من منا لا يريد التخلص من العلاقات السامة؟

إن المجال التفاعلي والعلائقي، يلعب دورا حاسما في الحصول على حياة هانئة ومستقرة، كذلك يساعد على بروز السعادة وتجليها في حياتنا اليومية.

فحركية المجتمع وتواصلنا معه، تفرض علينا لقاء ومصادفة أناس مختلفين عنا أخلاقيا وفكريا.

وقد يحدث أن نتصادم معهم في طريقة ومنهجية تفاعلهم وتواصلهم مع محيطهم ووسطهم.

طبيعيا، الاندماج التام في المجتمع والتواصل الكامل والفاعل مع أشخاص آخرين، يعتبر من الأشياء المعقدة والصعبة المراس.

فمن غير المنطقي، رسم أو تخيل أو تركيب مجتمع وأشخاص على مقاسنا الخاص، أي أن نعتبر ونعتقد بأن هناك في الواقع أفراد يسعون إلى تقوية وتعزيز ثقتنا واعتدادنا بأنفسنا.

تتعدد وتختلف النماذج البشرية التي نصادفها ونتعايش معها، لذلك ليس من السهل معرفة وتحديد الأناس الذين يكيدون لنا الحقد والضغينة.

فالعلاقات المتسممة أو الموبوءة، هي عبارة عن مبادلات وروابط إنسانية، تُنسج مع أفراد لهم الرغبة في مراقبتنا وتوريطنا.

وتتركز الإرهاصات الأولى لهذا النوع من العلاقات المشبوهة، في محاولة أشخاص لا يتبادلون معك نفس الآراء والمصالح، إضمار الضغينة والمكيدة، ومحاولة استغلال الأوقات العصيبة والحرجة التي تمر منها لإذلالك وإضعافك.

ومن الحالات المتداولة في هذا المضمار، نستطيع إعطاء أمثلة لنماذج بشرية تختلق التوتر والمراوغة والانفعالات المجانية لتسميم العلاقات والتفاعلات.

فمثلا نجد أن كبار الموظفين والمسؤولين، غالبا ما يتعمدون استفزاز موظفيهم أو عمالهم، والتحرش بهم إما لفظيا أو ماديا، هذا المثال ينطبق على مجالات مهنية أو شخصية.

وأغلبية هذا النوع من العلاقات والأفراد يكون هدفهم من خلال هذا التوتر المفتعل، الربح المادي أو مصلحة خاصة يريدون قضاءها.

وتحديد وتجسيد العلاقات الموبوءة والأفراد الذين يسلكون هذا النوع من التفاعل، يتمثل في نوعية محددة من الأفراد يكون هاجسها الوحيد هو تخريب وتشويه سمعة الآخرين والعمل على عرقلة نجاحاتهم.

فما هي بواعث هذا النوع من العلاقات الرديئة؟ ولماذا انجذاب هذه النوعية من الأفراد لتشويه وتخريب إنجازات الغير؟

الجواب عن السبب في تواجد أشخاص لا هَمّ لديهم سوى تعكير صفو الآخرين ومحاربتهم وعرقلة طموحاتهم وأهدافهم.

إن الجانب الخفي والماكر في هذه الآفة الاجتماعية، هو صعوبة إعطاء تعريف أو ماهية للعلاقات المتسممة.

فلكي نكتشف طبيعة الأشخاص الذين يستلذون بعرقلة قاطرة النجاح والناجحين، يلزمنا حيز وقسط من الوقت، للتأكد من أن فلانا يحيك لنا المكائد والادعاءات المغرضة التي تمس بسمعتك وكرامتك وتفقدك وضعك الاعتباري عند الآخرين.

إن الخلفيات والهواجس التي يكنها لك الغائظون من تفوقك وتقدمك، لا تكون دائما واضحة وظاهرة للعيان.

بل تتقنع وتتخفى وراء ادعاءات وأكاذيب لا أساس لها من الصحة.

في هذه المقالة نعمل جاهدين على توضيح وتقريب صورة وطبيعة الأشخاص الذين يفتعلون هذا النوع من العلاقات، حتى يتسنى لك عزيزي القارئ النأي بنفسك عن مجابهة أو مواجهة هذه العينة من الأفراد والعلاقات لبلوغ مدارج النجاح والسعادة.

1. تجاوز العلاقات الموبوءة والمشبوهة عبر تبني الكياسة والهدوء

إن سيرورة وطبيعة العلاقات الإنسانية سواء المهنية أو الاجتماعية أو الشخصية، تحتاج منا الثريت والتبصر في التمييز بين الجيد والرديء في العلاقات والأشخاص.

لكي نتمكن من اكتشاف الأفراد الذين يتخفوَن في صورة أصدقاء أو زملاء، يجب أولا تحديد مدى وحجم التصرفات والسلوكات التي يقومون بها، عن طريق جس نبضهم والبحث عن علل وأسباب هذا الانحراف السلوكي.

فهذه النوعية من الأفراد التي تحاول أن تخترق حياتك في خفاء وبدون سابق إذن، لتنسف طموحاتك وتشوه سمعتك.

هذه الطريقة في معالجة هذا الاشكال، هي طريقة غير فاعلة.

على اعتبار أن هؤلاء الفاعلين في هذه العلاقة الموبوءة لا يعلنون عن نفسهم، بل يتسترون ويتقنعون في أشكال وصور لا تُظهر مكنوناتهم السلبية الدفينة.

وهناك أسلوب آخر في معالجة ومواجهة هؤلاء الأفراد، يتمثل في إشهار بطاقة المواجهة.

هذه الطريقة غير مرغوب فيها، لأنها ستضخم النزاع والمشكل، وتضعنا في حالة حرب مع مجهولين وأشباح.

إذا علينا عزيزي القارئ أن نتحلى باللياقة والذكاء في إدارة واختزال المشكل، وفي تجنب مواجهة هذه النوعية من الأفراد (أشباح)، التي لا تعترف لك بأنها كانت تسيئ إليك وتنسج المكائد والعراقيل للتخلص منك أو لعرقلة تفوقك وتميزك.

وهذا بديهي، لأن هذه الطينة من الأفراد، تنقصها الجرأة والوضوح للإقرار بأفعالها وأعمالها المشينة، لأنها تعودت على الخسة وعدم الوضوح والاستمتاع والتلذذ بعذابات الآخرين.

وعليه فإن ردود الفعل العنيفة والحدة في الانفعالية، لا تعطي مفعولها مع أشخاص يزعجهم نجاح الآخرين ويقض مضجعهم، ولا يهنأ لهم بال إلا بتخريب وتحريف إنجازات الآخرين وتشويه سمعتهم وعطاءاتهم.

وأعتقد أن السلاح الفتاك لهذه العينة من الأفراد، هو عدم لومهم أو توبيخهم، بل العكس عزيزي القارئ ستكون عمليا أكثر إذا أنت أظهرت لهم أنك لا تبالي ولا تهتم بجميع محاولاتهم الكيدية والعدوانية اتجاهك.

أضف إلى ذلك، يجب تبني لغة تبادل الفكر والحوار معهم، وذلك بتحسيسهم أنك على دراية وإلمام بكل ما يحاك وينسج ضدك، وأن كل أعمالهم لن تثنيك عن التقدم في مسيرة نجاحك.

2. التحلل من علاقة موبوءة أساس لبلوغ الموضوعية

إن المواجهة المباشرة لا تلغي النزاع أو تنهيه.

بل في هذه الحالة تقوي وتكرس مواقف معارضيك وادعاءاتهم وتزيد في تعميق وتعقيد المشاكل التي تواجهها معهم.

فاختيار هذا المنحى في التخلص من هذه العلاقات المشبوهة، يغرس ويزرع في نفسيتك التردد والارتياب والشك والانهاك والارهاق النفسي.

مع العلم أنك في غنى عن هذه المنغصات والقلاقل التي لا تجيد ركوب أمواجها.

ولكي لا نتأثر بهذه الأفعال المشينة التي يصدرها بعض الأشخاص في حقنا، ونحاول الرد عليها بطريقة متشنجة وعنيفة.

يتوجب علينا أن نحاول فهم وإدراك البواعث والدوافع التي تدفع هؤلاء الأشخاص لهذا السلوك المعيب.

وحتى تكون هناك نجاعة في مواجهة هذه الظاهرة، يجب أن نعمل على إنجاز تقييم وجرد للمجالات التي يمكن لهؤلاء الفاعلين الأشباح استغلالها وتوظيفها للتهجم والتشويش على عطاءاتك ومقوماتك، دون أن ننسى أو نهمل السياق والمضمار الذي اختلقت فيه هذه العلاقة المتسممة.

3. عدم مكاشفة المعارضين للتخلص من العلاقات الموبوءة

ما يؤزم طبيعة العلاقات الموبوءة هو عدم معرفة العدو الذي نواجهه (الأشباح).

بل الأدهى من ذلك، حتى وإن تمكنت من اكتشافه أو معرفته، فهو لا يعترف بما اقترفه أو ألحقه بك من ضرر أو سوء.

فهو دائما يشكك في مصداقية وشرعية أحكامك وأقوالك.

لأنه متأكد أنك لن تكشفه في يوم من الأيام، باعتبار أنه يثقن ويجيد لباس التخفي ولغة الأقنعة.

أرى أن المتضرر من هذه السلوكات والتصرفات الشادة، يجب أن يتحلى برباطة الجأش وبالتعالي عن اللجاج والجدال مع مخالفيك.

ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الحكم على هذه العينة من الأفراد ذوو النزعات العدوانية والمرضية اتجاه الأشخاص الناجحين لا مكان له ولا أثر يرجى منه في قلوبهم ونفوسهم المريضة.

لهذا يستحسن عزيزي القارئ أن نتجاوز النقاش والحوار معهم، أو بمعنى أصح لا مجال ولا أمل في مواجهتهم أو نصحهم أو إرشادهم.

لأنه كما ذكرنا سالفا لا ينسبون هذه الأعمال الدنيئة والمشينة إلى رصيدهم.

الأساسي عندهم هو تدنيس وتشويه صورتك وسمعتك عند الآخرين، بغض النظر عن هدفهم أكان معنويا أو ماديا.

فالذي يتحكم في نفوسهم وتفكيرهم المريض، هو تخريب وتدمير كل بادرة أو مبادرة يرون فيها إشارات وصور عن التفوق والنجاح.

خلاصة القول، إن الأفعال والأعمال التي يقوم بها هؤلاء الأفراد (عديمي الضمير) لا تستدعي أن نعاملهم بنفس العملة الرديئة، بل يجب عليك أن تحسسهم بنوع من الاحترام، حتى لا تتطور وتتعمق نواياهم الخبيثة وخططهم الجهنمية.

لأن الأهم والأساسي هو اجتناب الدخول معهم في مشاحنة أو نزاع مباشر، لأنك ستجبر على الوقوع في مواقف حرجة، لأن عدوك دائما مستعد للتنكر والنكران والتنصل من جميع الدلائل والحجج التي تدينه، وسيظهرك في صورة ظالم أو مخطئ.

وبالتالي ستكون أنت المتضرر باعتبار أن فاقد الشيء لا يعطيه.

فهل عزيزي القارئ واجهتك أو صادفتك مثل هذه النوعية من العلاقات الغير مرغوب فيها؟ وكيف استطعت التخلص منها؟

كيف نتحقق من الكذب عن يقين؟

المراوغة والاختباء وراء الأعذار وانعدام الصدق، كلها توصيفات وترميزات تدخل في إطار نزوعات ذاتية مدمرة ومسممة للعلاقات الإنسانية.

إن القدرة على كشف الكذب والتحقق منه، تتطلب مهارات ومقومات ذاتية وكذلك إلماما وإدراكا للواقع المعيش ولتصوراته وسلوكات وتصرفات الأفراد داخله.

فالكذب ظاهرة متواجدة ومتعايشة بين جميع شرائح المجتمع، وتبدو واضحة وجلية في الفضاءات والمجالات التفاعلية والتواصلية بين الأفراد.

فحتى لا نكون مغالين، إذا قلنا أن الكذب كظاهرة اجتماعية نتعامل ونتواصل من خلاله وعبره في جميع أنشطتنا وانشغالاتنا، بشكل مستمر ومتواصل طيلة ساعات اليوم.

فمن الخطابات السياسية الرنانة والحماسية لرجالات السياسة ونخبها، مرورا بالوصلات والرسائل الإشهارية، وصولا إلى الرغبة في تقاسم تجاربنا وخبراتنا مع الآخرين.

فالمُخاطِب (الكاذب) يمتلك دائما الأعذار والذرائع، ويتوفر على منطق خاص به، يوظفه ويستغله ليراوغ الحقائق، مستعينا بأساليب وصيغ تفيد الصدق وتأكيد الحقيقة.

والتحقق من الكذب والقدرة على كشفه وتعريته، يتطلب منا التحلي بنوع من الهدوء والراحة النفسية، حتى نتمكن من تنظيم وتجميع المعطيات والمؤشرات الدالة على تورط المُخاطِب في لعبة الاحتيال والكذب.

إن القدرة على استنباط الحق من الباطل معادلة تحتاج إلى مقومات الثقة في الذات وفي مهاراتها ومؤهلاتها التواصلية، كذلك في المعايير والقيم التي نؤمن ونعتقد فيها.

فكيف نتحقق ونتيقن من الكذب؟ وما المفروض فعله بعد ذلك؟

1. التحقق من الكذب بتوظيف التواصل اللاشفهي

يقول العلماء إن الكذب سلوك سيكوباتي مضاد للمجتمع، يبدأ منذ الصغر ويستمر حتى الكبر إذا لم يستأصل منذ البداية.

وقد تسبب مجموعة من العوامل في شيوعه وسيادته، كأسلوب معاملة الوالدين والتنشئة الاجتماعية وثقافة المجتمع ونقص الاشباع في العواطف والمشاعر وفقدان الأمان.

إن تعابير الوجه والجسد، لغة ذات فعالية خطيرة في التواصل والتفاعل بين الأفراد.

ولهذا يمكن أن نتحقق ونتأكد من صدق أو زيف الخطاب، من خلال تفحص ودراسة تعابير الوجه وحركات الجسد.

فالتحقق من الكذب عن طريق التواصل اللاشفهي للمخاطب، فيه نوع من الصعوبة، لأنه يتطلب وقتا أكثر وتركيزا وتحليلا خاصا.

وليسهل علينا تشفير وترجمة لغة المخاطب اللاشفهية، نحتاج إلى تتبع هذه الخطوات:

التعبيرات البسيطة:

إن التعابير الجزئية والعفوية الصغير منها والتافه، والذي في نظرنا لا يحتاج للتدقيق والتمحيص، ربما يكون هو السبيل والطريق لكشف الكذب وإبرازه.

باعتبار أن التعبيرات والإشارات التي نصدرها تكون غطاء وستارا نخفي وراءه حقيقة وواقع الأمور.

فهذه التعبيرات والحركات التي يحاول من خلالها الكاذب إخفاء الحقيقة والتستر عليها، هي إشارات ومؤشرات تساعدنا على القراءة والتأويل للوصول إلى الحقيقة ولإجلاء الضبابية والغموض الذي كان ينسجه الكاذب لتجنيبنا معرفة الحقيقة.

الحركات التعويضية:

التحقق من الكذب وكشفه، يمكن أن يكون بملاحظة انفعالات وحركات مخاطبينا، فأغلب الذين يبتدعون الكذب يقومون بحركات لا إرادية حتى يحاولوا إخفاء بهتانهم وكذبهم، فيعملون على اصدار حركات غير مناسبة وغامضة في بعض الأحيان، كحك الرأس أو عضو من أعضاء الجسد كالجبين مثلا…

هذه التعابير والحركات هي مؤشرات وإيحاءات توحي بأن الذي يتحدث معنا واقع في شرك الكذب، ومعلوماته وأقواله تجانب الصواب وبالطبع غير موثوق فيها.

تصلب أعضاء الجسد علامة من علامات الكذب:

إن الأشخاص الذين يختبئون وراء الحقيقة غالبا ما تكون أعضاء وأطراف جسدهم متصلبة وعصبية.

فإذا ما نظرت إليهم تحسهم منقبضين ومتوترين ومنفعلين، أي أنهم في وضع وحالة غير طبيعية.

والكاذب في حديثه مع الآخرين يحاول دائما أن يكون بعيدا عن الفرد الذي يكذب عليه.

التوريط البصري والصوتي:

تعتبر الرؤية والصوت (العين والأذن) من الآليات والوسائل المشهورة والمتداولة في كشف الكذب والتحقق منه.

إن التركيز على نظر الشخص وكيفية إلتقاط وتجاوب أعينه مع حديثنا، آلية تساعد على تمييز نوع النظرة.

هل هي بريئة، عفوية، مشاكسة أو كاذبة.

هذا الأسلوب والطريق في كشف الكذب والتحقق منه ترتكز على مدى قدرتنا على التجاوب والتفاعل مع مخاطبينا.

والكشف عن الكذب عن طريق الصوت هو أداة ووسيلة سهلة نوظف فيها فقط أداة السمع (الأذن)، لتحديد مدى صدق أو كذب المخاطب الذي أمامنا، ويعتبر إيقاع الصوت من خلال دبدباته والحشرجة والبحة…

مؤشرات ووسائل تمكننا من استشفاف صدقية المخاطب أو زيفه.

إذاً للرؤية والصوت خصوصيات ومميزات نستعين بها للتحقق من حالات التحايل والكذب والزيف.

ونخلص في هذا السياق إلى أن هذه الآليات والوسائل الجسدي منها والحسي (الحدس) قادرة على تمكيننا من استشفاف واستخلاص الصالح من القول والفاسد منه.

2. التحقق من الكذب من خلال التأكيد على تحمل المسؤولية أو عدمها

إن تحمل وتقلد المسؤولية، معناه تقوية مصداقيتنا وشرعيتنا داخل المحيط الذي نتفاعل داخله وتربطنا به علاقات وأواصر تقيد وتضبط حرياتنا وتحركاتنا.

إن إخفاء الحقيقة ومداراتها، يجعلنا في مأزق ونتنافر مع المقومات والإمكانيات الذاتية المحفزة على الوضوح والاستقامة في سلوكنا الاجتماعي.

ولتسهيل عملية التحقق من الكذب وكشفه، يجب علينا الاهتمام والتركيز على كيفية سرد المعلومات والأفكار، ومدى ترابطها المنطقي، وكذلك سير وتدرج إيقاع الخطاب الذي يرويه لنا المخاطب.

غالبا ما نلاحظ أن المعني بالأمر في أي.

إنجاز أو مسؤولية ملقاة على عاتقه، يتهرب ويتملص من تحمل المسؤولية بمحاولة المراوغة في حديثه، عن طريق توريط الآخرين (يستعمل ضمير نحن)، بإشراكهم ومقاسمتهم المسؤولية.

هذه الأساليب اللغوية المستعملة للخروج من ورطة أو مأزق، يغلب عليها طابع التعميم والتكثيف والتعويم، لأن استعمال ضمير (نحن) هو وسيلة لإخفاء كذبه وإخفاقه وتواضع قدراته وإنجازاته.

3. التحقق من الكذب بطرح أسئلة مباشرة

إن الذي يختلق الكذب، لا يجيب مباشرة عن الأسئلة المطروحة عليه بوضوح، فهو دائما يحاول مدّنا وتزويدنا بمعلومات وشروحات لا جدوى منها.

والمشهد السياسي والسياسيون خير مثال، فغالبا ما يطرح على رجال السياسة أسئلة دقيقة ومحددة، لكن إجاباتهم تكون غارقة وموغلة في التعويم والتعميم، أي أنها لا تتوخى الدقة والتفصيل.

فعندما نلاحظ أن شخصا يتعمد تكرار كلمات أو مصطلحات أو وصف صور وحالات عدة مرات، تأكد أن هذا الخطاب المشحون بالتكرار والإسهاب والتركيز على عناصر دون أخرى، هو خطاب يكتنفه الغموض والالتباس ومشكوك في صدقيته.

وهذه الطرق والأساليب في الخطاب، تنم عن المراوغة والتحايل وتزييف للحقائق بغية التهرب والتنصل من تحمل المسؤولية، التي يفترض أن نكون جديرين بها.

وخلاصة القول، إن دراسة الخطاب وتمحيصه وتحليله ومقارنته، يؤدي بنا إلى إدراك مواقع الصدق ومواقع الكذب، وبالتالي يسهل علينا كشف الكذب والتحقق منه.

4. التحقق من الكذب بتحليل انفعالات مخاطبينا

إن من طرق وآليات التفكير السليم، لكي نتمكن من تحديد واكتشاف مناطق الكذب ومناطق الصدق في خطاب وتعابير مخاطبينا،هو دراسة انفعالاته.

فالكاذب والمتملص والمماطل غالبا ما يجيدون لعبة رمي الكرة إلى الآخرين في كل اختبار لمصداقيتهم وجدية أقوالهم وأفعالهم.

وتتجلى طرق رمي الكرة للآخرين، في كون الكاذب عندما يكون في ورطة أو مأزق، وطرح عليه شخص ثاني سؤال يخص موضوع الجدال، فإنه يجيبه بسؤال آخر، أو يحاول التهوين من موضوع النقاش أو استصغاره، أو الانتقال إلى موضوع لا علاقة له بالنقاش المطروح.

هذه ألاعيب وحيل حوارية يوظفها الكاذب لتمويه ومراوغة الآخرين، بغية إخفاء الحقيقة والوقائع الموجودة على أرض الواقع.

إذاً التركيز عنصر هام في كشف انفعالات وتعبيرات وحركات الكاذب الجسدية منها واللاشفهية، هذا لا يلغي أن الاحتكاك والتجاوب مع الواقع ضروري وحاسم في كشف الكذب والتحقق منه.

ما يجب اعتماده لبلوغ أهدافك بالملموس

إن الوثوق بالذاتي، وما تتمتع به من قدرات وطاقات أساس وعماد لكل طموح في تغيير مساراتنا وفي تقدم خطواتنا.

فمهما كانت نوعية وطبيعة الأهداف التي نصبو إليها، سواء كانت مهنية، اجتماعية أو شخصية.

يبقى ضروريا أن نعتمد على قاعدة من المعايير والتصورات القادرة على إيصالنا لبر الأمان، أي تحقيق الغايات المرجوة.

فمن منا لا يرغب في التحسن والتطور؟ من لا يريد أن يكون أكثر مردودية وفاعلية؟ من لا يحب أن يكون أكثر هناء وأريحية؟

لنكون موضوعيين وواقعيين، الارتقاء والتحسن والتطور، مفاهيم وغايات نجاهد ونصارع الصعاب والمستحيلات لاكتسابها وتملكها.

فلا أحد يستطيع كبح جماح خيالاتنا وتمثلاتنا وأمانينا التي نرغب بلوغها والانتشاء بتحقيقها.

مثلا: الحصول على وظيفة أو عمل كنت تتمنى ممارسته، العثور على شريكة حياتك بكل المواصفات والمعايير التي رسمتها في مخيلتك ووجدانك، اقتناء منزل يتوافق مع تطلعاتك وأحلامك.

إن الأمنيات والرغبات التي نسعى لتحقيقها وإنجازها فيما يُستقبل من الأيام، تساعدنا وتمكننا من إبراز كل عوامل وعناصر التحفيز الذاتي، التي تساهم بدورها في شحن وتقوية قوانا وعزائمنا لبلوغ المرامي والأهداف.

لكن الإشكالية المطروحة في هذا الصدد، هي كون أغلبية الأفراد الطامحين في التغيير والتقدم، ينسون أو يتغافلون الشروط والبنود الأساسية لطرق أبواب السعادة والفعالية في تحقيق إنجازاتهم ورغباتهم.

ومن أهم هذه الشروط: الالتزام بالموضوعية والوضوح في الرؤية.

ففي أغلب الأحيان نجد أن تأثيرات المحيط وتداعياتها، تنعكس بشكل مباشر على سلوكاتنا واختياراتنا.

ويعتبر النظام التعليمي، مختبرا قادرا على تقييم وتوجيه ميولاتنا وتوجهاتنا.

مع الأسف الشديد، المنظومة التعليمية حاليا عاجزة على تقييم وتثمين قدراتنا وترشيد رغباتنا واختياراتنا.

فالإدراك والوعي برغباتنا ومنحى توجهاتنا وأحلامنا، كفيل بإظهار وإبراز المقومات والطاقات الدفينة التي تختزنها ذواتنا.

1. تحديد الرغبات وتقنينها سبيل للوصول للأهداف

إن الرغبة الذاتية غالبا ما تكون مطمورة ومتخفية داخل بواطن وغياهب تفكيرنا، على اعتبار أننا لا نريد أن نشارك ونقاسم الآخرين ما يختلج داخلنا.

لكي ندرك مراتب النجاح، يلزمنا أن نعطي هوية وماهية لرغباتنا الدفينة، ونعمل على البوح والتصريح بها للآخرين، بغية تثبيت وتكريس هذه الرغبات بالنسبة لك أولا وللمحيط ثانيا.

فبلوغ الأهداف والمرامي، ليس له ارتباط بالشواهد العلمية أو بالإمكانيات المادية والمالية.

بل هو رغبة وإرادة في الانجاز، بواسطة تسخير كل القوى والوسائل في المحاولة والتجريب.

بحيث تعتبر التجربة والمحاولة إضافة وإغناء للشخصية الإنسانية، فهي تمكننا من التمرس والفعالية والمرونة.

وتجعلنا أكثر عزيمة وتمسكا بالأهداف المسطرة سابقا.

إن بلوغ الغايات والأهداف لا علاقة له بالغير، فحينما تكون لدينا الرغبة في التفوق والنجاح، لا يكون هدفنا إرضاء وتلبية فضول وانتظارات الغير.

بل الأساس والغاية هو تلبية طموحاتنا والتجاوب مع ذواتنا وتطلعاتها.

بمعنى آخر بلوغ الرضى والهناء الذاتي، الذي ينعكس مباشرة على وجودنا وكياننا.

فلكل منا أهداف ومرامي.

فعندما يحس الفرد أنه ماض في إنجاز وتحقيق أحلامه ورغباته، دون الارتكاز في تفكيره على إرضاء وتلبية انتظارات وآراء الآخرين.

2. بلوغ الأهداف افتراضيا

إن افتراض واستلهام صور وسيناريوهات مستقبلية عن الأهداف المرجو بلوغها، والقدرة على إنجازها مخياليا، تقنية ووسيلة تساعد وتساهم في الدعم والتحفيز المعنوي والنفسي.

فآلية الافتراض والتخييل والقدرة على خلق فضاء افتراضي نتصور ونتمثل فيه طرق ونماذج ونتائج تحقيق انجازات وأعمال مستقبلية، نتأمل ونتوخى بلوغها وتجسيدها على أرض الواقع.

إن عامل التحفيز يؤهل الفرد ويساعده على تحديد وتقوية إرادته ورؤيته للمسار والمنحى الذي يجب سلكه والسير عليه لبلوغ الحياة السعيدة والهانئة، ومحاولة استقدام وانتقاء معايير وأساليب متوافقة مع المجهودات والإمكانيات المتاحة.

فعملية افتراض بصري يتحقق فيه ما نود الوصول إليه، أمر غاية في الضرورة والأهمية، باعتبارها حصانة ومناعة ضد كل إفشال أو إحباط قد يُعرِّضك إليه الغير، الطامح دائما لتلبية انتظاراته ومطالبه دون الاكتراث باهتماماتك وغاياتك.

وتتجلى أهمية وفائدة الافتراضات البصرية لمشاريعنا وغايتنا المستقبلية، في كونها تمكننا من الحصول على أساليب واكتساب طرق سهلة، تدفع بك إلى تقنين وتقسيم المراحل والخطوات المؤدية إلى عالم النجاح الذاتي فعليا، من خلال استبصار واستحضار الواجبات والمهمات اللازم القيام بها، لكي تكون أهدافنا المستقبلية ملموسة وواقعية على المدى القريب.

إن المنهجية والعملية التي يتبناها الراغب في تمثل وتخيل أهدافه افتراضيا، تساعده على رسم مخطط وبرنامج يمكنه من تجسيد طموحاته على أرض الوقع بتوفق ونجاح، وبدون عشوائية أو ارتجالية.

فكيف نستطيع تقوية وتعزيز مخيالنا؟ وكيف نسخر ونفعل أهدافنا الافتراضية واقعيا وفعليا؟

إن تشييد وخلق فضاء تخيلي وعالم افتراضي، قادر على تحقيق طموحاتنا ومرامينا، يتطلب منا بعض الوقت حتى نتمكن من تكييف ذواتنا، من خلال توظيف تقنيات وأساليب سهلة وبسيطة.

فمثلا، نستلقي على كنبة أو سرير، ونغمض أعيننا ونحاول تخيل المشاكل والعوائق الممكن أن تعترض طريقنا وخطواتنا لبلوغ الهدف، ونحاول أن نمعن وندقق التفكير فيما يحوم داخلنا، في الأخير تخيل عزيزي القارئ وافترض أنك تستطيع وتقدر على تجاوز هذه العقبات والنجاح في بلوغ الهدف المنشود.

إن عالم الخيال والافتراض يترك لك المجال سانحا للتفكير والتصرف بحرية واستقلالية، بعيدا عن ضغط وتحكم المحيط والوسط.

إضافة إلى كون المخيال يمنحك القدرة على اتخاد القرارات وتحمل مسؤولية اختياراتنا ورغباتنا.

3. بلوغ الأهداف خطوة بخطوة

إن انجاز وتحقيق الأهداف، لا يتم ولا يكتمل اعتباطيا أو جزافيا.

بل يلزمه الإطار والوقت المناسب.

فالإنسان بطبعه لا يقنع ولا يقبل بما عنده، فهو دائما راغب في المزيد.

فعندما نتحدث عن طموحاته وتطلعاته، فغالبا لا يرضى ولا يقنع بما أنجز.

ويعتقد دائما أنه لم يبلغ قمة الاشباع والرضى الذاتي.

فالارتقاء والتفوق والنجاح، هذه المرادفات والمفاهيم، لا تتحقق ولا تتجسد واقعيا إلا ببذل الجهود وتمتين عنصري العزيمة وال وتمتين عنصري العزيمة والارادة وكذا الاقدام والشجاعة.

وعكس ذلك، فالتسرع والارتجالية، وكذلك محدودية الرؤية والتصور في تحديد مقومات وأسس النجاح، كلها مفاهيم ومنطلقات غير واقعية وغير مفيدة في السير قدما نحو الهدف والغاية المنشودة.

فهل يعقل أن نجتاز اختبار امتحان بدوم أن نستعد له، ونهيئ أنفسنا للتفوق فيه؟

الحياة والواقع مليء بالعقبات والمعيقات الظاهر منها والخفي، لكن للتوفق والتميز يجب علينا قارئي العزيز أن نتبنى ونتسلح بطول النفس وقوة العزيمة والإرادة في مواجهة مشكل أو عائق قد يحول دون تحقيق هدف أو انجاز معين.

4. بلوغ الأهداف من خلال استلهام نماذج ناجحة في الحياة

إن بلوغ النجاح يقتضي منا عزيزي القارئ أن نستفرد بكل مقوماتنا ومؤهلاتنا، ونعمل على صقلها وتطويرها.

ولكي تكون نتائجنا إيجابية، من المستحب أن نقتبس سبل النجاح والتقدم من أناس حققوا أهدافهم ونجاحاتهم، على اعتبار أن الاقتداء بالنماذج الناجحة ضروري ومهم في عملية التحفيز واستلهام الهمم وإشعال الرغبة في التقدم والتطور.

فالانفراد والانزواء على الذات في عملية تحقيق الأهداف، أسلوب ومنهج غير سليم وواقعي.

لأننا نعيش وسط نسيج اجتماعي لا يعير للمجهودات الفردية اهتماما.

وعليه، فمن المفروض أن نبحث عن شخصية أو نموذج إنساني يستحق أن يكون نبراسا وقدوة، وكذلك زادا معرفيا يقوي إرادتك وتصميمك.

من حسن الحظ أن المحيط والوسط، دائما يفرز نماذج استثنائية ومتفردة، لهذا يمكننا أن نعتبرهم نموذجا للنجاح وقدوة للكفاح والمثابرة.

حينما أكدت عزيزي القارئ على وجوب الاقتداء بشخصية أو نموذج إنساني، تتوفر فيه مواصفات التوفق والنجاح.

لم أكن قاصدا الذوبان والتماهي في الشخصيات التي جعلناها قدوة لنا.

بل كنت أقصد أن نركز على الصعوبات والمعيقات التي اعترضت هذه النماذج والشخصيات، ونبحث عن الطرق والسبل التي اتبعتها لتجاوزها وبلوغ أهدافها ومراميها.

فهل تحوم بذهنك ومخيلتك عزيزي القارئ شخصية أو نموذج يمكن الاحتذاء به؟

فإذا كان الجواب بنعم، فلا تتردد في تتبع الخطوات والمراحل التي قد قطعها من أجل بلوغ المراد.

فالختام، بلوغ الغايات والأهداف ليس بالأمر المنيع أو الصعب التحقق.

بل هو مسألة رؤية وتصور وحسن اختيار وقدرة على استلهام نماذج ناجحة ومحفزة، إضافة إلى عامل مهم ورئيسي، ألا وهو العزيمة وتماسك شخصية الفرد التواق للنجاح والتميز.

التواصل اللاشفهي وفن تشارك وتقاسم الانفعالات والأحاسيس دون أن نتكلم

كما هو معلوم، نعيش اليوم في عالم من التفاعلات وتبادل المعلومات وتقاسمها.

هذه الغزارة والكثافة في عمليات التفاعل وتلقي وإرسال المعلومات والمعارف، تزيد من أهمية وضرورة اكتساب مؤهلات وأدوات وطرق تمكننا من التجاوب والتفوق في المهام المنوطة بنا.

ومن المهارات المطلوب توفرها والعمل على تطويرها، الفعالية الاجتماعية، بمعنى آخر على الفرد الانصهار داخل محيطه الاجتماعي، والعمل جاهدا بغية تطوير آلياته الاجتماعية وتجويدها، من خلال تمثيل الأواصر والعلاقات البينية والجماعية مع الآخرين، من أجل انتشاء الاكتمال والاشباع الذاتي.

إن الانفجار المعلوماتي والتواصلي الذي نحياه ويتقاذفنا عبابه، وهذه التطورات المتلاحقة والسريعة التي تجعل مواكبة واتقان فن التواصل والتفاعل من المهمات الصعبة والمعقدة.

وإجمالا، فإن امتلاك واكتساب أدوات التواصل والتفاعل مع الآخرين، تؤهلنا لكي نبعث بأحاسيسنا ومواقفنا عبر رسائل تكون أكثر جلاء ووضوحا، محملة بمعاني وتعابير تجسد وتعبر عن ذواتنا اتجاه الآخر والمحيط.

ويعتبر التواصل اللاشفهي من التعبيرات والصيغ التواصلية الأكثر انتشارا وفعالية.

فأكثر من %80 من الرسائل التي تطلقها عزيزي القارئ، لا تتطلب تَحَقُقًات وصياغات ملموسة ومحسوسة، (هذه نسبة مؤثرة ومدهشة تستحق منا بعض التحليل).

إن هذه النسبة الكبيرة من الرسائل التي يتم إطلاقها، لا تحتاج إلى فعل شفهي، أي إلى التعبير عنها بالكلام، بمعنى آخر أن علاقاتك عزيزي القارئ وارتباطاتك بالآخرين، لا تتطلب دائما مجهودات وتعبيرات كلامية (شفهية).

بل هناك وسائل ووسائط لا شفهية في التواصل وفن مشاركة وتقاسم الآخرين لأحاسيسك ورغباتك دون النبس بكلمة واحدة.

فما هي الوسائل والسبل لتحسين وتطوير قدراتك التواصلية عن طريق توظيف التعبير الجسدي؟

1. مكونات وأسس التواصل اللاشفهي

يرتبط التواصل اللاشفهي بمجموعة ظواهر وتجليات جد هامة ومحدَّدة وكاشفة للعقليات والانفعالات والمؤثرات التي تحكمنا وتؤثر علينا بشكل أو بآخر.

التواصل اللاشفوي ووضعية الجسد وتحركاته

إن الارتباط النفسي والجسدي وثيق ومحوري في انفعالاتنا وتصرفاتنا اتجاه الآخر، وفي مواقف ومواضع معينة.

لذا يجب أن نحرص على إرسال صورة واضحة ومتكاملة عن ذواتنا.

وهذا لا يتحقق إلا من خلال شحذ وتجويد هذه الصورة بمقتضيات وتطلعات المحيط.

فلا أحد يرغب أثناء اختبار أو محادثة متعلقة بطلب شغل أو وظيفة، الظهور في شكل مكترب أو مرهق أو متقوقع على ذاتك.

والعكس صحيح، فلا أحد يرضى أن تكون منطلقا بشكل عبثي، أو غير مهتم أثناء لقاء أو تجمع من المفروض فيه أن ترسل إشارات ورسائل باعثة على الإعجاب والتقدير.

فمثلا جمع الأطراف العليا أو السفلى (الأيادي والأرجل) تعبير عن الانغلاق والانكماش داخل محيطك.

وكذلك انحناءة الظهر تعطي للآخرين صورة الخضوع والسلبية في تحمل المسؤوليات.

فوضعية الفرد والمكان الذي يتحدث منه تلعب دورا في بعث صورة معينة للآخرين، فلا يجب أثناء الحوار عزيزي القارئ أن تأخذ وضعا ثابتا أو جامدا.

فهناك مجموعة من الأفراد يرفضون التفاعل مع الآخرين، وأغلب الظن تكون الأسباب راجعة إلى نقص في كفاءة ومهارة إدارة الحوار وتفعيله مع محيطهم.

لهذا يعملون بشتى الطرق والوسائل على رفضه والوقوف في وجه أي علاقة فيها يتحقق التفاعل والتواصل.

إن وضعيات وحالات الجسد في أغلب الأحيان تكون عفوية وغير محكومة بالقصدية.

فما عليك عزيزي القارئ إلا أن تقارن وتعاين بين تواصلك اللاشفهي مع أصدقائك في جو ودي وهادئ، وبين سلوكك وتواصلك وأنت في قلب وخضم اجتماع مهني.

ومن خلال هذه المقارنة أو المعاينة ستكتشف عزيزي القارئ أن مستويات وأشكال وصور التواصل اللاشفهي تختلف وتتدرج من شخص لآخر، ومن محيط لآخر.

التواصل اللاشفوي وعلاقته بما هو بصري

إن للاتصال والارتباط البصري بين الناس دور هام ومحوري في التفاعل الإنساني.

فنظرتك عزيزي القارئ أداة فعالة وقوية في تواصلك اللاشفهي.

فهل تعلم أن التواصل والاتصال البصري الطبيعي والعادي بين الأفراد يلزمه فقط ثلاثة ثوان؟

إن التواصل البصري يحدد مدى قابليتك وجاهزيتك للتفاعل أو العكس، قد يورطك في حالة افتقادك للثقة بالنفس والخوف والرهاب من أحكام الآخرين.

فالشخص الذي يركز ويحدد نظره حول الجزئيات والتفاصيل، على حساب الأشخاص الفاعلين في عملية التواصل، يبعث برسائل رديئة وغير سليمة، تَنِمُّ على نقص وعجز في مؤهلاته التواصلية.

وفي السياق نفسه، فالنظرة الملحاحة والحادة والمتعالية تعبر عن خلل ونقص في التجاوب والانصات للآخرين.

وكذلك غض الطرف إلى اليسار (أي توجيه عيوننا نحو اليسار) هذا السلوك يعبر عن الامتناع أو الكذب.

إذن للعيون لغة خفية وفاعلة، فللنظرة دور رئيسي في تحقيق أداء متميز وساري المفعول، والعكس صحيح في هذه العملية.

التواصل اللاشفهي انطلاقا من عنصري الحركة والتحفيز

الحركة أداة جوهرية في التفاعل اللاشفهي، فإيقاع الحركة ومداها دعامة هامة في بعث رسائل متنوعة ومتعددة.

فالأشخاص الذين يكونون في حالة ضغط أو قلق، يُصْدِرون حركات متتالية وسريعة ومهتزة.

في حين الأشخاص الذين ينعمون بالهدوء والتريث، تكون عندهم قدرة وقابلية على تكييف وتعديل أوضاع غير ملائمة بتعبيرات جسدية أكثر جاذبية وفعالية اتجاه المحيط.

ولتوضيح الصورة نأخذ نموذج شخص في حفل أو لقاء اجتماعي، فنعمل على ملاحظة تصرفاته وتحركاته، ونطرح الأسئلة التالية:

كيف يتحرك؟ هل يعمل على ارتشاف كوبه بشكل متواتر؟ هل رشفاته صغيرة؟ إذا كان الجواب بنعم. فهل هو فعلا عطشان؟ أم أن الحرص على ابراز هيئته ووضعه الجسدي بشكل لا واع هو السبب؟

أهمية حجم وطابع الصوت في التواصل اللاشفهي

إن عنصر الصوت ضروري في التفاعل اللاشفوي، فهو يعمل على تحديد صياغة معينة للكلمات، التي ترتبط ارتباطا وطيدا بالخطاب واللغة الشفهية.

وعملية النطق في أي علاقة تواصلية ناجحة تعتمد على مدى قدرة الشخص في ضبط الصوت والتحكم فيه.

لأن هذه المهارة تدخل ضمن المؤهلات والقدرات الجسمانية التي بحوزتك.

ويبقى الجانب النفسي حاضرا وبقوة في نقل وتوصيل هذه التعابير بشكل أو بآخر.

فمثلا الصوت المرتعش أو الغير المسموع أو إلقائك وطريقة نطقك السريعة، هذه الاهتزازات الصوتية والسرعة في النطق كلها عوامل تدل على القلق والاضطراب النفسي.

في حين، إذا ما تمكنا من التحكم في جهازنا التنفسي (عملية التنفس)، فإن بصمة وطابع الصوت يكون صافيا ومستوى نطقنا جيد.

هذه المؤشرات تدل وتعبر عن الثقة والاعتزاز بالذات وبمؤهلاتها.

التواصل اللاشفوي وتعابير الوجه

إن الرسائل الاكثر وضوحا، والتي تكون موجهة إلى الآخرين، يجب أن تكون مفعمة ومصاغة بتقاسيم وتعابير الوجه.

وعليه فإن هذه الرسائل التي يبعثها الوجه للآخرين يجب أن تكون متوافقة ومنسجمة مع الموقف والوضعية المطلوبة.

فمثلا، تقطيب الحاجبين إشارة وإيحاء للقلق والاكتراب، في حين الابتسامات الجانبية التي لا تكون في السياق المطلوب، تعبر عن اللامبالاة وعدم الاهتمام، وكذلك يعتبر عض الشفاه تعبيرا عن الضجر والانزعاج.

وفي مقابل ذلك، فالابتسامة المشرقة والعريضة، وكذلك العيون المتفتحة والبراقة، هذه المميزات أو هذه التعابير التي يبعثها الوجه تترجم انفتاحا في العقلية وانصهارا وتطابقا مع نشاطك ومحيطك.

2. التواصل اللاشفهي تأكيد على الثقة في الذات

إن أفضل وأنجع الأفراد المتواصلين، هم الأشخاص الذين يتمتعون بملكات وقدرات تواصلية بارزة داخل محيطهم.

هذه من الخصال والسمات أو كما يطلق عليها الكاريزما، وهو مصطلح كثير التوظيف في العلوم الاجتماعية وخصوصا في علم السياسة.

فالكاريزما عنصر وركيزة أساسية وضرورية لبلوغ التفرد والبروز.

ومن شروط تحقق الكاريزما حضور الآليات والأدوات المتحكمة في التواصل اللاشفهي.

وأهم هذه الآليات الوعي والإدراك بأهمية الجسد، كمعطى وكإيحاء ظاهر وضمني في السيرورة التفاعلية اللاشفاهية.

وحتى يكتمل سير وسريان التواصل، فالعيون والنظرات التي تبعثها أو تلتقطها، يكون لها فعل ووقع كبير.

فالنظر بتمعن وهدوء دليل على التمرس والتمكن من ملكاتك ومواهبك التواصلية.

أي أن الكاريزما والثقة بالنفس، ليست عناصر أو طباعا فطرية، بل يلزم الاشتغال عليها واختبارها داخل حياتنا اليومية، حتى نستطيع استخلاص واكتساب انفعالات وردود فعل طبيعية اتجاه الآخرين واتجاه المحيط الذي نتواصل معه مباشرة.

3. بعض التمارين للرقي بتواصلك اللاشفهي وبجودة أداءك

لتطوير أداءك التواصلي اللاشفهي، يستحسن القيام بمجموعة من التمارين وبشكل متكرر، ليتسنى لك عزيزي القارئ إحكام مراقبة الإشارات التي يبعثها جسدك.

التحكم في وقفتك ووضعيتك أثناء الوقوف

لزاما عليك عزيزي القارئ، إذا أردت بلوغ نتائج جيدة وانطباعا إيجابيا من طرف الآخرين، أن تقف مستقيما ورأسك مرفوع للأعلى، وأن تكون فخورا بما أنت عليه ولا تعير الاهتمام لنظرة الآخرين.

تبنى عزيزي القارئ وضعية وقوف تعبر عن انفتاحك و تجاوبك مع مخاطبيك، وحاول التقرب منهم عند الحديث، فذلك يعطي الدليل على رغبتك و إرادتك في التجاوب والتفاعل مع الآخرين، دون أن تنسى رسم ابتسامة على محياك.

فمثلا إذا كنت جالسا تتصفح ملفا يخص عملك، حاول أن تنحني بلطف، وأن تعمل على تمديد رجليك لملء فضاءك الطبيعي.

نظرتك للآخرين يجب أن تكون مطبوعة بالتماسك

إذا كنت عزيزي القارئ تحس بنوع من الخجل والتردد أثناء النظر للآخرين، فما عليك إلا أن تقوم بجولة في شوارع مدينتك أو محيطك، وتعمل على النظر والتفحص في وجوه عيون الآخرين بجرأة وتبات.

فإذا ما استطعت عزيزي القارئ التفوق في هذا التمرين بجعل الآخرين يغضون النظر عن نظراتك المخترقة والجريئة، (بعيدا عن إرسال نظرات تحمل إشارات العدوانية والتهديد).

وبتكرار هذا التمرين وإعادته ستتمكن من تأهيل وتثمين ثقتك في نفسك، وسيكون دافعا للاختلاط السلس بالآخرين.

ولكي تكون نتائج هذا التمرين متميزة ومشجعة، أنصحك عزيزي القارئ بالإدمان على ارتياب وحضور التجمعات والمناسبات حتى تشحذ وتطور قدراتك التفاعلية اللاشفهية.

كن متيقظا وبارعا في توظيف طاقاتك

لا أحد يستطيع التحاور أو الكلام مع شخص متوتر وعصبي وغير قادر على التحكم في ذاته وجسده.

فكل إشارة أو حركة صغيرة، الغرض منها اخفاء أو طمر خلل أو فراغ معين محظورة ومخالفة للاكتمال التواصلي.

فمثلا اللعب بولاعة أو بخاتم أو بالشَّعر…هذه سلوكات وتعبيرات لاشفهية تدل على اهتزاز واضطراب في نفسية الشخص.

من المفروض والمحبب ضبط والتحكم في حركاتنا وإيماءاتنا رغم بساطتها وتفاهتها.

لأن الرسائل الملتقطة من طرف الآخرين غالبا ما تُحَوَّر ويتم تحريف مضمونها وغاياتها.

خذوا وقتكم الكافي والكامل لبلوغ التفاعل والتواصل الفعال

إن الاسترخاء والتفكير المطول في العناصر والحركات المحفزة لتحقيق تواصل وتفاعل كامل وفعال، ضروري وهام لبلوغ المرامي.

إذا الهدوء والاستلقاء لمدة ووقت معين أساسي في التركيز وفي الحفاظ على مقوماتك الذاتية قبل الخوض في عملية التواصل والتفاعل مع الآخرين.

الاشتغال على صوتك وتنفسك

إن صوتك وخانته ومحمول الرسالة التي يريد بعثها تعكس اعتدادك بنفسك وثقتك فيها.

وللوصول إلى هذه المرحلة تستطيع عزيزي القارئ القيام بمجموعة تمارين تخص عملية التنفس.

أولا يجب عليك أن تستنشق الهواء بكميات وفيرة حتى تحس به داخل رئتيك وبطنك.

وفي عملية الزفير نعمل على ترديد ونطق كلمات تهمنا وتساعدنا على الإقدام والاعداد لعمل نحن مقبلون عليه أو ماضون فيه.

وبهذا ستكون عزيزي القارئ، قد تمكنت من اجتناب الاضطرابات والارتدادات التي قد تلحق بأداء صوتك وطريقة نطقك الكلمات والعبارات.

الحوار أو التحاور اللاشفوي يبوؤك ويؤهلك من تطوير كفاءتك العلائقية

كما هو متعارف عليه ومعمول به، فإن التواصل والتفاعل سواء المهني أو الشخصي يمكنك عزيزي القارئ من التعبير والإفصاح عن احتياجاتك ورغباتك وأهدافك.

والحرص على اكتساب وعي بأهمية التواصل اللاشفوي تقوي صورة المتواصل بشكل ملموس ومحسوس وتعطيه شرعية القدرة على توظيف هذه العناصر والمعطيات في تواصلنا مع الآخرين دون الوقوع في الارتجال أو التردد.

ونافلة القول في هذا الموضوع، نصيغها في صورة إشكالية محورية.

فكيف تثمن وتقدر عزيزي القارئ مؤهلاتك اللاشفهية في التفاعل مع المحيط؟ وهل لغتك الجسدية منفتحة ومتصالحة مع الآخرين؟ أو العكس؟ وهل ستتمكن عزيزي القارئ من استغلال هذه الآليات والأدوات التي طرحناها عليك آنفا في صقل ثقتك وإيمانك بذاتك وبمقوماتك؟

كيف نكتشف التلاعب والمتلاعبين ونَحُدُّ من تأثيرهم؟

ن تصوراتنا وتمثلاتنا لعالم طوباوي ومثالي، يعيش فيه الأفراد علاقات وروابط، يطبعها التعاون والإخاء والتكافل. وترتكز فيها جهود الأفراد وإنجازاتهم على رؤية شاملة وجماعية، تتوخى وترنو لتحقيق المنفعة والمصلحة العامة.

فلا عجب إذا قلنا أن هذه الصورة المثالية، تبقى من وحي خيالنا، لأنه مع الأسف الشديد نعيش ونحيى مفارقات وتناقضات، تغيب عنها معايير وقيم الصدق والجدية وتفهم أعطاب ونقط ضعف آخرين.

وارتباطا بالواقع المعيش، نحن دائما معرضون للوقوع في موقف تلاعب أو مراوغة من الآخرين، لإيقاعنا في شباكهم، للوصول إلى غاياتهم وأهدافهم المسمومة، على حساب الإضرار بالآخرين والإيقاع بهم.

سبق لنا التطرق إلى مجموعة من الانحرافات الاجتماعية والنفسية. لكن موضوع مقالة اليوم، يعالج آفة خطيرة، قد نكون عرضة لها، ولا نستطيع استيعابها واكتشافها مبكرا. مما قد يضيع علينا فرص تجاوزها ومقاومة مرتكبيها. فآفة التلاعب وإيقاع الآخرين في نزاعات وخلافات كان من الممكن تجنبها، هي ظاهرة وسلوك اجتماعي مشين، قد يساهم في تفكك النسيج الاجتماعي والارتباط الإيجابي بين أفراد المجتمع.

1.الاعتماد على حواسنا وميولاتنا النفسية للكشف عن المتلاعب

إن الاعتماد على حواسنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، مهم لكي نستطيع اكتشاف فعل أو قول، نشتم فيه رائحة التلاعب والمراوغة.

فهل صادفتم عزيزي القارئ يوما متلاعبا يريد إيقاع بكم والنصب عليكم؟

أتمنى عزيزي القارئ، أن يكون الجواب بالنفي. هذا لا يمنع من أن نتخذ حذرنا واحتياطاتنا، حتى لا نقع فريسة لمتلاعب أو مناور يحاول الإيقاع بنا لقضاء أغراضه وأهدافه الوضيعة.

إن الارتباط بحدسنا ونزوعا تنا النفسية، في رصد وكشف صدقية أو تلاعب الشخصية التي أمامنا، ضروري وأساسي للكشف عن زيف أو صدق الخطاب الذي نستقبله.

2.الميزات والسمات الرئيسية الكاشفة عن التلاعب

الاحتيال والتلاعب بالغير، سلوك وصفة ليست حكرا على جنس محدد أو مجال معين، بل هي تتخفى وتبرز حسب الحالات والمواقف. أي أنها غير محددة المعالم والملامح.

من هنا تكمن قدراتنا وإمكانياتنا الذاتية في التعرف والكشف عن التلاعب. وموازاة مع ذلك، لا يمكن أن نعتبر الفرد الذي يُصِرُّ ويُلح على أقواله ويرغب في فرضها على الآخرين، أنه شخص محتال ومتلاعب. فهذا منطق مغلوط وحكم واهي ويُجانب الصواب والعقل.

التعرف على المتلاعب من خلال مزاجه المتقلب فجائيا:

إن الشخص الذي يتوفر على قدرة الاقناع والتحكم في نفسية الآخرين، وتكون له ميولات لتقويم وتهديب الآخرين وإرشادهم إلى طريق الصواب، تكون غايته فقط، هي كسب ثقة ونفوس مخاطبيه، لكي يسهل عليه في نهاية المطاف الانقضاض عليهم والإيقاع بهم في مصيدة التلاعب.

فالمتلاعب يتقمص ويشخص الحالات العاطفية والنفسية، ويحاول دغدغة مشاعر وأحاسيس مخاطبيه، بلغة وخطاب وأسلوب يتقفى تغييب عقل وتفكير الضحية.
إن ضبط الآخر والتحكم فيه على مستوى الخطاب والتواصل، أداة ووسيلة ناجعة لتجاوز المخاوف والمخاطر.

للمتلاعب وسائل وطرق عدة للإيقاع بضحاياه، والاستفراد به، فهو يركز قدراته الذاتية على استفزاز وتهييج الانفعالات النفسية والعاطفية لمخاطبيه لصالحه. بل يمارس كل أنواع الألاعيب والحيل لاحتواء فريسته وتملكها نفسيا وذهنيا، حتى بلوغ غاياته ومقاصده الشخصية. دون أن يعير الاهتمام للأضرار والعواقب التي قد يخلفها فعله على ضحاياه.

وعليه فإن السمة الرئيسية للمتلاعب، هي التقلب المستمر لمزاجه، وهذا دليل على رفضه الذاتي للسلوكات المشينة التي يرتكبها في حق الآخرين، وكذلك يشير هذا التقلب في المزاج للمتلاعب إلى اعتراف ضمني بالتورط في فعل أو عمل معيب وخاطئ.

فكثير من الأبحاث والدراسات التي تعتبر المتلاعب أناني إلى أبعد الحدود، على اعتبار أنه يغار من الآخرين، وعليل في الغلو والاعتزاز بنفسه وبقدراته الذاتية (النرجسية).

التعرف على المتلاعب من خلال طريقة إجابته عن أسئلتنا:

إنه بمجرد طرح أسئلة بسيطة على المتلاعب، يمكن أن نضبط ونتحكم في إرادته ورغبته.

المتحايل لا يرضخ ولا يتنازل بسهولة عن أفعاله واعتقاداته، ولا يرضى بحرمانه من مصلحة أو هدف يرغب فيه. فجوابه عن الأسئلة المطروحة عليه، يكون دائما فيه عدم التنازل أو الحرمان من أهداف وغايات نريد تحقيقها.

المتلاعب يعتقد دائما أنه يحتوي الآخرين وله القدرة على إقناعهم، فهو يظن أنه يعرف ضحيته جيدا ويُلم بانفعالاتها وسلوكاتها. فهو لا ينتظر من مخاطبيه أن يكونوا على دراية وعلم به وقادرون على كشفه. فهو يعتبر أن قدراته العقلية والذهنية أقوى من الذين سيوقعهم في شباكه.

فحركات وملامح المتحايل والمتلاعب تبرز وتظهر جلية عندما يكون مقبلا على القيام بعملية تلاعب أو احتيال على مخاطبيه.

فلهذا يجب أن نركز تفكيرنا ونضبط ونتحكم في انفعالاتنا وتصرفاتنا، حتى يسهل علينا اكتشاف الاحتيال والتعرف على المتلاعبين، لأنهم يتخفون وراء أقنعة وهيئات وأشكال مختلفة ومتنوعة، مما يُصعِّب ويعقد مهمة التعرف والكشف عن الاحتيال والتلاعب.

التعرف على المتلاعب من خلال عبارات وأساليب المجاملة:

من المعتاد أن المحتال والمتلاعب غالبا ما يلبس أقنعة وأثواب الشرف والأخلاق والمثل. فهو دائما سباق إلى مجاملة الآخرين وتشنيف أسماعهم بأجمل وأعذب عبارات اللباقة والمجاملة الغير الصادقة.

هذه الأساليب والطرق هي صورة من صور الاحتيال والنصب التي يتعمدها المتلاعب من أجل نيل تجاوب الآخرين ورضاهم. فاللباقة والمجاملة هي صنارة وطعم يوظفه المتحايل باقتناص ضحاياه المرتقبين، الذين لا يدركون فحوى هذه المبالغة في اللباقة والمجاملة التي يبعثها المتحايل لصالهم.

لهذا فالمتحايل يستغل عدم إدراك أو جهل الآخرين لهويته وسلوكاته، وكذلك مواقف الضعف والعجز التي يقع فيها ضحاياه، فيسهل عليه إيقاعهم ونيل أغراضه منهم.

التعرف على المتلاعب من خلال نقص قدراته وأداءه الاجتماعي:

إن النطاق والفضاء الذي يتلاعب فيه المتحايل يكون ضيقا ومحصورا، ولا يستطيع أن يمدده أو يوسعه، لأنه يخاف الوقوع في شباك ضحاياه السابقة. فهو يفضل عدم الاختلاط بالآخرين حتى لا ينكشف سره، فهو دائما يميل إلى عزل ضحاياه ومخاطبيه في فضاء محصور وضيق، لكي يسهل عليه التمكن منهم وبلوغ مقاصده وأغراضه.

بالإضافة إلى ذلك، فالمتحايل لا يعترف بنجاحات الآخرين لأنه يعتبر نفسه أفضل وأقدر منهم على التفوق والنجاح.

فهو لا يؤمن بصداقات جديدة وبالاختلاط مع أناس جدد، فمثلا إذا قدمت له شخصا أو صديقا جديدا، فهو يفتعل الخلاف والنزاع، حتى لا يوطد ويوثق علاقة جديدة غير مدرك لسلوكات وتصرفات أصحابها.

إذا المتلاعب يخاف الاختلاط والتعرف على أناس جدد، ظنا منه أنهم سيكشفونه وسيتعرفون على حيله وألاعيبه.

3.كيف نواجه المتلاعب وجها لوجه؟

إن أول خطوة يمكن القيام بها وتجنب الاحتيال والتلاعب، هو تفادي التواصل والتفاعل مع هذه الشريحة من الناس، التي تتقنع وتتخفى وراء عدة أساليب وطرق غير واضحة.

فالمتحايل في علاقته مع الآخر، دائما يفكر في ضبط وتوريط انفعالاتنا وعواطفنا عن طريق اختلاق أكاذيب وحيل تستفز وتهيج المشاعر والأحاسيس، وتهمش استعمال المنطق واستخدام التفكير المترابط والنسقي.

وعليه فإن سلوك المتلاعب ومنطقه يرتكز على إقناعك ونصحك بقيم ومثل غاية في الأهمية، حتى لا يترك المجال لسؤاله ونقاشه عن الخفي والضامر من سلوكاته.

ولكي تكون مواجهتك ومكاشفتك للمتلاعب، ذات مغزى ومفعول، يجب أن يعي المتحايل أنك لا تتنازل عن اختياراتك وانجازاتك، وأنك تتوفر على كامل الإدراك والوعي بأعماله وأفعاله، ولا تنتظر مساعدة أو مشورة الغير.

بالإضافة إلى هذا، يجب أن يعرف المتلاعب، أنك مؤمن وواثق بمؤهلاتك الذاتية وحر ومسؤول عن جميع ما تفعله وما تقوم به.

بالفعل، الاندماج في المحيط والتحلي بأخلاق الشرف والنبل، هي وصفات فعالة لمواجهة الاحتيال والتلاعب. على اعتبار أن المتحايلين لا يستطيعون إثبات مصداقيتهم ونجاعة أقوالهم داخل محيطهم الطبيعي.

لهذا فهم دائما يتعمدون اصطياد ضحاياهم في نطاقات محصورة ومحدودة، تكون بعيدة عن الجماعة وعن التفاعل الاجتماعي الطبيعي السلس.

لغة الجسد: هل هي رهان حقيقي في العلاقات المعاصرة؟

سنتفق جميعا على القول بأنه إلم تكن لنا القدرة والعزيمة على عدم إيلاء الاهتمام بنظرة الآخر وجعلها تؤثر في التعبير عن ذواتنا، وعلى رسم جملة أهدافنا ومساعينا، وبشكل أكبر في مسألة سعادتنا، فلن يكون بالمستطاع أن ننعم بطيب العيش بعيدا عن أعين الآخرين.

يعد المجال العلاقاتي أحد مفاتيح التي تقودنا نحو السعادة. فكل فرد منا يحمل داخله مقدارا من الرغبة في العرفان والاهتمام بما يقوم به، وتحذوه الرغبة أيضا في تبادل الأفكار والآراء والانفتاح على الآخرين عن طريق التفاعل معهم.

فكما يحلو لي الترديد على الدوام، بأن الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه تصدر عنه بالتأكيد مجوعة من الأحكام، لكنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبتعد ويفرط في بني جنسه. وفي هذا السياق، يصير الذكاء الاجتماعي الرهان المنوط بالتفاعلات الذي نخوضها داخل فضاء المجتمع.

فكل فرد يحاول أن يبدي مدى تأقلمه وتكيفه، وكذلك إظهار قدرته على الأخذ بالقواعد والقيم التي تجعله يدخل غمار أية علاقة. وفي خضم هذه اللعبة التي تبدو بسيطة للغاية، يظهر بالفعل على أن لغة الجسد وسيلة خارقة، حيث أنها تنقل صورة مقبولة، صادقة كما أنها تضفي طابع المشروعية.

بل إنها تعتبر من ناحية أخرى (بل في غالب الأحيان ودون وعي أو إدراك بذلك) على أنها إحدى العوامل التي تعطى لها قيمة من لدن بني جنسنا بغرض رسم وتحديد القيمة الاجتماعية التي نحظى بها لدى الآخرين.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل بالإمكان معرفة كيفية تقوية وتعزيز صورة المتحدث الصادق، والشخص القادر على التواصل والذي يَسْعَدُ بالتواصل مع الآخرين.

1. لغة الجسد: إدراكها عامل مساعد في تطويرها

من الناحية العملية، لا يظهر أن لغة الجسد البادية من مظهرنا، وتقاسيم وجهنا، ونظراتنا، وكذلك حركاتنا… بأنها تكتسي أهمية اللهم في وضعيات جد محددة. فنحن نعي تماما بأننا نقوم ببعث صور مغلوطة، ورسائل خاطئة، حينما نصبح تحت تأثير التوتر والضغط.

فمن منا لم يندهش عند قيامه بحركات عبثية (أو مزعجة إن صح التعبير) أثناء مقابلة شفوية للتوظيف (فرك الرأس بشكل متكرر، أو اللعب بقلم…)، أو عدم القدرة على النظر مباشرة في عيني شخص حسن المظهر وجذاب ؟

إذن فلغة الجسد هي هذا الإحساس، الذي يسهم في تحديد مفهوم الكاريزما، حيث استطاع العديدون تطويره بشكل يتعذر تفسيره.

هل بالفعل يتعذر تفسيره ؟ لا، ليس تماما.

فليس غريبا إذن أن نجد أن الأشخاص الذين طوروا من أسلوب لغة الجسد لديهم لتصبح متناسقة مع حركة جسدهم، وميزة الثقة والهدوء والرصانة، بأنهم نفس الأشخاص الذين يجعلون من طريقة تواصلهم (وبالتالي صورتهم لدى الآخرين) أولوية.

فسواء كان الأشخاص ممثلين، أو رجال سياسة، أو فكاهيين، أو محاضرين في مدرجات الجامعات… فطريقة خطابهم ليست السبيل الوحيد الذي يجعل منهم أشخاصا قادرين على شد الانتباه وكذلك على بعث الأحاسيس وإثارتها. فبالنسبة إلى هؤلاء، تعد دراسة لغة الجسد مسألة ضرورية، وهي وسيلة تعزز شكل خطابهم وإلقائهم.

فلا يسعكم في حقيقة الأمر إلا خفض مستوى الصوت في تلفازكم كي يتسنى لكم رؤية ذلك عن كثب. فمن دون أي استعمال للعبارات، فإنكم تتمكنون من فهم ما يصدر عنهم من أفعال، وتستطيعون أيضا فهم السياق وكذا طبيعة حالتهم النفسية (من غضب وفرح وشك وما إلى ذلك…).

لكن كيف يتم ذلك ؟ كيف بالإمكان أن نجعل من لغة الجسد مؤثرة في محيطنا بشكل يومي ؟

ونذكر على وجه الخصوص أيضا، كيف بالإمكان أن تتمظهر وتنعكس هذه العادة في تصرفاتكم كي تعبد الطريق أمام بروز ذكائكم الاجتماعي ؟

2. هل تصبح لغة الجسد “خطرا” إذا أسيء استخدامها ؟

إذا كان قلة من الأشخاص يمضون أيامهم وهم يعتبرون حركات جسدهم والصورة التي يبعثونها من خلال ذلك تشكل أولوية لديهم (وهو ما يعتبر مفهوما نظرا لتعدد الأحاسيس التي تخالجنا أثناء اليوم الواحد)، فإن لغة الجسد لديها أيضا بالمقابل جوانب سلبية أيضا.

فطريقة التواصل غير السليمة تكون مدعاة إلى فقدان الثقة، وتزيد من بذر الشك والارتياب حولنا. وفيما يخص موقع “النجاح الذاتي”، فبمقدورنا الحديث عن الردود التي تبين مدى صعوبة تحسين والارتقاء بالخصال الاجتماعية على سبيل المثال؛ لأن ذلك كله غير مرتبط بشخصيتكم.

لذا فإن لغة الجسد الخارجة عن سياقها حينما لا تؤدى بالشكل المطلوب أو إذا أسيء استخدامها، فإنها تدفع الأشخاص المحيطين بكم دفعا إلى تفادي الحديث معكم، بحيث يتم ذلك بشكل لا شعوري.

فما داعي التفاعل معكم في حين أن جسدكم يرفض التفاعل بالمطلق ؟

الشعور بالخجل عائق أمام الشعور بالاطمئنان والانشراح داخل المجتمع. لا يمكننا أن نلقي باللائمة على الأشخاص الذين لا يقومون بالبحث والاستقصاء قصد معرفة ثنايا طبائعكم الباطنة، بل سيكون من الأجدى أن تبينوها وتظهروها لهم من خلال حديثكم وكذلك عن طريق تصرفاتكم وأفعالكم.

فلغة الجسد التي لا تكون مدروسة بعناية، بمقدورها التأثير سلبا على الشخص الذي يقوم بها، حيث من المتوقع أن يتم فهمها على أنها ذات طبيعة عدائية وانتقامية أو حمالة لأحكام أبعد عن الصواب.

فحينما تمعنون النظر طويلا مثلا، أو تقومون بحركات سريعة وخاطفة أو حينما لا يسعكم التحكم في جسدكم بشكل كامل (لاسيما اليدين)، فإن ذلك مسوغ للفهم على أنكم تعانون من حالة ذهنية مضطربة وغير منضبطة.

ونعني بكل ما سبق الإشارة إليه على أنه إذا لم تكن الغاية من لغة الجسد أن تكون من ضمن المفاهيم التي تشكل أولوية قصوى على المستوى السلوكي، فإنها في حقيقة الأمر ضرورة ستضمن لكم اندماجا سريعا وناجعا في محيطكم.

وماذا عنكم ؟ هل تتحكمون بطريقة تواصلكم غير اللفظي ؟ وبحسب تصوركم للأمر، ما هي نقاط قوة لغة الجسد ؟ أجيبوا فإن وجهات نظركم في الموضوع تهمني جدا !

إلى اللقاء عما قريب.

كل ما تحتاج معرفته لتتعلم كيف تتحكم في أحاسيسك

سمعنا كثيرا عن أشخاص تقودهم أحاسيسهم وتهيمن على حركاتهم وسكناتهم.

وفي هذا الخضم من الأحاسيس المختلفة يضيع منهم صوت العقل ويتلاشى، إذ يرتطم بأمواج عاتية من الآلام و أوجاع النفس أو الغضب أو الخوف، وتتحول هذه الأحاسيس إلى مهيمن ورقيب فوقي يوجه الذات إلى سلوكات غير ملائمة.

فالكلمات قد تتجاوز العقل وتتخطاه فنتكلم انطلاقا من غريزتنا دونما تفكير عقلي في الموقف.

لكن لحسن الحظ أن هذه الحالة غير السليمة ليست محتمة على الذات إلى الأبد، لا أبدا، فبإمكاننا أن نتعلم كيف ندير ونتحكم في مختلف أحاسيسنا.

أجل، هيمنة هذه الأحاسيس عليك ليس أمرا قدريا.

مدونة النجاح الذاتي ترافقكم في جولة مع بعض النصائح التي تتيح لك التخلص من القلق الدائم، وتقليص آثار الأحاسيس السلبية على نفسيتك.

1. التحكم في الأحاسيس القوية بإدراك حدود قدرتها

الأحاسيس السلبية مهما كانت دوافعها، فإنها تعتم على تفكيرنا، وتتَمَلكنا إلى أن تصبح في النهاية حواجز حقيقية أمام التفكير المنطقي.

وتدبير هذه الأحاسيس لا يعني أن تتجاهلها بأن تدفنها في أعمق نقطة منك، وأن تتناسى إدماجها في نشاطك.

بعض الأحداث الاستثنائية، كوفاة شخص قريب أو شجار عنيف أو اعتداء… تستثير فينا ردات فعل نفسية طبيعية، تكون سببا في القلق وعدم الراحة أو الصدمة.

وعندما تحاول أن تتخلص من هذه الأحاسيس بطمرها ودفنها، فإن ذلك لا يسمح بالتخلص منها، فثقلها على وعيك لا يختفي من غير جهد.

السلاح الأكثر فعالية للتحكم في أحاسيسك هو الموضوعية. يتعين أن تتقبل شعورك كيفما كان (خوف، ألم…)، ليتسنى لك وضعه في حجمه الحقيقي والنسبي.

هدفك سيكون إذن هو أن تحلل بدقة آثار هذه الأحاسيس على سلوكاتك.

هل تتصرف بطريقة مختلفة بعد ظهور هذا الإحساس؟

هل يؤثر على علاقاتك الاجتماعية؟

هل يغير من أولوياتك في حياتك اليومية؟

طرحك لهذه الأسئلة يُعد الخطوة الأولى باتجاه تدبير والتحكم في هذا الإحساس الذي يكتنفك.

نفسيتك ستستدعي عنصر الشك، وستتحرر تدريجيا من سطوة ذلك الشعور بجعلك تدرك اللحظة التي أصبح فيها قوة فوقية معرقلة لإعمال العقل.

2. التحكم في الأحاسيس القوية من خلال الاستبطان العميق.

بتجدد تأثير أحاسيسك على طريقة إدراكك للعالم، سوف لن تستطيع أن تحدد هذه الأخيرة بسهولة.

ولكن أحاسيس من هذا النوع لا تظهر بالضرورة في اللحظة التي تعمل فيها على تجديد وجودك.

هناك عدد من أحاسيسنا مطمور ومتخفي في انتظار عنصر مثير يجعلها تطفوا على السطح لتكتسحنا من جديد.

ولتدبير أحاسيس من هذا النوع يتعين الغوص بعمق في أغوار الذات، ودراسة نفسيتك وماضيك.

وهكذا، ستتمكن من تحديد النبع الذي تدفقت منه.

هدفك إذن لا يتجلى في محاربتك للأحاسيس التي تكتسحك، بل هدفك هو تقبلها، ومعانقتها لفسح المجال لعقلك كي يشق طريقه إلى تبديد الضغط الناشئ بسبب هذه الأحاسيس.

صحيح أن التحكم في هذه المشاعر السلبية يبدو غير متقبل وغير مقنع : (نوبة حزن شديدة، غضب عارم….).

ولكن كن على يقين أن هذه الأحاسيس ليست عناصر تابثة تميزك في شخصيتك.

إنها أحاسيس عابرة فقط كسحابة صيف، يصبح متَحكَّما فيها كلما تقدمت في عملية الاستبطان التي تحدثنا عنها.

3. التحكم في الأحاسيس القوية بتحديد غايتها

تأكد أن نفسيتك ليست بشيطان يحاول أن يتلاعب بك بأن يعكر صفو حياتك.

إذا كانت أحاسيسك تمنعك من استعادة السيطرة على حياتك، فلأنك انحصرت بذاتك داخلها.

وهذا الانحصار يكبح ارتقاءك بذاتك، إنه يجسد الصدمة، ويجسد نقصا في شخصيتك.

التحكم في المشاعر السلبية يعود إذن إلى محاربة المصادر التي تكبح السعي إلى تحصيل السعادة، وتكبح إدراكك لذاتك ومعرفة من أنت بعمق.

لكي يتسنى لك ترويض هذه المشاعر سيكون لزاما عليك أن تُبقي عقلك منفتحا، متنبها بفضول، لكي تفهم تبعاتها على حياتك سواء في واقعك اليومي أو بشكل خصوصي (حميمي).

4. التحكم في الأحاسيس القوية بأن تفسح لها المجال بوعي لتملي عليك بعض اختياراتك

إذا كنت لا تستطيع أن تتحرر من إرادتك الحرة وأن تترك أحاسيسك تهيمن عليك، فإنك تستطيع أن تتركها تؤثر على اختياراتك.

هذا التأثير يجب أن يكون رغبة واعية، بمعنى أن تكون هذه الرغبة مصدر قراراتك.

وهكذا، لا تكبت حزنك… بإمكانك أن تبكي، أن تبوح بأحزانك لشخص أو حتى للورق.

نفس الشيء بالنسبة للغضب.

لا شيء يمنعك من أن تكون بمزاج سيئ، تستطيع إذن أن تُعبر عن هذا الخير بالقيام بنشاط ملموس، او أن تكتب رسالة مليئة باستياءاتك، لتحرقها بعد ذلك.

تدبير المشاعر عن طريق تركها تعبر عن نفسها يمكن أن يقودك إلى التغيير الجذري في حياتك.

قد تكون انتبهت إلى أنك لا تتطور في نشاطك المهني ، في منطقتك، مع بعض الأشخاص…

يجب أن تكون دائما في الاستماع إلى الإحساس الذي يكتنفك وأن لا تكبته وأن تجعله موضوعا لتفكيرك من أجل أن تتخذ القرارات التي تناسب حالتك النفسية.

من أجل التحكم في الأحاسيس التي تبدو سيئة أو هدامة، يلزمك ان تتقبلها، أن تتركها تعبر عن نفسها، إنها ليست سوى وسيلة تواصل مباشرة تستخدمها نفسيتك لتنقل إليك رسالة هامة مفادها: ضرورة التغيير الذي يتجه بك نحو الارتقاء بنفسيتك.

ما العمل لكسب صداقات متميزة: اللغز المحير؟

ليس دائما محمودا استعراض وإبراز مقوماتنا ومؤهلاتنا الاجتماعية والتداولية وكدا تقييم الروابط والعلاقات مع الآخرين، دون الاحتكام إلى أبجديات الموضوعية والواقعية.

فأسباب العزلة والانكفاء على الذات وعلى الآخرين عديدة ومتنوعة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر الخجل وانعدام الثقة في الذات وكدا التفاوت الثقافي بين الأفراد، وبالتحديد غياب القدرة المادية على خلق تفاعل أو تواصل مع الآخر.

هذه البواعث والأسباب تشكل أبرز النواقص والعلل التي تعرقل العملية التواصلية والتفاعلية مع الآخرين.

وموضوع مقالة اليوم صديقي القارئ، هو محاولة لخلق وسائل وآليات تمكننا من تجاوز العراقيل المادية والنفسية، وهي محاولة لفهم النزوعات والميولات التي تدفعنا إلى التفاعل والتجاوب مع أصدقاء مزعجين.

1. انهاء جلد الذات والتقوقع داخلها ضروريان لكسب الأصدقاء

إن الانحصار والتقوقع على الذات والاسترسال في نقدها وجلدها بصورة مرضية، له وقع وتأثير على نفسيتنا، وقد يزج بنا إلى مستنقعات اليأس والاحباط وارتياد مسالك الاكتئاب والضجر والعدمية.

عدة عبارات وألفاظ نُرَدِّدُها وقد نجترها، من قبيل (على كل حال، أنا قبيح_ لست مهتما أو معنيا_ أنا جد صغير على…_ أنا محتاج إلى…_ لا أعرف شيء…) صيغ وأساليب نوظفها لتقديم اعتذار أو للتملص والخروج من موقف فيه إضعاف وإحراج لنا. بمعنى آخر ضعف ونقص نحس به ويؤثر على اعتزازنا بذواتنا وبقدراتنا التواصلية.

إن الانطباع والفهم الأولي الذي ينتاب الآخرين عندما يلاحظون شخصا لا يتوفر على أصدقاء، هو كون هذا الشخص انطوائي ومتخلف عن مقومات التداول الاجتماعي.

فإذا كان النرجسي يتميز بتضخم الأنا، وبالتمجيد والمباهاة بذاته وبانجازاته، فالأمر معكوس بالنسبة للشخص المتقوقع والمنغلق على ذاته ومحيطه.

فالارتياب من عدم إرضاء الآخرين، والخوف من أحكام الغير، مشاعر وأحاسيس طبيعية، متقاسمة ومشتركة بين بني البشر.

وعليه فإن التداول والتفاعل مع الآخرين هو عملية تواصلية، نحاول من خلالها جدب وإثارة انتباه الآخرين صوبك، عبر تحيين وتكييف النقاط والعناصر المشتركة معهم.

وفي سياق آخر، لا أحد يستطيع الكشف عن عواطفه وأحاسيسه ومشاعره لشخص يتعرف عليه لأول مرة. وتعد الوحدة والخوف من عدم اكتساب أصدقاء، والعيش في عالم مسيج ومعزول عن الآخرين، علامة وإشارة عن قصور وعجز في إدراك ماهية التفاعل الاجتماعي الذي كما سبق الذكر هوعبارة عن تبادلات وتجاذبات وتسويات.

فالعالم والمحيط الذي نعيش ونتساكن داخله لا يتمحور ولا يتمركز حول أحاسيسنا ورغباتنا، بل هو فضاء لتداول وتجاذب الأفكار والمصالح والمنافع.

فما المطلوب لكي نُكَون ونكسب صداقات، تحظى بقبولنا ورضانا؟

2. تكوين صداقات رهين بالانفتاح على الآخر والتمرس على مواجهة الصعاب

ممارسة أنشطة وأعمال مشتركة تتناغم وميولات وتوجهات الآخرين كفيلة بالخروج بنا من دهاليز العزلة والوحدة، فهذه الأنشطة هي جسر لكسب والتعرف على أصدقاء جدد من خلال التعاطي لمجموعة من الهوايات والأنشطة ذات الطبيعة التداولية والتفاعلية (الرياضة، الفن، المشاركة في أعمال خيرية وتطوعية…)

ومن زاوية أخرى، فإن تجاذب الكلام والحديث قد يكون حجر عثرة وإشكالا رئيسيا في شكل وطبيعة الاندماج مع الغير، إذا نحن لم نكن على بينة وإلمام بأدبيات الحوار، ولا نملك أدوات وآليات النقاش والتجاوب مع المحيط.

إن الأفراد المنعزلين والمنكفئين على ذواتهم، تنتابهم حالة من الرهاب والخوف والشك من الآخر و كدا عدم الثقة في قدراتهم ومؤهلاتهم.

فغالبا ما يكون الإنسان المتقوقع على ذاته سجين الإحساس والشعور بالنقص والدُّونية، فهو يعتقد أن شخصيته لا تتكيف ولا تتوافق مع قيم ومعتقدات الذين يتعامل ويتواصل معهم.

وفي هذا السياق، فإن اكتساب واكتشاف أصدقاء وعلاقات جديدة، لا يستقيم دون إيلاء الاهتمام بالآخرين والتجاوب معهم، على اعتبار أن الاندماج والانصهار في المحيط مهم وأساسي، للعثور على صداقات ملتزمة وجادة.

وعليه فالانفتاح على الآخر، يتطلب منا المراهنة على الثقافة السائدة في المجتمع ومحاولة إدراكها واستيعابها، وكدا الابتعاد عن القيم المتعالية التي قد نؤمن ونتشبث بها.

هذا لا يعني أنه يلزمنا تطابق أو تناسق فكري بيننا وبين الآخر، بل على الأرجح يجب أن تكون لنا القدرة على مخالطة ومعاشرة الغير، ومحاولة مسايرة وتتبع سلوكاته وتصرفاته بروية واتزان دون التفريط في هويتنا الفكرية والنفسية، مع التركيز والتأكيد على معايير الموضوعية والعقلانية في انتقاء وكسب صداقات جديدة.

3. تكوين صداقات جديدة مؤسسة على القيم والمواقف المتوازنة

العيش وحيدا ومنعزلا غالبا ما يدفع بصاحبه إلى الاحباط والاكتئاب ويدخله في دوامة من الاضطرابات والانهيارات النفسية التي تأخذ أشكال وصورا سلبية قد تصل إلى البكاء أو الصراخ…

فالانزواء في ركن معزول يبرز بشكل واضح الميولات السلبية اتجاه الآخر، مما قد يجعل هذا الأخير لا يجرؤ على الاقتراب أو التودد منا، لأن إيحاءاتنا وإشارات محيانا وكذلك حركات جسدنا، توحي وتشير إلى وضع وسلوك انعزالي، يكون سببا وعائقا في توجس وتخوف الآخرين، مما يبعد إمكانية الحديث والتواصل معنا.

إن الابتسامة أو رفع الأيادي للتحية أو الإيحاء بالسلام أو بالتجاوب مع حركات الغير وانفعالاتهم، كلها عناصر وآليات مهمة وأساسية في تكريس وتأكيد التجاوب والتفاعل مع المحيط. والمشي باستقامة وكدا رفع الرأس إلى الأعلى هي إشارات وعلامات تؤكد التوازن الذهني والنفسي للفرد، وهي تعبير واضح على الثقة في الذات، وهي كذلك تتويج للقدرات والإمكانيات المتميزة في اختراق الآخر وفي الانصهار بسرعة وسلاسة في المحيط المعيش.

4. كسب صداقات موفقة غير محقق إلا بالإعلان عن اهتماماتنا بعقلية منفتحة

حب الناس وتجاوبهم، والإحساس بأنهم لا يكرهوننا ولا يحقدون علينا، معطى إيجابي وحافز لكسب زخم وعدد كبير من الأصدقاء.

إن الانفتاح الإيجابي على الآخرين يتجسد من خلال عرض وتقديم ميولاتنا واهتماماتنا وانشغالاتنا الذاتية وربطها برغبات ونزوعات الآخرين.

بمعنى آخر، إن تحقيق التوازن بين الذات والآخر، هي معادلة صعبة التحقيق، لكنها ليست بالمستحيلة، بل يلزمنا فقط تفهم الآخر وكسب وده وثقته حتى يتسنى لنا فتح المجال لخلق صداقات وعلاقات أكثر وضوحا ومصداقية.

وللوصول إلى التجاوب والاندماج مع الآخرين، يُستحسن بنا أن نكون عفويين وطبيعيين وتكون لنا دراية وإدراك لقواعد الكياسة واللباقة في أحاديثنا وتصرفاتنا.

فالعفوية واللباقة مطلوبتان لبلوغ صداقات متزنة ومتوافقة مع اهتماماتنا وانشغالاتنا، لأن الإحساس بكوننا نتوفر على صديق أو مجموعة أصدقاء أوفياء وغير مزعجين أو باعثين للضجر والقلق، هو أمر في غاية الأهمية، لأنه يساعدنا في الترقي بمعنوياتنا وفي تحسين وتطوير مقوماتنا ومؤهلاتنا الذاتية.

فالسلاسة والليونة في التعامل مع الآخرين، وكدا الإصغاء والتجاوب مع انتظاراتهم وتطلعاتهم، هي عناصر ووسائل ناجعة لردم الحدود والفوارق التي قد تكون عائقا في كسب وتوطيد أواصر الصداقة والتعارف معهم .

فالواقعية والتجرد من الأنانية المريضة والمنكمشة، وكذا توظيف لغة الجسد والإيحاء في تقريب وتحبيب الآخرين إليك، كلها آليات فعالة للحصول على أصدقاء مخلصين وجادين في تثبيت وتكريس كنه وروح الصداقة الحقيقية، مع الرهان دائما على قدراتنا وإرادتنا الصادقة في كسب وتكوين صداقات تعود علينا وعلى الآخرين بالنفع والخير العميم.

نتمنى عزيزي القارئ، أن يكون جو الصداقة والصحبة التي تعيشها إيجابيا وصحيا، وإذا كان العكس، فما عليك صديقي العزيز إلا أن تساءل ذاتك وتتفحص ما يجول بداخلك، وهل علاقتك بالمحيط الخارجي لا يكتنفها خلل أو علة.

فإذا أحسست قارئي الوفي بتصالح وانسجام بين ذاتك والآخرين، فأكيد أنك على الطريق الصحيح والسليم.

وإلى أن يحين اللقاء بك عزيزي القارئ في مقالة قادمة، فنحن في انتظار ملاحظاتك وتعليقاتك القيمة.

كيف نتخلص نهائيا من عاداتنا السيئة ؟

التدخين والإكثار من شرب الخمر أثناء فترات الراحة، وإنفاق المال عند التوصل بالأجر، ودفع ثمن الإيجار بشكل متأخر، ونسيان القيام بإحضار لوازم البيت، وقضم الأظافر حتى انهراق الدم من الأصابع … إلخ.

تتخذ عاداتنا السيئة أشكالا متعددة، وتصيب في كثير من الأحيان مجالات شتى ومتنوعة خلال حياتنا اليومية.

وبالتالي هناك أمر محتوم ؛ والذي يتمثل في ضرورة التخلص من هذه العادات السيئة، وتحقيق خطوات إلى الأمام في سبيل تحقيق الاغتباط الذاتي.

هذه العادات التي نعتبرها أشياء غير مقبولة، هي ثمرة نوع من التسامح والدلال مع الذات، ونوع من غياب أو نقص من الشفافية والموضوعية : فالشخص المدخن يقول على الدوام بأنه شخص قادر على التوقف عن التدخين “وقتما أراد ذلك”، على سبيل المثال.

إن ضرر عاداتنا السيئة يكمن بالتأكيد في ضررها البالغ الذي يحيق بصحتنا، ومالنا، لكن الضرر على المستوى النفسي هو ما يهمنا تدارسه بالأساس كما درجنا على ذلك، بحيث سندرس نتائجها وتأثيراتها وكذا مفاتيح التخلص منها.

إن العادات السيئة تحد من حريتنا بشكل يومي (فهي تحرمنا من الكثير من الأشياء، وبالتالي تقودنا للتسويف…)، وهذا كله بسبب المشاكل التي تكبح مؤهلاتنا وقدراتنا العلاقاتية.

إذا كان كل فرد له عيوبه التي يخفيها عن أعين الآخرين، فقد حان الوقت لكي يسميها بأسمائها حتى يتسنى له مواجهتها والحد من تأثيرها وأن تصير بالنسبة إليه مجرد ذكريات سيئة من الماضي !

هذه إذن أولويتنا ابتداء من اليوم، والتي تتمثل في إيجاد الوسيلة الكفيلة للتخلص من هذه العادات المضرة والمدمرة، والتي نتبناها ونقوم بها بدون أي مبرر يذكر.

1. تحمل المسؤولية أمام العادات السيئة

كيفما كانت هذه الأفعال التي تقومون بها وتكررونها باستمرار ودن توقف، والتي تعلمون بأنها مضرة بالنسبة لكم، فإن ردة الفعل الأولى هي أنكم غير مطالبين بإخفائها، وإهمالها واستصغارها.

فنحن لدينا جميعنا رغبات سيئة … وبالتالي وجب الاعتراف بها حتى نتمكن من فهم كيفية التغلب عليها.

إن تحديد أشكال هذه الانحرافات تعد واحدة من المراحل المهمة.

فإذا كانت هذه الأشياء غاية في السهولة، لا تتردوا في كتابة هذه السلوكيات الانحرافية في ورقة مرفوقة بالأعذار تُستعمل غالبا لجعلها وذلك بغرض جعلها أقل حدة، وعلى سبيل المثال : ” .. نحن ندخن لأننا نحب فعل هذا الأمر، ونصير مديونين بالمال فقط لأننا نريد شراء هذا العقار الجديد بأي ثمن …”.

هذا يمكننا من جهة، من كشف المستور عن “الرداءة” الذي نحاول أن نخفي وراءه أخطائنا من جهة، ومن جهة أخرى، أن نقحم هذه النظرة ضمن إطار محدد لنمط عيش متوازن.

فكل اختيار، وكل توجه في العيش، وكل قرار، هو شيء يتم اتخاذه بحسب أفكار محيطكم، لكنه يظل شيئا شخصيا، ويهم الفرد بدرجة أولى. وبالتالي، لا يتوجب عليكم أن تنحوا باللوم على الأحداث والظروف أو محيطكم بسبب السلوكيات الاجتماعية.

لا أبدا، فأنتم لا تبدؤون التدخين بسبب “مشاكلكم الشخصية”.

فهذه ليست على الإطلاق العوامل المؤدية لشرائكم لعلبة السجائر، والولاعة، ووضعكم للسيجارة في فمكم، والقيام بإشعالها ونفث دخانها مرارا في الهواء… أليس كذلك ؟

لا أظن إطلاقا بأن ذلك هو السبب…

باختصار، هذا هو الأمر الأول الذي وجب أن نأخذه على محمل الجد.

بالتأكيد إذا أردتم التخلص من هذه العادات السيئة، وجب عليكم القيام بتحديد تأثيرها على مقدرتكم على تحقيق أهدافكم ومساعيكم الشخصية، والبدء منذ اليوم، في تحمل مسؤولية أفعالكم.

2. تحديد خط سلوكي للتخلص من عاداتنا السيئة

المبدأ غاية في البساطة : إذا أردتم التوقف عن فعل شيء ما والذي يبدو لنا غير قابل أو من الصعب أن تفاديه (ورغبتكم في التوقف عنه تبدو شبه منعدمة)، فوجب أن تضعوا نصب أعينكم وفي أذهانكم السبب المقنع ليدفعكم نحو الرغبة في التغيير.

لستم بحاجة للتحفيز بشكل مبالغ فيه حول قضية التوقف عن التدخين، لأننا دوما في حاجة للصدق مع أنفسنا.

فمشاهدة أشخاص مصابين بأمراض يسببها التدخين، والاستيقاظ صباحا ونحن نسعل سعالا حادا بسبب التهاب في الرئتين، أو الإحساس بصداع الرأس .. هي أسباب جد كافية لوحدها.

إن مسألة الوعي بهذا الأمر بالرغم من كونها مسألة بديهية، فهي ليست متيسرة على الدوام كي يتم تطويرها، خصوصا من الناحية الزمنية. فكل شيء متعلق برغبتكم الملحة في تصحيح سلبياتكم.

وقبل الدخول في غمار محاولة يائسة نحو الأمام، فإن نصيحتي تتمثل بالأساس في إيجاد سبب كافٍ ومقنع يمكنكم من التشبث بالرغبة في الدخول في مرحلة “الإصلاح” (التفكير في صحة أقاربكم، وأن تكونوا قدوة للأطفال…).

3. تحديد أشكال ومحددات عاداتكم السيئة

في أغلب الأوقات، تبقى أشكال وأنماط عاداتكم السيئة، تتشكل وفق أنماط وأشكال محددة.

ونحن نعي تمام الوعي، بأننا في الغالب، نطلق العنان بشكل فوضوي لعاداتنا السيئة.

ومن الممكن أيضا أن نحدد ما يمكنه تسميته بدائرة السوْء التي تجعل من مسألة مقاومتنا لعاداتنا السيئة والقيام بالتخلص منها شيئا متعذرا.

وهذا الأخير مؤسس على رغبة ما (نستشعرها غالبا كحاجة)، وتؤثر علينا عادة، والتي تبدو أشبه بالمكافأة بالرغم من كون هذا الأمر شيئا عابرا ولحظيا.

في حقيقة الأمر فالوقت الذي يتولد فيه الإحساس والرغبة لديكم يعد هو الوقت المناسب كي تقوموا بالخروج من عادتكم السيئة، سواء عن طريق التمشية أو المناداة على صديق قديم، أو بداية القيام بتمرينات بدنية …

ويتوجب عليكم أن تطردوا من أذهانكم مسألة التعاطي بإيجابية مع عاداتكم السيئة، وخصوصا إذا كانت في أوجها.

وهناك وسيلة أخرى تتمثل في الحد من الاقتراب بشكل ملموس من الأشياء التي تميلون إليها. فالشخص المدخن بإمكانه أن يضع علبة سيجارته في مكان قصي ويصعب الوصول إليه، وذلك حتى يتمكن من الحد من عدد السجائر التي يدخنها.

ويعد أهم ما في الأمر هو أن ينخرط الشخص في فكرة مفادها (ويرفقها بتصرفات على أرض الواقع طبعا)، بأن العادات السيئة وجب أن تصير محدودة وأقل حدة مع الوقت.

وبالتالي، وكما هو الحال دائما، فإن الوعي بضرورة فعل هذه الأشياء هو الذي يكفل ذلك بداية الأمر، ويعد بمثابة محرك يقودنا نحو “التطور الإيجابي”.

4. مبدأ المكافئة هو شكل من أشكال التصدي للعادات السيئة

وكما هو الحال دوما، فالتغيير أساسه هو التحدي النفسي (مع النفس)، وهذا الأخير وجب أن يكون محل تشبث به وأن يكون شيئا متقبلا.

فالإحساس بإثبات الذات، ووخزات الأنا، وإعادة النظر في الثقة في النفس، كلها أشياء تظهر حينما نحاول أن نغير من طرق تلقينا للأشياء كما هو معبر عنها في الواقع.

وما يظهر على أنه نوع من الصراخ في وجه الحواجز، يعتبر في حقيقة الأمر وهما ليس إلا.

وهذا بكل بساطة شكل من أشكال التعبير عن التطور، والخوف من ألا نكون في مستوى تحمل هذه المسؤوليات تجاه أنفسنا، وبأننا لم نعد نجد تلكم “المتعة” التي توفرها لنا العادات السيئة، والتي تؤثر علينا بأشكالها السلبية.

وفي هذا السياق، يظل من المهم أن تعلوا من قيمة مجهوداتكم. فإن تمكنتم من الحد من عاداتكم “السيئة”، ولو بشكل جزئي، حينها وجب أن تفخروا بذلك أيما افتخار، وأن تمنحوا لأنفسكم نوعا من المكافأة على ذلك.

وبالطبع، لا يجب أن تكون هذه المسألة الأخيرة التي ذكرنا شيئا قد يقودكم إلى التوهان في عادة ما من عاداتكم السيئة، ولكنها فقط بقصد أن تنعموا بلحظة من لحظات الرفاه والإحساس بالسعادة والتفوق.

فلماذا لا نستغل على سبيل المثال تلكم الأموال التي ادخرناها منذ أن بدأنا في التوقف عن التدخين وأن ننفقها على سفرية مثلا ؟

ومهما كانت هذه الأشياء، وكما رأيتم، فإن التخلص من العادات السيئة يتطلب مجهودا، وقرارا لا رجع فيه، ونوعا القدرة على التركيز على تحقيق صلب أهدافكم الشخصية.

وماذا عنكم أنتم ؟ وما هي عاداتكم السيئة ؟ وما الذي تفعلونه قصد التخلص منها ؟ لا تتردوا في مقاسمتنا ومشاركتنا تجاربكم مع قراء مدونة رحيق المعرفة !

احتقار المرأة: هل يرمز ذلك إلى أن درجة وعي المجتمع قاصرة ؟

تحية طيبة للجميع !

ولأن هذه هي المرة الأولى، بحيث تلقيت طلبا خاصا من لدن إحدى القارئات، وبالتالي كان لزاما علي أن أتحث هذه المرة حول إحدى الخرافات والأساطير التي ما زالت – بكل صدق – موجودة داخل مجتمعنا، بحيث صارت من الثوابت ؛ ألا وهي مسألة احتقار المرأة.

هناك بالطبع عدم المساواة في الأجور، وكذا التصور الجندري لقدراتنا (سواء من الناحية الاجتماعية أو الفكرية)، فمخلفات التاريخ البشري والتي اتخذت شكل صراعات ما تزال ماثلة في مجتمعاتنا، بل تعدته إلى جل الفلسفات والمفاهيم النظرية الكبرى (سواء الاقتصادية أو السياسية أو الوظيفية).

في العصور الغابرة، كان دور المرأة مقتصرا على دور الإنجاب، بيد أن الفكر والإبداع والمجهود البدني وكذا شؤون الحرب كان محفوظا للنخبة داخل المجتمع، أي الطبقة الأقوى في منظومة المجتمع. وقد تواترت هذه العقلية على مر العصور والقرون، دون أن يلحقها التبدل والتغير.

فسواء تحدثنا عن نضال القديسة جان دارك التي اتهمت بالزندقة وأحرقت أو نادينا بحق النساء في التصويت أو تحدثنا عن المناضلة السياسية إديث كرسون، فهذا لا يغير من واقع الحال شيئا، لأن التقاليد والعادات يصعب محوها بسهولة.

لكن لماذا لا زال هذا الأمر موجودا ؟ وما هي الأسباب وراء مسألة احتقار المرأة وكرههن ؟

أعترف يقينا بأن هذا الموضوع شائك جدا، لا سيما إذا تم مناقشته بشكل موضوعي.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم يتجلى في الإحاطة بطريقة التفكير التي تتبنى فكرة عدم المساواة بشكل صريح، دون الخوض في نقاش يقوم على الإديولوجيا النسوية المغالية أو السقوط في نقيضها.

1. احتقار المرأة : هل تعتبر ردة فعل نفسية ؟

أول نقطة سأخوض غمار مناقشتها في هذا الموضوع تتعلق بمقولة أؤمن بها، والتي مفادها أن الرجل ليس مجبولا على الشر أو أنه يرغب في إثارة الصراع.

إن مسألة الاعتراف بالنساء أو بالمرأة تنبني على ما يمكن تسميته بالعقدة، والرغبة الجامحة في السيطرة بداعي القوة والسلطة، والهيمنة، أكثر مما يمكن أن نعتقد بأنه “كراهية” مبطنة.

ففي عصر كان موسوما بالصراع الذي كان يطبع العلاقات بين البشر، فقد كان من المستحيل جدا على أناس تلك الحقبة أن يتعاملوا فيما بينهم على قدم من المساواة مع أشخاص كان يتم يعتبرهم أسلافهم مجرد أشخاص “تابعين”، وغير مؤهلين للاضطلاع بنفس المهام داخل المجتمع، أو القدرة على تبني نفس الفكر والمنطق الذي يملكه سادة المجتمع.

ويظهر جليا بأن وقائع الأمور تعزو مسألة احتقار المرأة إلى وجود نقص مؤثر في الفكر المتنور، بيد أن النساء قادرات هن أيضا على تحمل المسؤوليات التي تناط بهن.

فهن قادرات على القيام بعديد من الأشياء أفضل من قرينهن الرجل، وقادرات على تلبية الرغبات العصرية لأسرهن (خصوصا في المهام المنوطة بهن)، والتي يتم فهمها على كونها “واجبات” خاصة بالنساء فقط… بالرغم من كون الأمور قد بدأت فعلا بالتبدل والتغير شيئا فشيئا.

لكن عقلية احتدام المنافسة والاعتداد الذكوري واقع موجود لا ينبغي تلافيه، وبالتالي يغدو من الصعوبة بمكان أن يتنازل الرجال عن هذا المكانة.

وهذا ما يتضح جليا من خلال الفرق الواضح في الأجور التي يتم دفعها لمهام وظيفية مماثلة. ولذلك، فاحتقار النساء من دون شك هو نوع من الرفض الذي يطال شخص المرأة وقدرتها على التعبير عن نفسها داخل المجتمع، ويتمظهر ذلك أيضا في سوء الفهم الذي يسود العلاقة بين الجنسين ؛ فالرجال والنساء لا يتصرفون بالطريقة نفسها، بحيث تختلف القيم التي يؤمن بها كل منهما وطرائق تفكيرهما أيضا.

فالنساء في العموم ميالات إلى توظيف عواطفهن، بينما يعتمد أغلب الرجال على حدسهم في أغلب الأمور.

لكن هل هذا يضفي المشروعية على احتقار المرأة ؟ لا، طبعا.

لكن، هذا يساعدنا على فهمها وبالطبع تلافيها والقطع معها. فكل شيء واضح: نحن نرتاع ونهاب الأشياء التي نجهلها.

فالحركات النسائية والتحرر الأخلاقي وكذا الوضعية الحقوقية التي أصبحت تحظى بها المرأة داخل مجتمعاتنا طورت بشكل غير مسبوق فهم العقليات، لكنها أصبحت تثير حفيظة الأشخاص المحافظين جدا.

فالعديد من المجالات على غرار مجال الإغراء، تعتمد هذه الصورة الجديدة كي تعطي قيمة أكبر للنمط المحافظ فيما يتعلق باحتقار المرأة. فالفحولة تعد تكريسا لما نسميه “الهيمنة الجنسية”، وكذلك هي رمز للتدني الأخلاقي (عن طريق الأفلام الإباحية تحديدا)… ليس في حقيقة الأمر سوى أمثلة على ذلك.

وإذا كان الأمر ليس على هذا النحو دائما، وجب تذكير الرجال بأن النساء لسن إطلاقا وسيلة للمتعة أو كائنات خلقن فقط لغاية الخدمة.

باختصار شديد، فالصورة التي تمجد الرجل وتجعل منه بطلا مغوارا يقهر أعدائه، ويعتلي قمم الجبال ويحفر اسمه على الصخر كدليل على الخلود، قد أصبحت شيئا متجاوزا في عصرنا الحالي.

2. احتقار المرأة: تناقض صارخ يُمَيِّزُ العصر الحالي

إنها تعد من دون شك إحدى أكبر المفارقات التي يتعذر فهمها والتي تطبع العلاقات الإنسانية بشكل عام، لا سيما حين يتم التطرق لنقاش في المجال العلاقاتي.

يعتبر الرجل نفسه على الدوام كائنا مسيطرا ومهيمنا، و يأتي بأفعال تبرهن مدى تفوقه وتعاليه، فيقوده هذا الأمر أحيانا أن يعتبر المرأة بمثابة غنيمة أو جائزة، أو صيد ثمين ؛ لكن لم يعد بمستطاعه أن يعيش بسعادة دون وجود المرأة.

هل هذا برهان على تكامل دور الجنسين ؟

بل من دون وجود للمرأة، التي تمتلك قدرة التحمل وتستخدم الجانب النفسي، هل سيحرم الرجل من الاستفادة مما تملكه من مشاعر فطرية ؟

وبعد كل شيء، ألا نقول بأن وراء كل رجل عظيم امرأة، وأنها تستوي في الظل وتؤثر في قراراته واختياراته ؟

لذا فالمرأة رهان مهم في خوض المعارك الضروس التي لا تنتهي.

فهل هذا يعد شيئا غريبا بالنسبة إلى شخص سرى الاعتقاد على أن شخص مُتَحَكَّمٌ فيه ومُهَيْمَنٌ عليه بشكل أو بآخر، ترى هل هذا صحيح ؟

يسري الاعتقاد من منظور علم النفس بأن المرأة تزيد من حجم الثقة في النفس وكذلك من إبراز الثقة لدى الرجال.

فالسكينة والحنان والاحترام تعد من بين العديد من العوامل التي تجعل الشخص يحس بأنه يحظى بالاهتمام، وله قيمته الاعتبارية في المجتمع. لكن لماذا نخوض في ضرورة أن تحظى النساء بنفس المعاملة ؟ في حقيقة الأمر لا أملك جوابا على هذا السؤال.

لأن الجواب موجود في دواخل كل فرد منا، وفي القيم التي تربى ونشأ عليها.

ففي عصر يتم مناقشة موضوع المناصفة، وفي عصر يتم فيه تقديم رمزية الفرد على حساب تصنيفه بحسب الجنس، يتبدى من خلال ذلك على أن مسألة احتقار المرأة ليس لها وجود داخل منظومة فكرية موضوعية تهم العلاقات الإنسانية.

فهي تتناقص تدريجيا، على الأقل من ناحية وجودها، ولا يمكننا إذن سوى أن نرحب بفائدتها المتحصلة.

3. احتقار المرأة يتخذ شكلا “متطورا”

يبدو أن الصوة التقليدية لربة البيت التي تسهر على إطعام أبنائها، بينما زوجها يقوم بإحضار مستلزمات البيت، قد أصبحت متجاوزة. فقد أصبح بمقدور النساء التعبير عن آرائهن، وبات ولوجهن إلى ميدان الشغل أمرا طببيعيا (بالرغم من بعض مظاهر التمييز التي لا ما زالت موجودة).

لذلك فقد أصبح من المستحيل عدم تغيير النظرة الموجهة للمرأة داخل المجتمع. ففي مجتمعنا وكما أخبرتني إحدى القارئات في رسالتها الإلكترونية، بأن احتقار المرأة ينطوي ويتخذ شكل ” العداء الخفي وغير الظاهر” والذي تجعل من العلاقات (لاسيما الغرامية) شيئا مستعصيا وصعبا.

فماذا ينتظر الرجال إذن ؟ أظن بأن الإجابة غاية في السهولة، لكن ليس من بالضرورة بالمقدور قولها وترديدها بصوت عال، بالإضافة إلى أن الإجابة توجد لدى البعض لاشعوريا.

فالحاجة إلى الاعتراف بذلك تبدو من دون أدنى شك مفتاحَ هذه المسألة، وهذا ما يتعارض مع مسألة تحرر المرأة.

فقضية الاعتراف على المستوى الاجتماعي والمهني بالمرأة، تثير حفيظة الرجال، وتجعلهم يغارون من هذا الأمر بل يتعداه ذلك إلى درجة الحسد. فكيف من الممكن أن نحس بالدعم اللازم وبأننا نحظى بالاهتمام وذوو قيمة، في حين أن الشريكة / المرأة تظهر بلا ريب مقدرتها على مواجهة نفس المشاكل والعراقيل، وكذلك مقدرتها على لعب نفس الدور الذي ارتبط تقليديا بالرجل ؟

فالرجال لا ينادون بأعلى أصواتهم كي لا يصبح للمرأة موطئ قدم في ميدان العمل، أو بأنها ليس منتجة، أو أنه يلزمها البقاء في البيت. فهذا ليس شيئا مناسبا قوله ولا شيئا منطقيا خاصة ونحن نعيش زمن الأزمة الاقتصادية.

لكن هذه الفكرة للأسف موجودة دائما، لأن الأفكار النمطية لا تموت أبدا، وهذه حقيقة مؤسفة.

إن احتقار المرأة لا يبدو سوى نوع من الخوف غير المصرح به أو الخفي، والذي لا يريد لصورة الرجل أن تهتز، أو لا يحظى بهذا الامتياز على المستوى “النفسي”.

فهذا يعتبر نوعا من فقدان السيطرة في حقيقة الأمر. لكن كيف بالإمكان أن ننبه إلى وجود هذه المعضلة المتمثلة في احتقار المرأة ؟

في حقيقة الأمر، فإن التطرق إلى هذا الموضوع يعد بمثابة الولوج إلى حقل للألغام.

فمسألة القدرة على القول بأن تمتين آليات الجذب والدعم والاحترام لأزواجكن، يعد حلا ممكنا سيداتي / آنساتي، فلاشك أنه أيضا سيثير حفيظة المهتمات بمجال حقوق النساء… ناهيك على أن عدم الحديث عن هذا الأمر سيعد سيئا حقا.

وفي واقع الأمر، فإن ذلك متعلق بالشخص الذي يوجد أمامكم، لكن وجب التذكير بأن الحوار يكتسي أهمية بالغة كما أنه ضروري لإيجاد حل بشأن الخلافات التي تطرأ في وجهات النظر !

وماذا عنكم/عنكن أنتم ؟ هل خضتم/خضتن تجربة احتقار المرأة في حياتكم اليومية ؟ كيف قمتم/قمتن بمواجهتها ؟ وكيف تتجسد في الواقع بحسب رأيكم ؟ ننتظر ونسعد على الدوام بردودكم وتعليقاتكم حول الموضوع !

مع أطيب التحيات.