الإجهاد : كيفية الحد منه، كيف تحتاط منه وكيف تتصرف مع الضغوط

السعي الى تحقيق السعادة، الارتقاء بالذات، البحث عن السكينة… كلها مساعي تحقيقها يعرقله عدو لدود اسمه الإجهاد.

الإجهاد والذي يُعَــرف بكونه ردة فعل على مستوى الفرد نتيجة لإكراهات الضغط الذي يلاقيه في محيطه… يشكل واقعا يوميا مريرا لعدد كبير من الناس. مادلين فرون الروائية الكندية المتوفاة سنة 2010 تذكرنا أنه حتى “الرجال يمارسون الإجهاد كما لو كان رياضة”.

ضغط العلاقات، الإنتاجية في العمل، الهواجس الإدارية والمالية… هي إذن أسباب متعددة ومختلفة للإجهاد والتي تطال عدة جوانب من شخصيتنا. ومع ذلك توجد خطوات بسيطة، يمكنها دفعُ حصوله أو على الأقل التقليل من تأثيره على نفسيتنا.

مدونة النجاح الذاتي تقترح عليكم جولة مع بعض النصائح من أجل محاربة الإجهاد.

1. محاربة الضغط والإجهاد من خلال التواصل

سواء أكان ذلك في مكان شغلك أو خارجه، حياتك اليومية حتما تتدخل فيها تفاعلات وتبادلات اجتماعية. والاجهاد ينشأ غالبا من أننا لا نعرف ماذا يتوقع محاورونا منا بالضبط.

خوفا من أن نعامل كالأبله أو كشخص غير متوفر على المهارات الاجتماعية، نميل إذن الى اتخاذ مبادرات نابعة من تصورنا الشخصي للدور الذي تركه لنا الآخرون في المجتمع.

هذا بالإضافة إلى الأخطاء التي قد تؤدي إلى الصراعات أو سوء الفهم، ومن أجل تجنب مثل هذه المواقف التي قد تكون لها تبعات كارثية، سيكون لزاما عليك أن تتجرأ على طرح الأسئلة والاستفادة من التواصل بشكل مباشر.

لا يمكنك معرفة ما يجول بدماغ محاورك، فلا تتردد في طلب التوضيح بشأن ما يُنتظر منك، وهذا لا يعني أنك قليل البديهة والذكاء، بل على العكس.

هو دليل ملموس على رغبتك في التأقلم الاجتماعي واحترام مهمتك في دائرتك الاجتماعية.

أول نصيحة إذن لتحارب الإجهاد هي: لا تقف عند التخمين، بل اطلب التوضيح الدقيق.

2. الحد من الضغط والإجهاد بتنظيم الوقت

يرن المنبه في السابعة إلا ربع، أجاهد نفسي لأنهض من الفراش في عشر دقائق على الأقل، وعليَّ أن أحَضر وجبة فطور خفيفة وأتناولها في نصف ساعة، في السابعة والنصف عليَّ أن أكون مسرعا في الطريق إلى محطة الحافلة…

لو حدث أن تأخرتُ دقيقتين في الطريق، فستكون الحافلة قد انطلقت دوني…

وكما هي عادة وسائل النقل في عالمنا العربي، لها قصص مختلفة ومتنوعة مع التأخر، تتأخر الحافلة، وتمر عشر دقائق كاملة ولا وجود لها… أبحث عن سيارة أجرة وإن كان ذلك سيشكل ضغط على ميزانيتي لبعد المسافة… في النهاية أصل إلى القسم متأخرا ب 25 دقيقة، فلا تسمح لي الأستاذة بالدخول…

لا شك أن الكثيرين عاشوا مثل هذا الموقف مثلي…

في الواقع، لم يكن هناك شيء يمنعني من أن أضبط المنبه على السادسة والنصف، وهكذا أوفر 15 دقيقة، فأخرج وأعثر على الحافلة ، دون ركض أو ازدحام…

قليل من الإصرار كان يكفي لجعلي أستيقظ قبل المعتاد.

إجهاد النفس هو حقل خصب لنمو الأفكار والمشاعر المتطرفة، كما ينمي قابليتنا للغضب بسرعة، منذ استيقاظنا.

وهذه نصيحتنا الثانية لتطويق الإجهاد، لماذا لا توفر دائما من 10 الى 20 دقيقة إضافية لمواعيدك اليومية، فهذا الوقت الاحتياطي الوجيز لن يبعثر مواعيدك اليومية، على العكس، سيجعلك تبدأ يومك بداية جيدة من دون إجهاد.

3. محاربة الإجهاد بترتيب أمورك في الليل من أجل الغد

إذا كان بعض الأشخاص يحتاجون وقتــــا وجـيــــزا جــــدا، لارتــــداء ملابســــهم وجمــــع أغراضـــهم، فإن الكثيرين، يبددون وقتا كبيرا في مثل هذه الأمور…

وبالخصوص، أنتــــــن… يجب البحث عما يناسب مزاجي من الملابس، يجب وضع الماكياج، أين وضعت حقيبة يدي، هل أضع الكعب العالي أم حذاء عاديا … ولا يعني هذا أن الرجل لا يهدر وقتا طويلا في مثل هذه الأمور.

هذا الطقس اليومي المتعب، الذي يبدد وقتنا، لماذا لا نجد له حلا؟ لماذا لا أرتب الملابس التي سأرتديها في الغد قبل أن أخلد للنوم؟

وهذا طبعا سيتيح لــك وقتا كافيا لاختيار الملابس التي ستناسبك في الغــــد، وسيمنحك حريـــة تجريب كل ملابسك والمقارنة بينها، دونما شعور بضغط الوقت، كما من شأن ذلك أن يضمن لكم عدم نسيان شيء ما بسبب ضغط الدقائق الأخيرة.

فلا تأجل عمل اليوم إلى الغـــد

4. حارب الضغط والإجهاد بأن تعيش في بيئة متسقة

إن من شأن التوفر على بيت مرتب، وتغيير وضعية اثاثه من وقـــــت لآخــــر أن يساعد أيضا على الحـــــد من الإجهاد. وهكذا، فالمسكن الذي يعكر صــــفو مزاجـــــك لسبــــب أو لآخــــر، ولا يتيح لك الراحة، فإنه يبــــدد طاقتــــك، ويسمح بنشـــــوء السلوكات التي من شأنها كبح رغبتك في الارتقاء بذاتك.

التمتع ببيئــــة صحية يتـيح لك التمتع بعقل سليم، أي بتفكير سليم، (العقل السليم في البيئة السليمة على وزن العقل السليم في الجسم السليم)… إن هذه الفلسفة تقوم على أن تعرف كيف تضع كل شيء في مكانه، بعد استعمال أي شيء، أعده الى المكان الذي يجب أن يكون فيه.

هذا المنطق ينطبق على كل أجنحــــة إقامتــــك حتى في المطبخ، بعد استعمال الأواني، لا تتركــها فــــــي فوضـــى…

5. الحد من الإجهاد بإحسان تنظيم مكان العمل

أينما كان محل شـغلــــك، في مكتــــب خاص بـــك، فـــي أي مكان من بيتك، فـــي المطبـــخ… أو في أيما مـــوضع عليك أن تحافـــظ على أكبر قــدر ممــــكن من الترتيب والاتساق. فعندما تكون أغراضك مرتبة، فهذا يعني ببساطة أنـــك ستعثر عليهـــا في وقت وبجهد أقل، وكلما كانت مبعثرة، كلما كانت سببا في تشتيت تركيزك.

مكان عملك، كما يـــدل على ذلك الإســــم هو مكان للعمـــل، فلا داعــــي إذن، لوجــــــود أشيــــاء سوف لـــن تــحتاج إليــــها في إنجــاز أعمالك.

ذلك لا يمــــنع مـــن تأتيت فضـــاء عملــــك بما يمكــــن أن يزيده رونقا وتألقــــا، أو ما يمكن أن يُمـــدك بالتحفيز ويشحنك بالأمل. أي صورة أي منظر طبيعي قد يكون مصدرا لإلهامك. كصورة لرفيقة دربك، لأبنائك أو لشخص يدخل السرور لقلبك.

6. الحد من الإجهاد والضغط بالقيام بكل شيء في وقته.

يتباهى الكثير من الناس بكونهم يمتلكون القدرة على إنجاز عدة أعمـــال في نفس الوقت، أو قدرتهم القيام بعملهم الرئيس بموازاة مع أعمال أخرى ثانوية. لكن هذه الفكرة، تتطلب إعادة نظـــــر. يصعب إلى حد الاستحالة العمل من أجل عدة أهداف في نفس الآن بنفس التركيز، مما يجعل إمكانية ارتكاب أخطاء واردة جدا.

أي مهمة مهمـــا كانــــت صغيرة، يجب إتمام إنجــــازها قبل المرور إلى مهمة أخرى. سوف لن يساعدك ذلك على تحسين تركيزك فحسب، بل سيجعلك تتلقى شحنة إشباع ذاتي بعد إتمام أي شغل، وهذا من دون شك سيجعلك تقبل على المهمة التالية بكامل طاقتك. إنه أسلوب حياة لا يسقطنا في فخ الضغط والإجهاد.

صحيح أن قدراتنا العقلية والجسدية ليست دائما على نفس الحالة وبنفس القوة، بحيث قد نكون منشغلين بعمل ما ويتراءى لنا عمل آخر قد يفلت منا، أو قد ننسى الأفكار التي لدينا الآن أو قد نكون غير قادرين على إنجازه في وقت آخر … وهذا ما يزيد من الضغط علينا. نحتاج هنا إلى تمرين قدراتنا على ترتيب أهدافنا الحقيقية و أولوياتنا.

هناك نقطة أخرى مهمة يتعين الإشارة إليها للحد من الإجهاد، وهي تقسيم أي عمل إلى أجزاء، لما لذلك مـــن نتائـــج حسنة على نفسيتنا تجاه هذا العمل، بحيث نستشعر بأننا قادرين على إتمام إنجازه.

7. الحد من الضغط والإجهاد باستخدام قــــلم وورقة.

في كل مســـاء اجلس لتعيد التفكير فـــي كـــل مــا مــر بــك خلال يومـــك، دون كل الأفكار والخواطر التي خطرت بــبالــك، لما لا تجعل مذكرة صغيرة وقلم دائما بجانبك؟

لقد ساعدتني هذه الطريقة كثيرا في تنظيم حياتي، في كل ليلة، كنت أتناول مذكرتي وأسجل بها أي فكرة، وقد كانت مفاجأتي كبيرة عندما اكتشفت أن تلك اللحظات التي تسبق الخلود إلى النوم هي معين لا ينضب من الأفكار والحلول الإبداعية… كنت مطالب بكتابة مقال أسبوعي لإحدى الجرائد حول موضوع ما يشغل الرأي العام، ولقد كانت تلك اللحظات هي مصدر إلهامي.

إن لتناول مذكرة وقلم دائما أهمية كبيرة، وإيجابيات محسوسة. ألم يسبق لك أن حلت ببالك فكرة رائعة أو حلا جيدا لمشكلة لكنك نسيتها لأنك لم تدونها؟ الدماغ البشري ليس دائما بنفس النشاط، في بعض الأوقات يأتينا بأفكار مبدعة نتساءل بعد ذلك كيف وصلنا إليها.

“دونوا العلم بالكتاب”

8. الحد من الإجهاد بوضع مَلَــلِـــك في إطاره النسبي

عندما نواجه مشكلة أو صعوبة كيفما كانت طبيعتها ومجالها، فإننا نتركها -أي هذه المشكلة- تسيطر على وعينا وبالتالي على انفعالاتنا، الى درجة أن نعجز على التفكير في الحلول الممكنة للخروج منها.

يتعين أن تبدأ في تحليل تلك الصعوبة أو ذلك الموقف الحرج بموضوعية لتنظر إليه في حجمه وفي إطاره النسبي من غير تهويل. هل هذا الموقف يخص جانبا صغيرا من شخصيتي، أم يطالها في مجموعها؟

صحيح أن الموضوعية بعيدة المنال في المواضع التي يكون فيها وعينا منغمسا في جو الأزمة، ولكن مجرد أخد وقت للتفكير في المسألة يعد نقطة إيجابية، نتغلب من خلالها على الضغط.

في المرة القادة إذن، عندما تواجه مشكلة أو صعوبة، اجعلها مناسبة للتفكير في مسار آخر بدل النظر إليها ككارثة حلت بك لتقسم ظهرك.

9. الحد من الضغط باحترام الوقت

يعتبر مجال الشغل من دون شك مجالا للضغط والإجهاد، ولــهذا، يتعيــــن أن تعمل على فصل هــــذا المجــال عن حيــــاتك الشخصية. يجب أن تضع حدودا واضحة في استعمالك للزمن.

عطلة نهاية الأسبوع أو باقي العطل يجب أن تخصصها للراحة، والاستمتاع بوقتك، وممارسة هوايتك المفضلة، لكي تجدد طاقاتك. ولكن إن بدأت في خلط شغلك بوقتك الشخصي، كالقيام بأعمال إضافية، أو جلب ملفات الشغل إلى وقت الراحة… فإنك ستكون قد بدأت في تهشيم توازنك النفسي الذي يعبد لك الطريق لتطوير حياتك والحد من الإجهاد.

إذا كان مكان شغلــــك فو البيت يتعين عليك أن تنتبه إلى مسألة فصل الشغل عن الوقت الشخصي أكثر. وهنا يجب أن تفصل بين الاثنين بحدود واضحة، وتلزم نفسك باحترامها، كأن تضبط المنبه على الوقت الذي تنتهي فيه من العمل.

حتى أثناء العمل لا تتردد في أخد فترة راحة، من دون أن تبالغ. فترات الراحة ليست كما يعتقد أرباب العمل أنها تحـــد مـــن الإنتاجية، بل تساعد على استعادة النشــــاط وتجديد الطاقة و صياغة أفكار جديدة من شأنها أن تطور طريقة اشتغالنا. وهي وسيلة فعالة للحد من تأثير الإجهاد.

خلال فترات الراحة هاته تستطيع أن تأخذ فكرة عن وتيرة تقدم عملك، وأن ترصد الأخطاء التي لم تنتبه إليها أثناء القيام به من أجل تصحيحها. من المستحسن أخذ بضع دقائق في كل ساعة لتكرس نفسك في شيء مختلف تماما لكي لا تفقد تركيزك على مشروعك النهائي.

هذه النصائح كلها مفيدة ورائعة والكل سيتفق معها، ولكن العبرة فــــي ممارستها وتطبيقها في نشاطـــاتنا، فقليـــلون من يتقنون كيفية السيطرة على الضغط. ولهذا يعتبر الضغط هو مرض هذا العصر، المرض الذي يعد عاملا رئيسيا في الاضطرابات النفسية، يكبح التطور على المستوى الشخصي والمهني.

يجب أن تسعى للحد من تأثير الضغط على حياتك بشكل يومي، ولو بالحركات التي تبدو في غاية البساطة، وينبغي أن يكون ذلك أولوية بالنسبة إليك إذا كنت ترغب في التطور بثقة وتدنو أكثر من تحقيق السعادة.

الاختيار بين يديك…

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *