كيف نتغلب (أخيرا) على الشعور بالخجل ؟

جاء في روائع القصص والعبر من الإرث العربي : “وما طردناك من بخل و لا قلل !! لكن خشينا عليك وقفة الخجل”.

ويقول هنري رينيه وهو شاعر فرنسي عاش في بداية القرن العشرين : “الخجل يقبض المشاعر، ويُلْجِمُ الروح”.

تُعَرِّفُ هذه الكلمات الجميلة ما يمكن اعتباره تقريبا شيئا شبيها بالمرض. فالخوف من التواصل بشكل مباشر يصيبنا في مقتل، حيث يثنينا ويمنعنا من إثبات ذواتنا وإبراز مؤهلاتنا، وبالتالي يحول بيننا وبين الشعور بالانشراح.

فلطالما اعتبره الآخرون داخل المجتمع، بمثابة نقص بَيِّنِ وظاهر على مستوى الذكاء الاجتماعي.

فكيف بالإمكان التغلب على الشعور بالخجل، حينما يصير ملازما لنا على الدوام ؟ وحينما يكون حاضرا في كل خطوة نقدم عليها، ويتخلل كل نقاش نخوضه ؟

فالشعور بالخجل قد لا يتخذ شكلا مرضيا فحسب، لكنه قد يتخذ أحيانا شكل إحساس بالمغص في المعدة، لدرجة الشعور بالغيبوبة.

الخبر السار ؟ هو وجود العديد من الطرق والوسائل العملية المُسَاِعدَة في التغلب على الشعور بالخجل.

وكما اعتدنا ذلك، وجب على الدوام الاهتمام بصحتنا النفسية. وفي هذه الحالة بالضبط، هي من توقعنا في الخطأ، وتقتادنا إلى تفكير لا جدوى ولا طائل من وراءه.

أقترح إذن عليكم قراءة متأنية في محاور التالية، كي تتخلصوا في النهاية من هذا الشعور المحرج الذي طالما أثقل كاهلكم.

1. التغلب على الشعور بالخجل عن طريق معرفة مسبباته

بخلاف ما قد يعتقده الأشخاص الذين يعانون من هذا المشكل النفسي، فالخجل لا يتحكم بشكل دائم في اللاشعور لدينا. ترى هل قلت عكس ما قلته في السابق ؟ تماما !

و يهدف هذا إلى بلوغ غاية واحدة، ألا وهي إبراز الفرق الحاصل بين ما تستشعرونه من أحاسيس وواقع الأحداث التي تعيشونها.

وعلى غرار وقع الصدمة العصبية، فالشعور بالخجل مصدره العديد من العوامل الخارجية، والتي نحاول جاهدين مقاومتها عن طريق اللجوء إلى منطقة الأمان، كي نحد قدر الإمكان من التعرض لنظرات الآخرين.

فالأَوْلَى إذن تحديد العوامل المسببة لهذا النوع من ردود الأفعال، بغية التغلب على الشعور بالخجل. لكن يا ترى هل مرد ذلك يعود إلى الخوف من التواجد بمعية شخص لا تعرفونه حق المعرفة ؟ أم عدم أخذ الأمور على محمل الجد ؟ أم مناقشة بعض المواضيع التي لا تجعلكم تشعرون بالارتياح ؟

لا تتردوا في كتابة قائمة على ورقة ؛ فهذه الطريقة قد أثبتت نجاعتها ومكنت العديد من الأشخاص من تدارك حجم المعضلة بشكل ملموس.

فعلى مستوى الواقع، فإن تلك الأحاسيس التي تخالجنا وتجعلنا نشك في قدراتنا لا تظهر إلا فيما نَدُرَ من الحالات حينما نستشعر حالة من الطمأنينة، وأننا في منأى عن أحكام الآخرين.

فالشعور بالخجل يقل ونحن بمعية الأصدقاء والأقارب، حيث نشعر حينها بأننا على طبيعتنا. ويجدر بنا وعي وفهم كيفية ملائمة حالتنا الذهنية، وأن نحرص على صفائها في هذه اللحظة بالذات ولبقية اليوم، كي نتجاوز الشعور بالخجل بقدر أكبر.

2. التغلب على الشعور بالخجل بقبول الخروج من منطقة الأمان

أول رد فعل نبادر إليه إبان مواجهة وضع مربك، يكون طبعا بالابتعاد عن العالم الخارجي، لأننا نصبح حينها متوترين ونفقد الثقة بأنفسنا، ونركز أثناء كل عملية تواصلية/تفاعلية مع الآخرين فقط على الجوانب السلبية. فالأشخاص الخجولون ميالون إلى تحقير أنفسهم، وإلى القول بأنهم غير قادرين على قهر على هذا الشعور.

فهو عبارة عن ظاهرة تنعكس على الحياة الشخصية للفرد ؛ فكم شخصا من بينكم يحاول قدر الإمكان التحسن في الأشياء التي يعتبرها من مسببات الخجل ؟

هل تهابون التحدث أمام الآخرين ؟ هل سبق أن أبديتم وجهة نظركم أمام أفراد الأسرة أو أمام مجموعة من الأصدقاء ؟

للتغلب إذن على الشعور بالخجل وجب مجابهته، وترويضه مثل الثور. فالتدرب ينشأ بالتعود، بحيث تصبح نفسيتنا جاهزة ومعتادة على وضعيات مماثلة.

ترى هل المقابلة الشفوية تصيبكم بالتوتر والارتباك ؟ ضعوا إذن أنفسكم في محك الاختبار بدءا من اليوم، وحضروا مجموعة من الأسئلة (من المحتمل أن يتم طرحها عليكم في ذلك اليوم العصيب)، وقوموا مثلا بارتداء بذلتكم/ بذلتكن، وقوموا بتشغيل الكاميرا.

قوموا خلال العشرين دقيقة الموالية بمحاكاة مقابلة مهنية، وبفعل التعود والتكرار، بإمكاني أن أؤكد لكم بأن حالة الضغط والتوتر لديكم ستقل تدريجيا.

يُعَدُّ الاستعداد من دون شك مفتاحا للتغلب على الشعور بالخجل، لذا وجب عليكم فقط قبول التحدي وتحسين قدراتكم في المجالات التي تشكل نقاط ضعف لديكم، بدل الركون إلى الانغلاق الذي يجعلكم عاجزين.

3. التغلب على الشعور بالخجل بالاعتماد على نقاط قوتكم وإنجازاتكم

تعتبر الإنتاجية والفعالية والمنافسة المستمرة من بين العديد من العوامل الأخرى التي تحكم التفاعلات في العصر الراهن (لاسيما في المجال المهني). وفي ظل وضع كهذا لم يعد غريبا أبدا أن نجد العديد منا يركزون صلب اهتمامهم على نقاط ضعفهم وعلى مسببات فشلهم بدل التركيز على الأشياء التي يتفوقون فيها.

فمن أجل التغلب على الشعور بالخجل، ينبغي أن نكون على قادرين وعلى بينة بذواتنا بمقدار كاف.

من المؤكد على أننا مخلوقات ضعيفة، لكننا نمتلك الكثير من نقاط القوة، بالإضافة إلى القدرة على الإنجاز. بوسعكم أخذ 10 دقائق من وقتكم للقيام بإحصاء هذه الأشياء : منذ حصولكم على شهاداتكم الجامعية المقرة بمؤهلاتكم في مجال الرياضة مرورا بالمعارف أو الكفايات المتعددة التي حصَّلتم (كتعلم لغة أخرى مثلا، ومهارات في المعلوميات، والكثير من الأشياء الأخرى).

هذا ما يذكركم بأنكم لستم ذلك الشخص الذي يشكك طوال الوقت في مؤهلاته الذاتية، والذي لا يملك القدرة على تقاسم آراءه الشخصية مع الآخرين خوفا من أن تطاله السخرية.

إن هذه القدرات التي تعتبرونها طبيعية هي في حقيقة الأمر ثمرة تجارب عديدة، أدت في النهاية إلى تنمية المهارات : لذا وجب أن تذكروا ذلك (ووجب تذكرها على الدوام لاسيما عندما يساوركم الشك في لحظة ما).

4. التغلب على الخجل عن طريق الملاحظة

بغية التخلص من نظرة الآخرين، وعدم التركيز فقط على الصراع الداخلي المسيطر على لاشعوركم، بإمكانكم هذه المرة الاهتمام والتركيز على ما يصدر عن الآخرين.

راقبوا، ولاحظوا كيف يتصرف الأشخاص الآخرون، وكيف هي ردود أفعالهم، سواء في العمل أو في الشارع… وحاولوا فهم تصرفاتهم. فمن الفوائد المرجوة من وراء هذا الفعل هي إعادة النظر فيما يفعله الآخرون (نظرا لكونكم هذه المرة تتقمصون دور “الحَكَم”).

بإمكانكم بالتأكيد تعلم المزيد عن الصفات الاجتماعية التي يتحتم تطويرها خلال تبادل الأفكار. وبالتالي فإن ملاحظاتكم ستساعدكم على توطيد علاقاتكم بشكل كبير، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنها ستظهر لكم على الأقل بأنكم لستم مركز الاهتمام والنقد، وبأنكم فقط مجرد أشخاص عاديين لا أقل ولا أكثر.

فلم التشكيك إذن في إثبات ذواتكم ؟

5. التغلب على الخجل عن طريق إقناع الذات

هذه طريقة جربتها شخصيا، لاسيما قبل اجتياز المقابلات الشفوية، أو أثناء دخول أجواء التباري والتنافس في المسابقات الرياضية. فقبل ذلك، أحاول جاهدا التغلب على الخجل الذي يستبد بي، وذلك بأن أقنع نفسي بأني “قادر على فعل هذا الأمر”، وبأنني كنت “الأفضل”، وأنه من غير المنطقي أن أشكك في قدراتي، وبأن الوقت قد حان “لأظهر مقدرتي على فعل هذا الأمر”.

يمكن هذا التحفيز من تهيئة النفس لدخول معترك الفعل، ويغدو أكثر فاعلية وذات جدوائية حينما يكون مقرونا بنظرة معينة. لذا تخيلوا معي أنفسكم مقدمين على فعل أمر عادة ما يصيبكم بالرهبة، وأنكم نجحتم في إنجازه بشكل مبهر.

كي نتغلب على الشعور بالخجل، وجب إقناع أنفسنا أولا بأن هذا الشعور ليس بوسعه أن يفقدنا الرغبة في الإحساس بالسعادة الذاتية.

6. التغلب على الشعور بالخجل بإعطاء الأهمية المناسبة لكل واقعة

تبدو هذه المسألة بديهية جدا ؛ فَكَيْ نتخلص من الشعور بالخجل يتطلب ذلك منا المقدرة على أن ندرك بأن ذلك محض قيد أو عائق. فبصرف النظر عن أية واقعة واجهتموها، فهي لن تؤدي بكم للموت في النهاية، لأن حياتكم لن تتوقف بمجرد رسوبكم في اختبار شفوي، أو في مقابلة شخصية، أو حتى لو تم اعتباركم أشخاصا بُلَدَاء.

ستحظون دائما بفرصة للتحسن والتطور، وكذلك لتغيير الأحكام التي يصدرها الآخرون في حقكم. ويتطلب التغلب على الشعور بالخجل أيضا القدرة على عدم الاكتراث بالنتائج التي قد تحصل، وذلك بقصد الإفادة من التجربة لأنها خير معلم مهما كانت نتيجتها. ولنحاول قدر الإمكان أن نكون أقل اهتماما، وأن نواجه هذه المغامرة بالابتسامة فقط.

وجب أن تتذكروا بأن تواصلكم غير اللفظي دليل يرتكز عليه محاوروكم للحكم على مدى مصداقيتكم.

7. التغلب على الخجل باستبدال التركيز على الغير

هل تهابون مما قد يتصوره الآخرون عنكم ؟ أو هل لديكم الانطباع بأن ما تقولونه ليس في محله ؟

لماذا إذن لا تهتمون بوجهة النظر هذه، وأن تحاولوا جاهدين تسليط الضوء أكثر على من تقومون بالحديث إليهم ؟

يمكنكم بكل بساطة طرح أسئلة مباشرة على هؤلاء، فذلك يسمح لكم بالرد عليهم (وبالتالي تبرير وجهات نظركم)، ومن ثم يحصل تبادل وجهات النظر وكذا التفاهم.

وبفضل هذه الطريقة، سيصبح الخجل بسرعة في خبر كان، ومجرد ذكرى سيئة من الماضي!

ليس من الصعب بتاتا التغلب على الخجل كما تعتقدون في بادئ الأمر، لكنه يتطلب دائما وقفة تأمل مع الذات، وإرادة تروم الحد من تأثيرات القضايا العلاقاتية والفكرية والمادية لمختلف المواقف التي نواجهها يوميا.

وأنتم ؟ كيف يمكنكم التغلب على الشعور بالخجل ؟ هل نجحتم في ذلك ؟ نعتقد جازمين بأن تجاربكم ستثري النقاش أكثر !

إلى اللقاء قريبا !

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *