التسويف: الحرب المعلنة

قرائي الأعزاء، لقد حان الوقت لنفض غبار التسويف والكسل.

فالعدو قد اجتاح وغزا حياتنا اليومية، والواجب يقتضي مواجهته وطرده من محيطنا وذواتنا.

والهدف من كتابة هذه المقالة عزبزي القارئ، هو تحرير المبادرة الذاتية وتحفيزها، والنأي بها من مخالب العدو المتربص بنا.

فالتسويف وارجاء وتأجيل المواعيد والأنشطة إلى أجل غير معلوم، أو ما شابه ذلك من المنعوت، تعد من العوامل المؤثرة في أسباب التفوق والانجاز.

والشجاعة وقوة الإرادة والرغبة في اتخاد القرارات والاختيارات الصعبة، هي المفاتيح السرية عزيزي القارئ، لتحقيق أهدافك وبلوغ الرضا عن الذات.

فأين تتجسد تمظهرات التسويف؟ وكيف وما السبيل لمواجهته والتخلص منه؟

1. التسويف: كشف هذا العدو واقتلاعه

إن سبل وأدوات مواجهة التسويف ومحاربته داخل حياتنا اليومية، لا يمكن التوفق فيها، إلا إذا استطعنا تحديد وقعها وتمثلاتها في يوميات حياتنا.

فإذا كان تعريف التسويف، يقترن دائما بإرجاء المواعيد، وتأجيل الأعمال إلى وقت لاحق، بحجة وجود عراقيل أو صعوبات تَحُولُ دون الانضباط والتقيد بالالتزامات مع الآخرين.

وكتعريف ساري التداول، التسويف هو خلق الأعذار والحجج بغية التحلل من مهمات والتزامات على عاتقك. باعتبار هذا الالتزام لا يحقق لك الرضا والاكتفاء الذاتي الفوري.

فعدونا قارئي العزيز لا يتجسد ولا يظهر بمظهر أو شكل واحد متوحد، بل يتخفى ويتقنع في عدة وجوه وأشكال وحالات يَسْتَعْصِي معها تحديد هويته وتجلياته داخل حياتنا اليومية، وهنا تكمن الإشكالية والصعوبة.

فهل التسويف ينحصر فقط في حالتنا العملية والمهنية؟ أم أنه حالة متجذرة في ثقافتنا وموروثنا الاجتماعي السلبي؟

التسويف يتجلى في ثلاثة أوجه، فإذا أدركت عزيزي القارئ أنك تعيش حالة من هذه الحالات فلا تتردد في الانسحاب بدون سابق انذار.

– الاستهانة بالوقت وعدم تثمينه: أي أننا لا نُعِيرُ للوقت أهمية، فالثانية كالدقيقة والدقيقة كالساعة… وهكذا دواليك، أي لا مكان ولا أهمية للوقت والزمن.

ونظرا للأهمية القصوى التي يمثلها الوقت، فإن تبخيس وتقزيم دوره يؤدي لا محالة إلى إحداث خلل وتخلف في العطاء والمردودية.

فاحترس عزيزي القارئ واحرص على تثمين الوقت، ولا تتماطل ولا تتهاون في الانضباط واحترام الالتزامات والمواعيد مع من تربطك بهم علاقة مهنية أو ما شابه ذلك…

-المبررات الزائفة: إن التسويف سلوك غير سوي يتحصن به المُماطِل لإخفاء عدم رغبته، أو عدم استعداده للإقبال على شيء أو عمل معين، فيعمل على اختلاق المبررات والحجج والأعذار والأكاذيب، التي لا تمثُّ للواقع بصلة، المهم عنده هو التخلص من هذا الالتزام والتهرب منه.

طبعا هذه السلوكات المنحرفة تؤثر بشكل عميق وفعلي على تركيبتنا النفسية.

لأن التعود على افتعال المبررات والأكاذيب، وأحيانا أحداثا ووقائع واهية للتخلص من وعود والتزامات مع الآخرين، يراكم بشكل مباشر مجموعة أحاسيس ومشاعر وربما أوهام، توحي لك عزيزي القارئ أنك صادق وجدي فيما أنت مقدم عليه، في حين العكس هو الصحيح.

-إختلاق الذرائع والحجج: أساليب وطرق التسويف وقعها عميق على نفسية الفرد، إن الالتزام والانضباط في حياتنا اليومية، وفي علاقتنا مع الآخرين، أساسي للصحة النفسية.

فالذات البشرية خليط من الاضطرابات والتناقضات، قد نعيها أو العكس، غير أن نتائجها تكون واضحة وبادية على سلوكات وتحركات الفرد.

التسويف بجميع أشكاله وألوانه مؤثر عل نفسية الفرد، لأنه يُدخِلها في متاهة ودوامة عدم الوضوح والانتظارية وعدم المسؤولية.

الآن، تعرفت عزيزي القارئ على ماهية التسويف، فهل تستطيع مواجهته والقضاء عليه إذا حَلَّ بك يوما ما؟

2. أخرجوا التسويف من حياتكم بكل ما أوتيتم من قوة وشجاعة!

لكي تتمكن عزيزي القارئ من التخلص والقضاء على التسويف، وتسجل أهدافا ونقاطا إيجابية حياله، يلزمك أن تضع تصميما وتخطيطا مدروسا ودقيقا لتحركاتك وأفعالك في مواجهته.

والوقت حان عزيزي القارئ لنفض الغبار عن مؤهلاتك الشخصية القادرة على تحديد مكان الجرح وعلاجه.

– مواجهة التسويف ومحاربته غير ناجعة إذا لم نحدد الأهداف ونوضحها: فمثلا إذا أنا فكرت في القيام بمشروع معين، ومع مرور الوقت تبين لي أنه عمل فيه مضيعة للوقت، وسيستغرق مني جهدا وزمنا طويلا، من الأجدر في هذه الحالة أن أؤجله لوقت لاحق.

التسويف ظاهرة وبيِّنة في هذه الحالة.

باعتبار أنني أريد أن أنفد هذا العمل بمجهود أقل وفي وقت قياسي.

بما أن الجانب السلبي في نفسيتي أوحى لي بالتأجيل والارجاء اعتقادا مني أن نتائج هذا العمل غير مضمونة وغير فورية.

هذه حالة من حالات التسويف، غير أن الرغبة والارادة في انجاز عمل معين لا تثني صاحبها على القيام بما يصبو إليه.

والوعي بالتسويف كعدو لا يحب التقدم والانجاز، وكخصم غير محسوس وغير مرئي، يقوي من حدة هذه المعركة، وهنا تكمن قوة هذه الحرب وصدقيتها في مواجهة هذا الشبح المارد، الذي يترقب ويرصد كل آمالنا وطموحاتنا، لإدخالنا في نفق التسويف والانتظارية.

إن الطريق إلى التفوق والتألق على المدى البعيد، لا تتحقق إلا بالارتكاز على الثقة بالنفس والاعتداد بها وكذا التمسك بالحب الصادق.

إذا ما توافرت هذه العناصر والخصال، فيك عزيزي القارئ، فلا محالة أن التسويف والمراوغة لن تعرف طريقها إليك.

وبالتالي ستظفر بنتائج طيبة ومشجعة في كل ما أنت مقدم عليه.

– مواجهة التسويف تتحقق عبر مشاركة الآخرين مشاريعك: إن الحديث ومشاركة الآخرين مواضيع تخص مشاريعك وأهدافك وتصوراتك لطرق الانجاز والتطور، أمر محمود، لأن إشراك الآخرين بمن فيهم الأصدقاء والأقارب فرصة لتقوية ذاتك وتحفيزها.

إذاً مشاركة المحيط شرط وعنصر هام في التخلص والقضاء على التسويف كسلوك مقوض لكل مبادرة أو إنجاز إيجابي.

– تقليص مصادر التسلية: إن أردت أن يكون تخطيطك وتصميمك للخطوات العملية المقبلة محكما، فأنت عزيزي القارئ ملزم بالإلمام بمؤهلاتك وقدراتك والعمل على تجويدها، والمحافظة على أعلى درجات التركيز الذاتي وتفادي المؤثرات الخارجية السلبية.

وحتى تبلغ مرادك في مواجهة التسويف، يجب عليك أن تكون منضبطا وعمليا في خطواتك.

بمعنى أن يكون الفضاء الذي تشتغل فيه مرتبا ومهنيا، أن تعمل على إقفال بريدك الإلكتروني وهاتفك المحمول إلى حين الانتهاء من أشغالك واهتماماتك الأساسية…

وغيرها كثير من الخطوات والاجراءات التي بإمكانها تخليصك من شبح التسويف وعواقبه.

3.اللياقة النفسية والبدنية لمواجهة التسويف

إن تقوية وتنمية قدراتك الذاتية والبدنية وتثمينها عزيزي القارئ، لمواجهة التسويف واللامبالاة شرط وعنصر أساسي في هذه المعركة.

فمن غير المعقول أن أحارب عدوا في كامل عُدَتِهِ، وأنا متعب ومنهك وخائر القوى. لا ريب أن الهزيمة ستكون من نصيبي، لأنني اخترت شن الحرب وأنا لا أتقوى للعتاد والزاد الكافي، إذا معركتي خاسرة من الأول.

على العكس من هذا، إذا أنا كنت مزودا بجميع المقومات والمؤهلات التي سأحتاجها لخوض هذه الحرب الوجودية (أكون أو لا أكون).

إذاً التأهيل النفسي والجسماني ضروري في أي حرب معلنة، وبما أننا نتحدث عن عدو خفي ومتغير، فإن سلامة وفعالية الذات أمر غاية في الأهمية والضرورة.

لأن مجابهة التسويف تلزم التسلح بمجموعة من الميكانيزمات والتي سبق وأن أشرنا إليها، والمتمثلة في قوة وتماسك شخصيتنا لمواجهة هذا العدو الزئبقي المتحول، الذي ينبعث ويتسلل بدون استئذان إلى نفسية الفرد، فيعمل على تعقيد وتوريط تحركاته وخطواته.

خلاصة القول، الصحة البدنية والسلامة النفسية، عنصران أساسيان في أي معركة أو مواجهة نخوضها. التسويف عدو يصعب ضبطه أو الانتصار عليه، إذا نحن لم نؤهل ذواتنا ومحيطنا في مواجهته والقضاء عليه.

فهل أنت عزيزي القارئ على استعداد وأهبة لمواجهته؟

نتمنى أن يكون الرد بالإيجاب، ونود أن نكون قد أشبعنا فضولك في فهم وإدراك بواعث التسويف، وأساليب مواجهته واقتلاعه.

والله ولي التوفيق.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *