقق التفاعل والتواصل.

إن وضعيات وحالات الجسد في أغلب الأحيان تكون عفوية وغير محكومة بالقصدية.

فما عليك عزيزي القارئ إلا أن تقارن وتعاين بين تواصلك اللاشفهي مع أصدقائك في جو ودي وهادئ، وبين سلوكك وتواصلك وأنت في قلب وخضم اجتماع مهني.

ومن خلال هذه المقارنة أو المعاينة ستكتشف عزيزي القارئ أن مستويات وأشكال وصور التواصل اللاشفهي تختلف وتتدرج من شخص لآخر، ومن محيط لآخر.

التواصل اللاشفوي وعلاقته بما هو بصري

إن للاتصال والارتباط البصري بين الناس دور هام ومحوري في التفاعل الإنساني.

فنظرتك عزيزي القارئ أداة فعالة وقوية في تواصلك اللاشفهي.

فهل تعلم أن التواصل والاتصال البصري الطبيعي والعادي بين الأفراد يلزمه فقط ثلاثة ثوان؟

إن التواصل البصري يحدد مدى قابليتك وجاهزيتك للتفاعل أو العكس، قد يورطك في حالة افتقادك للثقة بالنفس والخوف والرهاب من أحكام الآخرين.

فالشخص الذي يركز ويحدد نظره حول الجزئيات والتفاصيل، على حساب الأشخاص الفاعلين في عملية التواصل، يبعث برسائل رديئة وغير سليمة، تَنِمُّ على نقص وعجز في مؤهلاته التواصلية.

وفي السياق نفسه، فالنظرة الملحاحة والحادة والمتعالية تعبر عن خلل ونقص في التجاوب والانصات للآخرين.

وكذلك غض الطرف إلى اليسار (أي توجيه عيوننا نحو اليسار) هذا السلوك يعبر عن الامتناع أو الكذب.

إذن للعيون لغة خفية وفاعلة، فللنظرة دور رئيسي في تحقيق أداء متميز وساري المفعول، والعكس صحيح في هذه العملية.

التواصل اللاشفهي انطلاقا من عنصري الحركة والتحفيز

الحركة أداة جوهرية في التفاعل اللاشفهي، فإيقاع الحركة ومداها دعامة هامة في بعث رسائل متنوعة ومتعددة.

فالأشخاص الذين يكونون في حالة ضغط أو قلق، يُصْدِرون حركات متتالية وسريعة ومهتزة.

في حين الأشخاص الذين ينعمون بالهدوء والتريث، تكون عندهم قدرة وقابلية على تكييف وتعديل أوضاع غير ملائمة بتعبيرات جسدية أكثر جاذبية وفعالية اتجاه المحيط.

ولتوضيح الصورة نأخذ نموذج شخص في حفل أو لقاء اجتماعي، فنعمل على ملاحظة تصرفاته وتحركاته، ونطرح الأسئلة التالية:

كيف يتحرك؟ هل يعمل على ارتشاف كوبه بشكل متواتر؟ هل رشفاته صغيرة؟ إذا كان الجواب بنعم. فهل هو فعلا عطشان؟ أم أن الحرص على ابراز هيئته ووضعه الجسدي بشكل لا واع هو السبب؟

أهمية حجم وطابع الصوت في التواصل اللاشفهي

إن عنصر الصوت ضروري في التفاعل اللاشفوي، فهو يعمل على تحديد صياغة معينة للكلمات، التي ترتبط ارتباطا وطيدا بالخطاب واللغة الشفهية.

وعملية النطق في أي علاقة تواصلية ناجحة تعتمد على مدى قدرة الشخص في ضبط الصوت والتحكم فيه.

لأن هذه المهارة تدخل ضمن المؤهلات والقدرات الجسمانية التي بحوزتك.

ويبقى الجانب النفسي حاضرا وبقوة في نقل وتوصيل هذه التعابير بشكل أو بآخر.

فمثلا الصوت المرتعش أو الغير المسموع أو إلقائك وطريقة نطقك السريعة، هذه الاهتزازات الصوتية والسرعة في النطق كلها عوامل تدل على القلق والاضطراب النفسي.

في حين، إذا ما تمكنا من التحكم في جهازنا التنفسي (عملية التنفس)، فإن بصمة وطابع الصوت يكون صافيا ومستوى نطقنا جيد.

هذه المؤشرات تدل وتعبر عن الثقة والاعتزاز بالذات وبمؤهلاتها.

التواصل اللاشفوي وتعابير الوجه

إن الرسائل الاكثر وضوحا، والتي تكون موجهة إلى الآخرين، يجب أن تكون مفعمة ومصاغة بتقاسيم وتعابير الوجه.

وعليه فإن هذه الرسائل التي يبعثها الوجه للآخرين يجب أن تكون متوافقة ومنسجمة مع الموقف والوضعية المطلوبة.

فمثلا، تقطيب الحاجبين إشارة وإيحاء للقلق والاكتراب، في حين الابتسامات الجانبية التي لا تكون في السياق المطلوب، تعبر عن اللامبالاة وعدم الاهتمام، وكذلك يعتبر عض الشفاه تعبيرا عن الضجر والانزعاج.

وفي مقابل ذلك، فالابتسامة المشرقة والعريضة، وكذلك العيون المتفتحة والبراقة، هذه المميزات أو هذه التعابير التي يبعثها الوجه تترجم انفتاحا في العقلية وانصهارا وتطابقا مع نشاطك ومحيطك.

2. التواصل اللاشفهي تأكيد على الثقة في الذات

إن أفضل وأنجع الأفراد المتواصلين، هم الأشخاص الذين يتمتعون بملكات وقدرات تواصلية بارزة داخل محيطهم.

هذه من الخصال والسمات أو كما يطلق عليها الكاريزما، وهو مصطلح كثير التوظيف في العلوم الاجتماعية وخصوصا في علم السياسة.

فالكاريزما عنصر وركيزة أساسية وضرورية لبلوغ التفرد والبروز.

ومن شروط تحقق الكاريزما حضور الآليات والأدوات المتحكمة في التواصل اللاشفهي.

وأهم هذه الآليات الوعي والإدراك بأهمية الجسد، كمعطى وكإيحاء ظاهر وضمني في السيرورة التفاعلية اللاشفاهية.

وحتى يكتمل سير وسريان التواصل، فالعيون والنظرات التي تبعثها أو تلتقطها، يكون لها فعل ووقع كبير.

فالنظر بتمعن وهدوء دليل على التمرس والتمكن من ملكاتك ومواهبك التواصلية.

أي أن الكاريزما والثقة بالنفس، ليست عناصر أو طباعا فطرية، بل يلزم الاشتغال عليها واختبارها داخل حياتنا اليومية، حتى نستطيع استخلاص واكتساب انفعالات وردود فعل طبيعية اتجاه الآخرين واتجاه المحيط الذي نتواصل معه مباشرة.

3. بعض التمارين للرقي بتواصلك اللاشفهي وبجودة أداءك

لتطوير أداءك التواصلي اللاشفهي، يستحسن القيام بمجموعة من التمارين وبشكل متكرر، ليتسنى لك عزيزي القارئ إحكام مراقبة الإشارات التي يبعثها جسدك.

التحكم في وقفتك ووضعيتك أثناء الوقوف

لزاما عليك عزيزي القارئ، إذا أردت بلوغ نتائج جيدة وانطباعا إيجابيا من طرف الآخرين، أن تقف مستقيما ورأسك مرفوع للأعلى، وأن تكون فخورا بما أنت عليه ولا تعير الاهتمام لنظرة الآخرين.

تبنى عزيزي القارئ وضعية وقوف تعبر عن انفتاحك و تجاوبك مع مخاطبيك، وحاول التقرب منهم عند الحديث، فذلك يعطي الدليل على رغبتك و إرادتك في التجاوب والتفاعل مع الآخرين، دون أن تنسى رسم ابتسامة على محياك.

فمثلا إذا كنت جالسا تتصفح ملفا يخص عملك، حاول أن تنحني بلطف، وأن تعمل على تمديد رجليك لملء فضاءك الطبيعي.

نظرتك للآخرين يجب أن تكون مطبوعة بالتماسك

إذا كنت عزيزي القارئ تحس بنوع من الخجل والتردد أثناء النظر للآخرين، فما عليك إلا أن تقوم بجولة في شوارع مدينتك أو محيطك، وتعمل على النظر والتفحص في وجوه عيون الآخرين بجرأة وتبات.

فإذا ما استطعت عزيزي القارئ التفوق في هذا التمرين بجعل الآخرين يغضون النظر عن نظراتك المخترقة والجريئة، (بعيدا عن إرسال نظرات تحمل إشارات العدوانية والتهديد).

وبتكرار هذا التمرين وإعادته ستتمكن من تأهيل وتثمين ثقتك في نفسك، وسيكون دافعا للاختلاط السلس بالآخرين.

ولكي تكون نتائج هذا التمرين متميزة ومشجعة، أنصحك عزيزي القارئ بالإدمان على ارتياب وحضور التجمعات والمناسبات حتى تشحذ وتطور قدراتك التفاعلية اللاشفهية.

كن متيقظا وبارعا في توظيف طاقاتك

لا أحد يستطيع التحاور أو الكلام مع شخص متوتر وعصبي وغير قادر على التحكم في ذاته وجسده.

فكل إشارة أو حركة صغيرة، الغرض منها اخفاء أو طمر خلل أو فراغ معين محظورة ومخالفة للاكتمال التواصلي.

فمثلا اللعب بولاعة أو بخاتم أو بالشَّعر…هذه سلوكات وتعبيرات لاشفهية تدل على اهتزاز واضطراب في نفسية الشخص.

من المفروض والمحبب ضبط والتحكم في حركاتنا وإيماءاتنا رغم بساطتها وتفاهتها.

لأن الرسائل الملتقطة من طرف الآخرين غالبا ما تُحَوَّر ويتم تحريف مضمونها وغاياتها.

خذوا وقتكم الكافي والكامل لبلوغ التفاعل والتواصل الفعال

إن الاسترخاء والتفكير المطول في العناصر والحركات المحفزة لتحقيق تواصل وتفاعل كامل وفعال، ضروري وهام لبلوغ المرامي.

إذا الهدوء والاستلقاء لمدة ووقت معين أساسي في التركيز وفي الحفاظ على مقوماتك الذاتية قبل الخوض في عملية التواصل والتفاعل مع الآخرين.

الاشتغال على صوتك وتنفسك

إن صوتك وخانته ومحمول الرسالة التي يريد بعثها تعكس اعتدادك بنفسك وثقتك فيها.

وللوصول إلى هذه المرحلة تستطيع عزيزي القارئ القيام بمجموعة تمارين تخص عملية التنفس.

أولا يجب عليك أن تستنشق الهواء بكميات وفيرة حتى تحس به داخل رئتيك وبطنك.

وفي عملية الزفير نعمل على ترديد ونطق كلمات تهمنا وتساعدنا على الإقدام والاعداد لعمل نحن مقبلون عليه أو ماضون فيه.

وبهذا ستكون عزيزي القارئ، قد تمكنت من اجتناب الاضطرابات والارتدادات التي قد تلحق بأداء صوتك وطريقة نطقك الكلمات والعبارات.

الحوار أو التحاور اللاشفوي يبوؤك ويؤهلك من تطوير كفاءتك العلائقية

كما هو متعارف عليه ومعمول به، فإن التواصل والتفاعل سواء المهني أو الشخصي يمكنك عزيزي القارئ من التعبير والإفصاح عن احتياجاتك ورغباتك وأهدافك.

والحرص على اكتساب وعي بأهمية التواصل اللاشفوي تقوي صورة المتواصل بشكل ملموس ومحسوس وتعطيه شرعية القدرة على توظيف هذه العناصر والمعطيات في تواصلنا مع الآخرين دون الوقوع في الارتجال أو التردد.

ونافلة القول في هذا الموضوع، نصيغها في صورة إشكالية محورية.

فكيف تثمن وتقدر عزيزي القارئ مؤهلاتك اللاشفهية في التفاعل مع المحيط؟ وهل لغتك الجسدية منفتحة ومتصالحة مع الآخرين؟ أو العكس؟ وهل ستتمكن عزيزي القارئ من استغلال هذه الآليات والأدوات التي طرحناها عليك آنفا في صقل ثقتك وإيمانك بذاتك وبمقوماتك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *