النجاح في الحياة : هل هو انحراف للسلوك النفسي؟

“النَّجاح في الحياة” … عبارة مبهمة وغامضة، بمثابة بذلة يصعب على الجميع ارتدائها.

لكن هل هذا يلمح إلى شيء معين ؟ هل يوجد تعريف يُجْمِعُ عليه الكل لمفهوم النجاح؟

وحتى لا نُخَيِّب ظن البعض، وكي أكون صريحا منذ البداية ؛ فهذه المقالة ليست بقصد إعطاء طريقة للزيادة في حجم ممتلكاتك، ولا الزيادة في رصيد حسابك البنكي.

فما أريد في هذه المقالة سوى وضع تصور حول طريقة الفهم لدينا لمفهوم العيش، وسيرورة حياتنا. لأن من أهم المسائل التي نركز عليها في موقعنا كون النجاح مسألة ذاتية. بحيث لا يتأتى هذا الأخير إلا بما نبذله من جهد، وبما نصنعه نحن.

وهذا يقودني إلى استنتاج بسيط ولا مراء فيه : كون النجاح في الحياة، هو التمكن من أن نشق مسار وجودنا، وأن نظل أوفياء لمبادئنا، وأن نتحلى بها من خلال اعتراف أفراد مجتمعنا بها.

هذا إذن هو التساؤل الذي يدفعني دفعا لمسائلتكم اليوم : ماذا عنكم أنتم؟ وما هو تعريفكم للنجاح؟

1. النجاح في الحياة : هل هما الوضعية المالية والاجتماعية ؟

الصورة الأولى التي تتبادر إلى أذهاننا، حينما نتحدث عن حياة ملؤها الهدوء والرخاء، هي تلك التي يطبعها الاستقرار. ففي وطننا العربي والإسلامي مثلا، يعتبر النموذج التقليدي للأسرة ذا قيمة كبيرة، وإذا سألتم شبابا يافعين حول ماذا يفهمون من عبارة “النجاح في الحياة”، فإن أغلبهم سيجيب بضرورة إنجاب أطفال، والحصول على بيت جميل وسيارة كبيرة.

وإذا كان المال لا يشتري السعادة، فمن المؤكد أنه يُسْهِمُ إلى حد كبير في جعل هذه الفكرة المثالية واقعا ملموسا. وبالتالي وجب علينا إذن “العمل بجد واجتهاد في المدرسة للحصول على وظيفة جيدة”.

وهذه الفكرة متجذرة في العقل الجماعي، ومتفشية في مجتمعنا على نطاق واسع، وتتناقلها وسائل الدعاية والإشهار. ويعتبر مستوى الدخل والوضع الاجتماعي عاملين من عوامل التعبير عن النجاح في العصر الراهن.

أتذكر هنا أيضا طرفة (قصة)، تقول الشيء الكثير عن هذا الموضوع.

كنت خلالها في الصف السادس، وكنت أعود من المدرسة بنتيجتي المدرسية، وأنا فخور جدا بنفسي، ولم تكن لدي سوى نقطة متدنية واحدة (20/08).

فبعدما رآها والدي، عاتبني بشدة قائلا بأنني إذا سرت على هذا المنوال، فمحال أن أنجح في حياتي وسأصير جامعا للقمامة.

كما لو أن النجاح على الصعيد الشخصي مرتبط أساسا بمسميات وألقاب ما، أو بمهنة معينة. فمن الواضح طبعا أن الموارد المالية هي مستلزمات أساسية، ووسيلة تجعل حياتنا أفضل، لكن هذا لا يعني بأن كثرتها تعتبر مدخلا للسعادة.

فتعزيز هذه الرؤية، يستلزم إنكار الجانب النفسي والفردي لدى الكائن البشري.

ماذا عن التنمية الذاتية، والقدرة على إثبات الذات داخل وسطنا وبيئتنا ؟ وماذا عن نسج علاقات اجتماعية ؟ وماذا عن الاستفادة من وقت الفراغ والاستمتاع بمعية الأقارب ؟ وماذا عن اكتساب الثقة بالنفس؟

قد لا تمتلك دخلا كبيرا، ومع ذلك، فكلما مرت الأيام، تستشعر بأنك تنجح في حياتك. لأنك تكسب قوتك من عملك، بالإضافة إلى امتلاكك أصدقاء من ذهب.

ومن المؤكد أنك قد تكون بعيدا كل البعد عن فكرتك الأولى والمتمثلة في جهلك بما يخبئه المستقبل لك : الحصول مثلا على وظيفة إطار في مكتب للتوظيف.

كنت ستتقاضى بالتأكيد ضعف الراتب الذي تتقاضاه اليوم، بالإضافة إلى العمل ببذلة رسمية، وهذا شيء رائع…

لكن هل هذا هو المهم حقا؟

ليس الهدف من هذا أن أمارس الديماغوجية، بل من الواضح بأنه يلزمنا حد أدنى من الموارد المالية للعيش بشكل لائق.

لكن هذا لا يبرر هذا السباق المحموم نحو ”الحصول دوما على المزيد “، فهذه الفكرة تجعل من النجاح عبارة عن آلية ملموسة، قابلة للتقييم بحسب عدد الأصفار التي نكتبها في ورقة شيك.

وماذا لو كان النجاح في الحياة بكل بساطة هو توفير الوسائل الضرورية لتحقيق الرغبات، وفعل ما يحلو لنا وتقبل حقيقة أن تكون غنيا لا يتناسب بالضرورة مع هذه الفكرة المثالية؟

2. النجاح في الحياة : المسألة المادية

إذا كان الجانب المادي له علاقة بمفهوم الموارد، فإنني أود إثارة الإنتباه لعدم قدرتنا على فهم معنى النجاح. فالنجاح بالنسبة إلى العديد منا معناه مراكمة وجمع ومضاعفة المشتريات للشعور بقيمته الوجودية. فإذا كان يتم تفسير ذلك ببساطة داخل مجتمع يعتمد بالأساس على الاستهلاك لمدة وجيزة، فإن التقدم والازدهار التقنيين ومفهوم المادية تبدو كمفاهيم تحكم العلاقات الإنسانية، ومن الواجب إعادة وضع هذا الموضوع في سياق أكبر.

اسألوا أنفسكم : هل الشخص الذي يختار الإقلال من حب التملك قصد مساعدة المحتاجين، والشخص الذي يفضل الراحة في منزل عتيق، ويبتهج بالعيش حذو الطبيعة، أو من يسافر على الدوام وأغراضه في حقيبته … هل هو شخص تعيس؟

هل تعتبر هذه الأمثلة بالنسبة إليك نماذج فاشلة ؟ ربما يطالها التهميش … على أكثر تقدير.

وإذا كان النجاح في الحياة، قبل أي شيء هو البقاء منسجما مع الذات؟

أو القيام باكتشاف الذات، والسماح لنفسك بمراكمة التجارب، رغم كون هذه الأخيرة تتعارض مع قيم المجتمع التقليدي ؟

3. كيف بإمكانكم النجاح في الحياة؟

ها نحن قد عدنا إلى نقطة البداية، وبنفس التساؤل. ما معنى النجاح في الحياة؟

لا توجد إجابة، على الأقل فيما نفهمه بشكل مشترك.

نحن لا نملك سوى حياة واحدة، ومن الواجب علينا أن نحياها كما نريد ونحب. أما بالنسبة للبعض، فهذا معناه أن يحظى برضى المجتمع.

بالنسبة للبعض فهو القدرة على ابتكار أشياء من صنيعة أيديهم … أو تربية أطفال بصحة جيدة.

إلى هنا، لا شيء ثابت. فلا يجب أن تتأثروا بما يفكر به جيرانكم، فنظرة الآخرين والخوف من المجازفة يبقيان عاملين يدفعاننا للحد من رسم أهدافنا.

كما لو أن ما نود القيام به ليس ما نريده حقا، بل ما يُنتظر منا القيام به. لذا فقد حان الوقت للتفكير في أنفسكم، وفي تصوركم لحياة مزدهرة وحافلة بالعطاء.

فالنجاح في الحياة ليس تلبية أفكار كمالية يتبناها المجتمع، بل تبني مفهوم شخصي للسعادة، وتجربة ذلك، مهما كلف الأمر.

لذلك اسمحوا لي أن أكرر طرح السؤال عليكم مرة ثانية: ماذا يعني بالنسبة إليكم النجاح في الحياة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *