التصنيفات
غير مصنف

كيف نكتشف التلاعب والمتلاعبين ونَحُدُّ من تأثيرهم؟

ن تصوراتنا وتمثلاتنا لعالم طوباوي ومثالي، يعيش فيه الأفراد علاقات وروابط، يطبعها التعاون والإخاء والتكافل. وترتكز فيها جهود الأفراد وإنجازاتهم على رؤية شاملة وجماعية، تتوخى وترنو لتحقيق المنفعة والمصلحة العامة.

فلا عجب إذا قلنا أن هذه الصورة المثالية، تبقى من وحي خيالنا، لأنه مع الأسف الشديد نعيش ونحيى مفارقات وتناقضات، تغيب عنها معايير وقيم الصدق والجدية وتفهم أعطاب ونقط ضعف آخرين.

وارتباطا بالواقع المعيش، نحن دائما معرضون للوقوع في موقف تلاعب أو مراوغة من الآخرين، لإيقاعنا في شباكهم، للوصول إلى غاياتهم وأهدافهم المسمومة، على حساب الإضرار بالآخرين والإيقاع بهم.

سبق لنا التطرق إلى مجموعة من الانحرافات الاجتماعية والنفسية. لكن موضوع مقالة اليوم، يعالج آفة خطيرة، قد نكون عرضة لها، ولا نستطيع استيعابها واكتشافها مبكرا. مما قد يضيع علينا فرص تجاوزها ومقاومة مرتكبيها. فآفة التلاعب وإيقاع الآخرين في نزاعات وخلافات كان من الممكن تجنبها، هي ظاهرة وسلوك اجتماعي مشين، قد يساهم في تفكك النسيج الاجتماعي والارتباط الإيجابي بين أفراد المجتمع.

1.الاعتماد على حواسنا وميولاتنا النفسية للكشف عن المتلاعب

إن الاعتماد على حواسنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، مهم لكي نستطيع اكتشاف فعل أو قول، نشتم فيه رائحة التلاعب والمراوغة.

فهل صادفتم عزيزي القارئ يوما متلاعبا يريد إيقاع بكم والنصب عليكم؟

أتمنى عزيزي القارئ، أن يكون الجواب بالنفي. هذا لا يمنع من أن نتخذ حذرنا واحتياطاتنا، حتى لا نقع فريسة لمتلاعب أو مناور يحاول الإيقاع بنا لقضاء أغراضه وأهدافه الوضيعة.

إن الارتباط بحدسنا ونزوعا تنا النفسية، في رصد وكشف صدقية أو تلاعب الشخصية التي أمامنا، ضروري وأساسي للكشف عن زيف أو صدق الخطاب الذي نستقبله.

2.الميزات والسمات الرئيسية الكاشفة عن التلاعب

الاحتيال والتلاعب بالغير، سلوك وصفة ليست حكرا على جنس محدد أو مجال معين، بل هي تتخفى وتبرز حسب الحالات والمواقف. أي أنها غير محددة المعالم والملامح.

من هنا تكمن قدراتنا وإمكانياتنا الذاتية في التعرف والكشف عن التلاعب. وموازاة مع ذلك، لا يمكن أن نعتبر الفرد الذي يُصِرُّ ويُلح على أقواله ويرغب في فرضها على الآخرين، أنه شخص محتال ومتلاعب. فهذا منطق مغلوط وحكم واهي ويُجانب الصواب والعقل.

التعرف على المتلاعب من خلال مزاجه المتقلب فجائيا:

إن الشخص الذي يتوفر على قدرة الاقناع والتحكم في نفسية الآخرين، وتكون له ميولات لتقويم وتهديب الآخرين وإرشادهم إلى طريق الصواب، تكون غايته فقط، هي كسب ثقة ونفوس مخاطبيه، لكي يسهل عليه في نهاية المطاف الانقضاض عليهم والإيقاع بهم في مصيدة التلاعب.

فالمتلاعب يتقمص ويشخص الحالات العاطفية والنفسية، ويحاول دغدغة مشاعر وأحاسيس مخاطبيه، بلغة وخطاب وأسلوب يتقفى تغييب عقل وتفكير الضحية.
إن ضبط الآخر والتحكم فيه على مستوى الخطاب والتواصل، أداة ووسيلة ناجعة لتجاوز المخاوف والمخاطر.

للمتلاعب وسائل وطرق عدة للإيقاع بضحاياه، والاستفراد به، فهو يركز قدراته الذاتية على استفزاز وتهييج الانفعالات النفسية والعاطفية لمخاطبيه لصالحه. بل يمارس كل أنواع الألاعيب والحيل لاحتواء فريسته وتملكها نفسيا وذهنيا، حتى بلوغ غاياته ومقاصده الشخصية. دون أن يعير الاهتمام للأضرار والعواقب التي قد يخلفها فعله على ضحاياه.

وعليه فإن السمة الرئيسية للمتلاعب، هي التقلب المستمر لمزاجه، وهذا دليل على رفضه الذاتي للسلوكات المشينة التي يرتكبها في حق الآخرين، وكذلك يشير هذا التقلب في المزاج للمتلاعب إلى اعتراف ضمني بالتورط في فعل أو عمل معيب وخاطئ.

فكثير من الأبحاث والدراسات التي تعتبر المتلاعب أناني إلى أبعد الحدود، على اعتبار أنه يغار من الآخرين، وعليل في الغلو والاعتزاز بنفسه وبقدراته الذاتية (النرجسية).

التعرف على المتلاعب من خلال طريقة إجابته عن أسئلتنا:

إنه بمجرد طرح أسئلة بسيطة على المتلاعب، يمكن أن نضبط ونتحكم في إرادته ورغبته.

المتحايل لا يرضخ ولا يتنازل بسهولة عن أفعاله واعتقاداته، ولا يرضى بحرمانه من مصلحة أو هدف يرغب فيه. فجوابه عن الأسئلة المطروحة عليه، يكون دائما فيه عدم التنازل أو الحرمان من أهداف وغايات نريد تحقيقها.

المتلاعب يعتقد دائما أنه يحتوي الآخرين وله القدرة على إقناعهم، فهو يظن أنه يعرف ضحيته جيدا ويُلم بانفعالاتها وسلوكاتها. فهو لا ينتظر من مخاطبيه أن يكونوا على دراية وعلم به وقادرون على كشفه. فهو يعتبر أن قدراته العقلية والذهنية أقوى من الذين سيوقعهم في شباكه.

فحركات وملامح المتحايل والمتلاعب تبرز وتظهر جلية عندما يكون مقبلا على القيام بعملية تلاعب أو احتيال على مخاطبيه.

فلهذا يجب أن نركز تفكيرنا ونضبط ونتحكم في انفعالاتنا وتصرفاتنا، حتى يسهل علينا اكتشاف الاحتيال والتعرف على المتلاعبين، لأنهم يتخفون وراء أقنعة وهيئات وأشكال مختلفة ومتنوعة، مما يُصعِّب ويعقد مهمة التعرف والكشف عن الاحتيال والتلاعب.

التعرف على المتلاعب من خلال عبارات وأساليب المجاملة:

من المعتاد أن المحتال والمتلاعب غالبا ما يلبس أقنعة وأثواب الشرف والأخلاق والمثل. فهو دائما سباق إلى مجاملة الآخرين وتشنيف أسماعهم بأجمل وأعذب عبارات اللباقة والمجاملة الغير الصادقة.

هذه الأساليب والطرق هي صورة من صور الاحتيال والنصب التي يتعمدها المتلاعب من أجل نيل تجاوب الآخرين ورضاهم. فاللباقة والمجاملة هي صنارة وطعم يوظفه المتحايل باقتناص ضحاياه المرتقبين، الذين لا يدركون فحوى هذه المبالغة في اللباقة والمجاملة التي يبعثها المتحايل لصالهم.

لهذا فالمتحايل يستغل عدم إدراك أو جهل الآخرين لهويته وسلوكاته، وكذلك مواقف الضعف والعجز التي يقع فيها ضحاياه، فيسهل عليه إيقاعهم ونيل أغراضه منهم.

التعرف على المتلاعب من خلال نقص قدراته وأداءه الاجتماعي:

إن النطاق والفضاء الذي يتلاعب فيه المتحايل يكون ضيقا ومحصورا، ولا يستطيع أن يمدده أو يوسعه، لأنه يخاف الوقوع في شباك ضحاياه السابقة. فهو يفضل عدم الاختلاط بالآخرين حتى لا ينكشف سره، فهو دائما يميل إلى عزل ضحاياه ومخاطبيه في فضاء محصور وضيق، لكي يسهل عليه التمكن منهم وبلوغ مقاصده وأغراضه.

بالإضافة إلى ذلك، فالمتحايل لا يعترف بنجاحات الآخرين لأنه يعتبر نفسه أفضل وأقدر منهم على التفوق والنجاح.

فهو لا يؤمن بصداقات جديدة وبالاختلاط مع أناس جدد، فمثلا إذا قدمت له شخصا أو صديقا جديدا، فهو يفتعل الخلاف والنزاع، حتى لا يوطد ويوثق علاقة جديدة غير مدرك لسلوكات وتصرفات أصحابها.

إذا المتلاعب يخاف الاختلاط والتعرف على أناس جدد، ظنا منه أنهم سيكشفونه وسيتعرفون على حيله وألاعيبه.

3.كيف نواجه المتلاعب وجها لوجه؟

إن أول خطوة يمكن القيام بها وتجنب الاحتيال والتلاعب، هو تفادي التواصل والتفاعل مع هذه الشريحة من الناس، التي تتقنع وتتخفى وراء عدة أساليب وطرق غير واضحة.

فالمتحايل في علاقته مع الآخر، دائما يفكر في ضبط وتوريط انفعالاتنا وعواطفنا عن طريق اختلاق أكاذيب وحيل تستفز وتهيج المشاعر والأحاسيس، وتهمش استعمال المنطق واستخدام التفكير المترابط والنسقي.

وعليه فإن سلوك المتلاعب ومنطقه يرتكز على إقناعك ونصحك بقيم ومثل غاية في الأهمية، حتى لا يترك المجال لسؤاله ونقاشه عن الخفي والضامر من سلوكاته.

ولكي تكون مواجهتك ومكاشفتك للمتلاعب، ذات مغزى ومفعول، يجب أن يعي المتحايل أنك لا تتنازل عن اختياراتك وانجازاتك، وأنك تتوفر على كامل الإدراك والوعي بأعماله وأفعاله، ولا تنتظر مساعدة أو مشورة الغير.

بالإضافة إلى هذا، يجب أن يعرف المتلاعب، أنك مؤمن وواثق بمؤهلاتك الذاتية وحر ومسؤول عن جميع ما تفعله وما تقوم به.

بالفعل، الاندماج في المحيط والتحلي بأخلاق الشرف والنبل، هي وصفات فعالة لمواجهة الاحتيال والتلاعب. على اعتبار أن المتحايلين لا يستطيعون إثبات مصداقيتهم ونجاعة أقوالهم داخل محيطهم الطبيعي.

لهذا فهم دائما يتعمدون اصطياد ضحاياهم في نطاقات محصورة ومحدودة، تكون بعيدة عن الجماعة وعن التفاعل الاجتماعي الطبيعي السلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *