أن تصبح ذكيا : هل هي عادة يومية ؟

“الإبداع هو عندما يصبح الذكاء نوعا من المتعة” يقول ألبرت إينشتاين

إذا كان تعريف الذكاء أو ما معناه أيضا أن تصير حاد ذكاء قد عرف تطورا أكثر قُرِنَ فقط بالرغبة في التعلم والتثقف، إلا أن المعرفة تبقى مفتاحا لتنمية الذات وبمثابة برهان عليها.

وقد قال محمود الشيحي الذي يشغل منصب قنصل دولة تونس بمرسيليا : ” بإمكاننا أن نعرف دون أن نكون أذكياء، لكن ليس بإمكاننا أن نصبح أذكياء دون أن نعرف”.

فالذكاء يعتمد على كيفية فهمنا للقيم والخطابات المنتشرة داخل مجتمعنا. وقد اتفق اليوم باعتباره مقدرة على التكيف تمكن من تطوير ردود فعلنا وسلوكياتنا في أوضاع معينة، فلا يمكن اختزال أن كوننا صرنا أكثر ذكاء فقط من خلال الرفع من مردوديتنا.

في الواقع، يتعلق الأمر هنا بالعديد من المجالات في حياتنا اليومية : سواء الجانب العلاقاتي، والتنظيمي ومرورا بإحداث تواصل (شفهي أو غير شفهي) يتوائم مع طبيعة الحالات التي نصادفها.

وبهذا الخصوص، فمن المؤكد أن المعرفة تعتبر ركنا أساسيا ووسيلة فضلى كي “نصبح أكثر ذكاء” (وذلك بكل ما تحمله هذا التعريف من تعقيدات).

وبالتالي ها هي إذن أولوية هذا المعطى الجديد : وذلك بتسليط الضوء على الأدوات، والسلوكيات التي يجب اعتمادها لتنمية هذه القدرة التي يوليها المجتمعي أهمية بالغة.

وكي نوجز الأمر اعتمدنا على سؤال محدد : هل من الممكن القول بأننا سنصبح أكثر ذكاء عن طريق تطوير سلوكياتنا اليومية؟

1. أن تصبح أكثر ذكاء بفضل المطالعة

في العصر الراهن للعالم الافتراضي والمسح والتواصل باستمرار، أضحى من الصعب جدا تصور إيجاد الوقت لفتح كتاب والتهام محتواه.

وهذه حقيقة بالنسبة للجيل الجديد. لكن هناك حقيقة واحدة ؛ كون القراءة تحفز نشاط الدماغ، وتسهم إلى حد كبير في عملية التعلم، فقد جاء في تراثنا الشعري :

“أنا من بدَّل بالكتبِ الصِّحابَ ** لم أجد لي وافيا إلا الكتابَ”

وبعيدا عن تقديم مصادر سهلة للمعلومات، فالكتب تعتبر أدوات ووسائل فكرية حقيقية.

ففيها تدقيق نحوي وإملائي (بخلاف المواقع والمدونات المتواجدة على شبكة الإنترنت المليئة بالأخطاء والمعلومات غير الدقيقة)، مما يتيح لنا الإفادة منها بشكل أفضل.

بالإضافة إلى أن غياب الرسومات يشجع على استعمال الخيال (ويساعد بذلك في تنمية الإبداع الشخصي).

ويكتسي هذا التحفيز أهمية بالغة، لا ترتكز على نمط أدبي محدد. وباختصار شديد، فبغض النظر عن الكتاب الذي تطالعونه فأنتم الرابحون لا شك.

أما بالنسبة للمشككين، فبإمكانكم أن تتساءلوا، لماذا بإمكان آبائكم وأجدادكم لحد الساعة تحرير نصوص طويلة دون أن يرتكبوا أي خطأ.

كنت مندهشا على الدوام من جدتي التي تردد العديد من القصائد على مسامعي، والتي حفظتها عن ظهر قلب في فترة شبابها، وكذلك جدي الذي كان خزانا للعلم… والمفاجأة ! أن كلاهما كان يقرأ كثيرا !

وبطريقة إحصائية، وبالرغم من أنه يظهر ببساطة أن الأشخاص الذين يقرؤون يصبحون أكثر ذكاء، فمن المؤكد بأن الأشخاص المتميزين من الطلاب (والذين أصبحوا أشخاصا ذوي كفاءة مهنية عالية) قد كانوا يقضون العديد من الساعات بين كتبهم.

أما بخصوص ميزة هامة هي الأخرى ولا يمكن إغفالها عن القراءة، فهي هذه الرحلة، وإمكانية النفاذ إلى صلب وكنه منطق الآخرين. وهذا ما يشحذ قدراتك الذاتية على التفكير والتحليل وكي تزداد الروابط المنطقية التي يقوم بها عقلك بشكل طبيعي.

إذن فبالنسبة لي ؛ أوافق الرأي القائل بأن المطالعة وسيلة كي نصبح أذكياء.

2. أن نصبح أكثر ذكاء بفضل إعادة الصياغة والمشاركة

ترى هل لاحظتم أنه عند امتلاك المعلومة، والقيام بشرحها وتقاسمها مع شخص آخر تصبح هذه الأخيرة أوضح وأكثر دقة ؟

إنها ظاهرة نصادفها على الدوام، لاسيما في فترة الدراسة. فكل شخص سيقوم بالتحدث معك حول مسألة لم يتمكن من استيعابها.

ويصبح حينها كل شيء واضحا في عقلك، أثناء قيامك بإعادة صياغة فهمك للموضوع، كما لو أنك متمكن جدا من الموضوع.

وتساعد هذه العملية الطبيعية أيضا في تحفيز القدرات الفكرية، وتدفعنا إلى التحليل المنطقي لمعارفنا، وأن نتناولها من زوايا نظر مختلفة كي تصير مفهومة.

ونعود أدراجنا إلى التعريف الاصطلاحي للذكاء بأنه القدرة على التكيف. لكن يكمن الفرق في مضمون ما تقولون وكذا منطقكم الذي يلائم منطق محاوِركم.

فعملية التواصل تُفهم على أنها إعادة صوغ معرفة سبق اكتسابها، وتتحول إلى عامل يجعلنا نصير أكثر ذكاء. علاوة على ذلك، فإن هذا التقاسم يسبب تمركزا نفسيا مرتبطا بسؤال يطرح : هل تمانعون في تحيين الثغرات التي تتخلل تحليلكم ؟

يبدو أن التعليم مفيد بنفس القدر بالنسبة للأستاذ وكذا بالنسبة التلميذ.

ومن المفارقة التي تحدث هو أن معلميك، والأساتذة المحاضرون، وحتى المدربون يمتلكون هذه القدرة على أن يصبحوا أكثر ذكاء بتقاسمهم لمعارفهم.

3. التواجد في قلب المواقف كي نصبح أكثر ذكاء

إذا كان التفكير مرتبطا بشكل وثيق بالقدرة على أن نصير أكثر ذكاء، فذلك غير كاف بالمرة لفهم الإشكالية في كافة أبعدها. فالفعل هو الحلقة المفقودة، وغنى التجربة مرتبط بما خضناه بأنفسنا.

فبإمكانك أن تعرف طريقة إعداد حساء بلحم بقري بشكل نظري… لكن إذا لم تجرب كيفية طهيه، فإن معارفك ستظل نسبية، ومنقوصة ومحل شك.

الإتقان مرتبط بالممارسة

بما أن هذا المقال يناقش العادات اليومية، فمن المؤكد أن العمل وجب الحديث بشأنه أيضا.

وكي نضع صورة شاملة، أقول بأن التفكير ما هو إلا ميكانيزم أشبه بالتُّرُوسِ المتجاورة. فحسب الظروف وتبعا لاستخدام هذه المعارف على أرض الواقع، فإنه يمثل تفعيلا لهذا الميكانيزم.

ولهذا تطلب أغلب الجامعات والمدارس العليا الخضوع لتداريب نهاية التخرج، أي أنه من اللازم معرفة الجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، فلا يكفي فقط تخزين المعرفة كي تصبح ذكيا، بل يجب إخضاع هذه الخبرة لمحك التجربة.

أظن بأن النقط التي تمت مناقشتها اليوم تبين وحدها مجمل الأدوات التي تمكنكم من أن تصيروا أكثر ذكاء.

يبقى هذا الموضوع كبيرا على غرار كل المجالات التطبيقية التي تهم هذه المَلَكَةَ الهامة في حياتنا داخل المجتمع.

ورغم هذا يبقى هناك سؤال عالق : ما هي وجهة نظركم؟ كيف بإمكاننا أن نصير أذكياء حسبما ترون؟ ردودكم مرحب بها، سواء في المنتدى أو من خلال وضع تعليقاتكم!

نلتقي قريبا في مقالة جديدة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *