هل الأنا تدفع إلى التدمير الذاتي؟

الهو والأنا والأنا العليا، ثلاثة مصطلحات قدمها سيغموند فرويد، يعتبرها أقسام النفس.

فرويد يقول أن الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة هي الهو والأنا والأنا الأعلى، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة ثلاثة، وما يهمنا في هذه المقالة هو دراسة الأنا المتهورة والمندفعة والغير مبالية بالعواقب التي سيخلفها هذا الغلو في الثقة بالنفس والانحراف عن العقلانية والواقعية في السلوك والمبادرة والإنجاز.

فالأنا كما وصفها فرويد، هي شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالا بين الهو والأنا العليا، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، حيث من الممكن للأنا أن تقوم بإشباع بعض الغرائز التي تطلبها الهو في صورة متحضرة يقبلها المجتمع ولا ترفضها الأنا العليا.

فللإنسان نزوعات وميولات نفسية منحرفة ومعيبة قد لا تستطيع الأنا أن تتحكم وتسيطر على افرازاتها وتداعياتها، فهذا المظهر من مظاهر الأنا ذات النزوعات السلبية تتجسد في شكل أوهام وارهاصات لا أساس لها في الواقع.

ومن سمات ومؤشرات هذا التضخم والانحراف في الأنا، بروز مجموعة من السلوكات والتصرفات الغارقة في الغرور والأنانية والفخر والاعتزاز بالذات بشكل مرضي وتعسفي على شروط الواقعية والموضوعية.

إن انحراف الأنا عن واقع وآفاق الذات وعلاقتها بالواقع، قد يكون له الأثر الكبير في اخفاقاتنا وفي ضبابية رؤيتنا وعجزنا عن بلوغ أهدافنا بالشكل المطلوب والملائم لقدراتنا الشخصية وعلاقتها مع محيطها.

فالإرادة الغير المتحكم فيها، قد تقدف بنا إلى مناطق الخطر والمجهول.

ويمكن أن تورطنا في نزاعات وصراعات لا قبل لنا بها.

وبما أن الإنسان يطمح دائما إلى الكمال والتألق، فإن هذا المطمح لا يمكن تحقيقه بشكل مطلق ومكتمل على أرض الواقع، بل يمكن أن نجسد ونبلور طموحاتنا وتطلعاتنا بشكل نسبي يتوافق والإمكانيات والمهارات التي تختزنها ذاتنا البشرية.

1. الأنا التواقة للاعتراف والتمجيد

بطبيعة الإنسان، فهو محكوم بتطلعاته وأهدافه ومصالحه الذاتية، دون أن يعير لمصالح الآخرين الحيز الضروري من الاهتمام والحرص.

وكما سبق، فإن الغرور والأنانية والاعتزاز بالذات وتمجيدها وإقصاء الآخرين من تفكيرك واهتمامك، أحد الأسباب والعناصر التي تدفع بصاحبها إلى طريق الانحراف والتقوقع في متطلبات الذات ورغباتها بدون ربطها بالمحيط.

ويشكل الغرور والأنانية والفخر والاعتداد بالنفس، أفتك الأسلحة التي تدمر وتخرب الذات البشرية وتعرقلها على الإنجاز والتميز.

فالغرور مصدره العقل وغالبا ما يستعمل لإخفاء اخفاقات نفسية واجتماعية، وهو قناع لإثبات الذات وشعور غير واقعي بالتفوق على الغير، وغالبا ما يكون هذا التفوق مبنيا على أمور ثانوية خارجة عن الإنجازات المؤثرة في المجتمع (أنا فعلت كذا… اشتريت كذا… امتلكت…) وهذه التعابير والسلوكات هي استخفاف ومزايدة على إنجازات الآخرين.

أما الأنانية فهي سلاح للتدمير الذاتي يحجر القلب ويقتل اللطف ويلغي الاعتذار.

فالأنانية محاولة لإشباع الذات المحرومة والغارقة في حب وتأليه الذات ورغباتها دون الاهتمام بمصالح الآخرين.

في حين يعتبر تمجيد الذات والتذكير بمنجزاتها وأعمالها ومحاولة تضخيمها وتعظيمها دون الآخرين، فعلا ذميما وسلبيا يساهم في اغراق الذات في عالم من الأكاذيب والأوهام التي لا وجود لها في أرض الواقع.

2. الأنا ورفض الإمكانات الذاتية

إذا لم يستطع الإنسان التحكم في نظام الأنا والسيطرة على أبعادها ومراميها، فإن التعالي والعجرفة والثقة الزائفة والمبالغ فيها في الذات، كلها عوامل ومؤثرات تدفع بمعتنقها إلى الهاوية والطريق المسدود.

لهذا يتوجب علينا التعامل مع الأنا بنوع من الحيطة والترقب، ولا نتهاون في ترويضها وترشيدها، حتى لا تزيغ عن تقييم مؤهلاتنا وامكانياتنا بشكل موضوعي وعقلاني بعيد عن الإغراق في تمجيد الذات وتضخيمها.

فعدم الوعي بإمكانياتنا الذاتية، ومحاولة إعطاءها شكلا وصورة لا تتواجد في الواقع، يعرضنا للوقوع في مآزق والتباسات، تفقدنا التوازن والانضباط المطلوب في أي شخص يطمح إلى بلوغ النجاح والاستكمال الذاتي.

والفرق بين الاكتمال الذاتي والكمال الذاتي، هو كون الأول مقدور عليه وطلبه والرغبة في الوصول إليه مشروعة، وتدخل في خانة الامكانيات الإنسانية المتميزة بالنسبية.

في حين الكمال الذاتي هو مطلب يعتبر من المثل والغايات الصعبة المنال، على اعتبار أن الاطلاقية والكمال لله سبحانه وتعالى.

إذا الاطلاقية ورفع التحديات في أمور وأشياء تدخل في عالم المحال والمستحيل، يعتبر بمثابة الاندحار و السقوط في عالم الأنانية المريضة و المدمرة.

إن الأنا تنشطر إلى قسمين: جزء منها يدفعك إلى اللامعقول والسطحية والتصرف بشكل لا مسؤول وغير لائق، جزء ثاني يطالبك بتوخي الموضوعية والاتزان في اتخاد القرارات والتمسك بقيم المرونة والتواضع والواقعية.

3. الأنا وروح المنافسة

النجاح صعب جدا، حلم مستحيل، السعادة والغنى ليس للجميع.

تظهر هذه التعابير وكأنها تأتي من أشخاص لا يحبونك ولا يريدون لك النجاح والخير والتقدم.

ولكن الحقيقة عكس ذلك.

فكثير من الناس يردد هذه التعابير على نفسه يوميا، عشرات أو مئات المرات، ثم يفاجئوننا عندما لا يحققون ما يريدونه.

إن روح المنافسة مظهر من المظاهر الجلية للأنا، لأنها تعتقد دائما بالأفضل والأحسن وتريد أن تكون في أعلى وأحسن المراتب.

وهاجس المقارنة والتعليل حاضر عند أصحاب هذا السلوك في الحياة.

فهم دائما في حالة تتبع ومقارنة لإنجازات الغير مع ما تم تحقيقه، فيبدأ في استصدار سلوكات وتصرفات تنم عن الغرور والأنانية وأحيانا التسلط.

وهنا يبدأ دور الرقابة على ما يصدر منا ونحاول تهديب رؤيتنا وتصورنا للحياة والدور والرسالة التي وجدنا لتبليغها وإنجازها على هذه البسيطة.

4. الأنا والإحساس بعدم الرضا

التدمير الذاتي هو سلسلة متسقة الحلقات من تجاهل المعلومات الجديدة التي تتناقض مع المعلومات القديمة والافتراضات السابقة: أي رفض تغيير الرأي أو الموقف رغم وجود أسباب منطقية تدعو لذلك.

ورفض الاستجابة السريعة للمتغيرات بسبب عدم الاعتبار لعنصري الزمن وتكلفة الفرص الضائعة.

وتبني مقولات ورفع شعارات واتخاد قرارات تحقق مكاسب سريعة ولها تكاليف مدمرة في المستقبل.

الأنا لا تستقر على حال ولا ترضا بالموجود، فهي دائما ترغب في المزيد وفي الأحسن، فرغباتها غير محدودة وغير واقعية.

فإذا ما أنصتنا كثيرا لذواتنا واتبعنا ما تمليه علينا الأنا التي لا ترضا ولا تقنع بالإمكانات الذاتية والموضوعية، بل دائما راغبة في المراهنة على المجهول وعلى الرغبات التعجيزية.

فهي دائما تدفعنا إلى امتطاء التحديات والرهانات الواهية والزائفة، التي لا يمكن تنزيلها على أرض الواقع.

وبالتالي فإن ركوب حماقات الأنا وانعراجها وانحرافها عن المألوف أمر غير مأمون العواقب.

5. الأنا دائما على صواب

إن التدمير الذاتي نوعين، تفكيري وسلوكي.

فالتفكيري يظهر على شكل الشك والخوف من النجاح والتميز والنظرة إلى الحياة بنظرة سلبية، عقد الاستكمال والكمال والاكتراث بشدة لآراء الناس.

أما التدمير السلوكي فهو على شكل المماطلة والتسويف والكسل، وتجنب القيام بالأعمال الصعبة وبالمقابل الالتهاء بالأمور الصغيرة وعدم تحمل المسؤولية.

إن تغافل الموضوعية والواقعية والتفكير دائما في أن نكون الأحسن والأفضل على الجميع، وأن آراءنا واختياراتنا هي الصائبة والصحيحة، هو منطق خاطئ وتحليل غير واقعي وبعيد عن الحكمة والاتزان.

فالأنا دائما توهمنا بأننا على صواب ونسير في الاتجاه الصحيح، وفي المقابل الآخر غير ناضج وغير متحكم في قراراته واختياراته.

هذه أفكار وتصورات تهدم وتقوض الذات البشرية وتجعلها عرضة لتضخم الأنا والانسياق وراء غرائز ورغبات لا محل لها من التفكير الرصين والموضوعي والبعيد عن الذاتية المفرطة والأنانية المتوحشة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *